بحث



الجمعة غرة صفر 1426هـ - 11 مارس 2005م - العدد 13409

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


إيران والولايات المتحدة : السياقات السياسية والاستراتيجية (2 من 2)

عبدالجليل زيد المرهون
    هذا يعني ببساطة أن الإيرانيين والأميركيين وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه في عراق ما بعد صدام حسين. هذا العراق الذي بات بامتياز بيئة تفاعلات أميركية إيرانية مشتركة، بيئة تحتاج فيها طهران لواشنطن بقدر حاجة هذه الأخيرة لها. هذا مع ضرورة التشديد على نسبية هذه المقولة وعدم استبعاد طابعها الافتراضي بصورة نهائية.

مع الغزو الأميركي للعراق، دخلت العلاقات الإيرانية الأميركية مرحلة جديدة، أو لنقل مناخاً جديداً على مستوى البيئتين الأمنية والسياسية.

لقد أفرز الغزو متغيرين هامين على صعيد مقاربة العلاقة بين طهران وواشنطن، الأول متغير الداخل العراقي ومن ثم الدور الإيراني المستجد في هذا الداخل، والثاني متغير الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، الذي بدا متقدما في حجمه ونوعيته أكثر من أي وقت مضى.

منذ البدء، عارضت إيران خيار الحرب الأميركية على العراق، ليس فقط إدراكا منها بطبيعة الخطر الأمني الذي ستكون عرضة له كنتاج لهذه الحرب، بل لاعتقادها بان ضرب بغداد قد يكون مقدمة لضرب طهران نفسها. خاصة وإن تصريحات أميركية عديدة قد ذهبت صراحة أو ضمنا للأخذ بهذا التصور.

بيد أن قرار الحرب كان قرارا أميركيا وحسب، وهنا كان العالم على موعد مع حدث كبير وتاريخي بالعديد من المعايير، حيث سقطت بغداد وجالت الدبابات الأميركية في شوارعها في ظهيرة التاسع من نيسان أبريل من العام 2003.

ربما كان سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين حلما مديدا راود ساسة إيران ومواطنيها على حد سواء، بيد أن سقوطه بدبابة أميركية لم يجلب لهم عيداً أو سروراً.

ولكن أيا تكن المسارات التي قادت إلى سقوط صدام حسين ونظام البعث في العراق، فإن طهران باتت أمام واقع جديد عليها التعامل معه. وهنا بدت التحديات متعاظمة وبدت الهواجس الأمنية وقد وصلت ذروتها.

ولا ريب أن طهران المتوجسة من التطورات الدائرة حولها قد بدت في الوقت نفسه لاعبا أساسيا في مسار هذه التطورات. وتلك قضية ربما لم تكن واضحة تماما في حسابات واشنطن. إنها لم تتصور المدى الذي قد يصل إليه الحضور الإيراني في معادلة العراق الجديد.

لقد كشفت التطورات عن أمور لم تكن في الأصل سرا من الأسرار، فأوراق طهران في المعادلة العراقية كثيرة ومتعددة، فهي على علاقة تاريخية مع المؤسسة الدينية في العراق، أو لنقل مع جزء منها، وهي في الوقت نفسه ذات روابط وثيقة مع العديد من الأحزاب السياسية العراقية، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، الذي تأسس أصلا في طهران. كما لديها علاقة مماثلة أو مقاربة مع حزب الدعوة الإسلامية بفروعه المختلفة، ولديها روابط أقل مع منظمة العمل الإسلامي بشقيها. هذا فضلا عن علاقتها القديمة بجلال الطالباني، وتلك المستجدة مع أحمد الجلبي. وفوق ذلك كله، فإن طهران تمثل البعد الإقليمي الأكثر وضوحا في معادلة التيار الذي يقوده مقتدى الصدر.

وبموازاة المؤسسات الدينية والسياسية، فإن الحضور الإيراني في العراق الجديد يمكن تلمسه في طيف من المؤسسات الاجتماعية والخدمية المنتشرة عبر عديد من مدن العراق ومحافظاته.

