عندما نقول عن مشكلة ما بأنها مأسأة أو معاناة فإن ذلك يعني أن هذه المشكلة قد وصلت إلى مرحلة متقدمة في حالها وفي خطرها.. وأنها مشكلة تسير في طريقها إلى أكبر قدر من أفراد المجتمع لاقدر الله وأنها بالتالي أصبحت ظاهرة تستوجب جهوداً كبيرة لعلاجها وتتطلب حلولاً عاجلة لدراستها وتتطلب إرادة مخلصة لتداركها!!
ونحن في هذه البلاد وإلى أيام قليلة كنا نفخر بإنجازات مختلفة علمية وطبية ولله الحمد امتدت هذه الإنجازات إلى كثير من مواطني دول العالم الخارجي في أوروبا وفي آسيا وفي أفريقيا وسعينا إلى استثمار ذلك النجاح للعالم كافة حتى نؤكد لهم أن هذه البلاد بلاد علم وتقدم في أهم فروع العلم وقد تحقق ذلك الاستثمار الإعلامي جيداً ولله الحمد..
لكن.. أعتقد أنه من المعيب!! وأعتذر جداً عن إدراج هذه الكلمة أو لنقل انه من غير المستحسن أن نبقى نكرر مثل هذه الإنجازات بصور متتالية يمكن القول إنه تكرار مبالغ فيه.. وذلك لسبب واحد فقط هو أن لدينا القناعة الأخرى وهي القناعة المخفية للأسف والتي يتردد الكثيرون في ذكرها رغم اعترافهم بها.. هذه القناعة تقول بأننا لازلنا في مراحل متدنية أو لنقل بصريح العبارة مراحل مقصرة جداً في جوانب اخرى منها جوانب تعليمية وتربوية وطبية وفي كثير من المواقع والتخصصات!!
طبعاً المجال لا يتسع هنا لسرد الأمثلة الكثيرة لتأكيد ذلك القول أو إيضاح ذلك القصور المتعدد وكل مراجع لأحد المراكز العلمية او الطبية الحكومية سيكون لديه الكم الكبير من الأدلة على صدق ذلك القصور كواقع مؤلم ينافي ويناقض تلك الإنجازات العالمية!!
هنا سأورد مثالاً بسيطاً ووحيداً على ذلك القصور العلمي والاجتماعي والإنساني في أهم جوانب الخدمات العلمية والخدمات الطبية.. هذا المثال هو قضية مرض «التوحد» .
طبعاً شريحة كبيرة من المجتمع تجهل كلياً حقيقة هذا المرض وقد لا يعلم به أحد إلا من كان لديه مريض أو كان له قريب له شفاه الله وأعانه على علاجه وعلى تربيته وعلى تعليمه.. لذلك فان معاناة ذوي مريض « التوحد» هم فقط من ظلوا يتحملون وحدهم مآسأة ومعاناة مريضهم دون سواهم وهي معاناة لايعلم بها إلا الله في ظل استمرار التجاهل والقصور الرسمي والاجتماعي والإنساني لذوي هذه الظاهرة.
طبعاً لمن لا يدرك ولمن لم يسمع بمرض التوحد.. فإن تعريفه الطبي هو باختصار شديد إعاقة متداخلة ومعقدة تظهر عادة على الطفل خلال السنوات الثلاث الأولى من عمره، وذلك نتيجة لاضطراب عصبي يؤثر في عمل الدماغ، ويزيد معدل انتشار التوحد بين الأطفال الذكور أربع مرات عنه بين الإناث، كما أن الإصابة بالتوحد ليس لها علاقة بأية خصائص ثقافية أو عرفية أو اجتماعية، أو بدخل الأسرة أو نمط المعيشة أو المستوى التعليمي.. ويُقدر عدد الأطفال الذين يصابون بالتوحد بحوالي 20 طفلاً من كل (10,000) تقريباً.
وإن من أهم الأعراض التي تظهر على مريض التوحد هي:
٭ الصعوبة في الاختلاط مع غيره من الأطفال.
٭ الإصرار على ذات الأشياء ومقاومة التغيير في الأمور المعتادة.
٭ الضحك والقهقهة بصورة غير ملائمة.
٭ انعدام الخوف الحقيقي من الأخطار.
٭ قلة الاتصال البصري أو انعدامه كلياً.
٭ عدم الاستجابة لطرق التدريس التقليدية.
٭ اللعب المستمر بطريقة غريبة أو غير مألوفة.
٭ انعدام واضح للإحساس بالألم.
٭ تكرار المفردات أو العبارات بدلاً من اللغة الطبيعية.
٭ تفضيل الوحدة والعزلة عن الآخرين.
طبعاً ليس المجال هنا مجالاً لإيضاح المزيد عن هذا المرض.. ولكن أنقل هنا معاناة ولي أمر أحد الأطفال الذين قدر الله