هذا يعني ببساطة أن الإيرانيين والأميركيين وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه في عراق ما بعد صدام حسين. هذا العراق الذي بات بامتياز بيئة تفاعلات أميركية إيرانية مشتركة، بيئة تحتاج فيها طهران لواشنطن بقدر حاجة هذه الأخيرة لها. هذا مع ضرورة التشديد على نسبية هذه المقولة وعدم استبعاد طابعها الافتراضي بصورة نهائية.

والذي يبدو اليوم هو أن طهران قد انتهت إلى الأخذ بخيار التعايش مع المشروع الأميركي في العراق، ويبدو أن موقفها من الانتخابات العراقية الأخيرة قد جاء في هذا الاتجاه، والأرجح أن استمرار روابطها بجلال الطالباني ومدها الجسور مع الجلبي قد أتى في الاتجاه نفسه. كما أن الموقف الحيادي الذي اتخذه التيار الصدري من الانتخابات ليس بعيدا عن هذه المعادلة، هذا علما بأن 25 شخصية من هذا التيار قد دخلت الجمعية الوطنية الجديدة على لائحة الائتلاف الوطني الموحد التي قادها عبد العزيز الحكيم.

ويدرك الأميركيون دون ريب هذه المعادلة، لكنها معادلة في صالحهم على أية حال، حتى وإن كانت نتيجتها الفرعية مزيدا من الحضور الإيراني، فهذه قوانين اللعبة. وهي ببساطة قوانين لا يمكن تغييرها ما دام العراق منقسماً على نفسه على نحو يبدو نصفه البعيد عن واشنطن هو ذاته البعيد عن طهران، أو لنقل بعيد عن سياق تفاعلاتها.

بيد أن هذه المعادلة، على الرغم من نسبيتها وطابعها الافتراضي التحليلي، تفرض تحديا من نوع آخر، تحد يرتبط بالجوار العراقي، وتحديدا بالأردن ودول الخليج العربية.إذ كيف سوف تتعامل هذه الدول مع عراق أضحى حاضنة للقوة العسكرية الأميركية والنفوذ الإيراني في آن معا؟

إن إيران باتت، بمعيار النفوذ، مجاورة للأردن بقدر مجاورتها لدول الخليج، هذا الجوار الذي أضحى مكثفا. ربما تكون مقاربة الوضع مختلفة في الأردن عنها في دول الخليج، فهذه الأخيرة تملك من التفاعلات والمصالح المتشابكة مع طهران ما يحيد أية تأثيرات مترتبة على نفوذها في العراق، أو على الأقل يضعف من حدتها. بل إن شعور طهران بضرورة تطوير علاقاتها مع الداخل الخليجي هو اليوم أكثر تجليا مما كان عليه الحال قبل الغزو الأميركي للعراق.

ولا غرابة والحال هذه أن سيطر الهدوء على علاقة الخليجيين بطهران، في حين اتجه الأردن للتحذير من سالهلال الشيعيس. وهذه مقولة سجالية على أية حال.

ولكن ماذا عن الجانب الآخر من مقاربة إيران لعراق ما بعد صدام حسين، وتحديدا بما هو حاضنة لوجود أميركي عسكري متقدم؟

إن نمط الاستجابة الإيرانية لهذا المتغير ذات اتجاه تفاعلي أقل وضوحا من تلك المتعلقة باستنفاذ الفضاء السياسي والاجتماعي العراقي. لكن مضمون هذا التفاعل يبقى دون ريب ذا طبيعة سالبة، بمعنى إنه لا يفرز فرصا للالتقاء بل للاحتكاك والمواجهة الضمنية أو الصريحة. وفي حين أن الفضاء السياسي والاجتماعي العراقي يمنح إيران شعورا بالقوة ويهبها فرصا لمد النفوذ، فإن الوجود العسكري الأميركي المتقدم، المجاور لتخومها البرية والبحرية، يخلق لديها شعورا دائما بالخطر ويعزز في حساباتها احتمالات المواجهة والصدام، وهذه قضية لا بد وأن تلقي بظلالها على كامل حراك إيران السياسي والأمني وتعكس نفسها بوضوح على مقاربة خياراتها الإقليمية والدولية. ولعل هذا يفسر جزئيا تمسك إيران بأوروبا واستمرارها في التحالف الصعب مع روسيا وإعادة بناء علاقاتها مع الهند، على الرغم مما تحمل العلاقة مع هذه الأخيرة من تداعيات سلبية على العلاقات الإيرانية - الباكستانية، وحيث تحتاج طهران لإسلام آباد على أكثر من صعيد، لكنها في الأخير لعبة التوازنات الصعبة والمرهقة.

ونخلص من كل ذلك لنقول إن المتغير العراقي رمى بتداعياته على العلاقات الأميركية الإيرانية في اتجاهين متناقضين، سالب وموجب. وفي حين بدت التداعيات الموجبة واضحة وملموسة، فإن التداعيات السالبة ليس من الواضح ما إذا كان بالمقدور تطويقها والسيطرة عليها بسياج كثيف من التوازنات، أو أنها ستفلت من عقالها وينزلق الطرفان إلى مواجهة مجهولة العواقب.

إن هواجس تجاور القوتين الإيرانية والأميركية تتجاوز اليوم قضية الصدام الناجم عن تفاعلات سالبة مفترضة للمتغير العراقي لتتخذ من الملف النووي الإيراني عنوانا مركزيا لها.

هذا الملف يبدو اليوم حاضرا بقوة في الخطاب الأميركي لكنه على الرغم من ذلك ليس بجديد. ومنذ العهد الأول للرئيس السابق بيل كلينتون كانت هناك ثمة اتهامات لطهران بالعمل على تطوير سلاح نووي.بيد أن التركيز كان منصبا يومها على قضية تكنولوجيا الصواريخ الباليستية، هذه القضية التي جعلت منها إدارة كلينتون إحدى محاور سياستها الخارجية.

لقد وجهت الاتهامات حينها إلى كل من روسيا والصين وكوريا الشمالية باعتبارها مصادر إمداد مفترض لتكنولوجيا طهران الصاروخية. ودخلت إدارة كلينتون في تراشق إعلامي مع الدول الثلاث. وفرضت هذه الإدارة عقوبات على شركات صينية وروسية محددة. وفي الأخير، أفرزت الضغوط تأثيرا ملموسا فيما يتعلق بالصين، وأقل من ذلك فيما يتعلق بروسيا. وهذه الضغوط بدت مبررة في حسابات واشنطن بلحاظ مقاربتها للأمن الإقليمي. بيد أن طهران ما لبثت وأضحت قوة صاروخية، وبدت صواريخها قادرة على حمل رؤوس تقليدية واستراتيجية. وهي تعمدت استعراض الأجيال المتعاقبة من صواريخها الباليستية على مرأى من وسائل الإعلام وبصورة متكررة لتبعث على ما يبدو برسائل في أكثر من اتجاه، مفادها أنها تمتلك من وسائل الردع ما يسهل تعريفه لدى المخططين العسكريين.

وبعد تكنولوجيا الصواريخ، اتجهت التكنولوجيا النووية لتحتل الحيز الأهم في الخطاب الأميركي الخاص بإيران، التي اعتبرت منذ العام 2002 أحد أضلاع «محور الشر» الذي عرفه الرئيس الأميركي جورج دبيلو بوش على أنه يتكون إضافة إليها من كل من كوريا الشمالية وعراق صدام حسين.

لقد كانت معركة صعبة تلك التي خاضتها إدارة كلينتون على صعيد السيطرة على تكنولوجيا الصواريخ في عالم تغير كل ما فيه. بيد أن معركة إدارة بوش للسيطرة على التكنولوجيا النووية أكثر صعوبة بما لا يقاس.

ولتوضيح ذلك يمكن أن نلحظ أن صناعة صاروخ باليستي، بمدى يعتد به وحمولة ذات شأن، لا زال يمثل تحديا ليس من السهل إخضاعه عند الأخذ في الحسبان طبيعة التكلفة المالية المرتفعة ومستوى الخبرات العلمية المطلوبة.

كذلك، فإن تكنولوجيا الصواريخ لا يمكن، أو لنقل يصعب كثيرا، إخفاء مصدرها. ويصح هذا القول حتى في حال تصنيع نماذج مطورة أو معدلة منها، ولذا لم يكن من الصعب معرفة أصل صاروخ «شهاب» الباليستي الإيراني.

في مقابل ذلك، فإن التحدي الوحيد تقريبا أمام إنتاج قنبلة نووية تكتيكية يتمثل في الحصول على مقدار كاف من اليورانيوم المخصب. أما صناعة القنبلة النووية متى توفرت هذه المادة فهي أسهل بكثير من صناعة صاروخ باليستي محدود المدى. إن طرق صناعة القنبلة النووية موجودة منذ زمن بعيد في كتب الكيمياء التي تباع في المكتبات، بل يمكن الوقوف عليها اليوم في مواقع موجودة على شبكة الإنترنيت بشروح مشفوعة بالكثير من الصور والرسوم البيانية الملونة. هذا باختصار ليس هو التحدي.

ولكن ماذا عن اليورانيوم المخصب؟

اليورانيوم قد يتم تخصيبه محليا وقد يستورد جاهزا. وبعد أربعة عشر عاما من تفكك الاتحاد السوفياتي علينا أن نتساءل كم هي مقادير اليورانيوم المخصب التي بيعت في السوق السوداء في أوكرانيا وآسيا الوسطى؟ وكم هي الدول التي اقتنصت الفرصة وكان لها ما أرادت؟ وكم هي الشبكات الدولية المحترفة التي دخلت وسيطا بين الباعة والمشترين؟ كل هذه الأمور لا يعلم أحد مداها. بيد أن الثابت هو أن اليورانيوم المخصب وجد طريقه إلى بقاع ومناطق كثيرة في هذا العالم، الذي ازداد خطورة. ولهذا السبب بالذات تبدو قضية السيطرة على الانتشار النووي قضية بالغة التعقيد، وربما مستحيلة. وعلى الأرجح، فإنه بالنسبة لعدد غير قليل من دول العالم فإن قرار إنتاج قنبلة نووية يعد اليوم قرارا سياسيا أولا وأخيرا.

ولنعد إلى العلاقات الأميركية الإيرانية التي بات رحاها يدور حول الملف النووي.

بين نفي طهران وإصرار واشنطن على وجود نشاط نووي غير مدني، بدا الاتحاد الأوروبي كتلة امتصاص لموجات التوتر الآخذة في الارتفاع. لقد انتهى كل من الأميركيين والإيرانيين بقبول الوسيط الأوروبي، الذي بدا اليوم مرهقا من شدة التجاذبات بين طرفي المعادلة. بيد أنه ليس ثمة خيار سوى إصرار أوروبا على النجاح في مهمتها الصعبة. فروسيا أو الهند أو اليابان ليست في وارد النهوض بهذه المهمة مهما بلغت جهودها. كما أن الوسطاء الإقليميين كالأتراك أو الخليجيين لا يملكون كل مقومات النهوض بمثل هذا الدور.

وعلى الرغم من استمرار الحراك الدبلوماسي، فان احتمالات توجيه ضربة أميركية لمنشآت إيران النووية يبقى قائما على أية حال. وقد تكون هناك استعدادات فعلية الآن لمثل هذه الخطوة. بيد أن الحسابات الأميركية تبقى على درجة من التعقيد، ولا يمكن اختزالها ببعض المواقف، والأكيد أن ثمة معطيات عديدة سوف تحدد الوجهة النهائية لمسار الأزمة الإيرانية الأميركية.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية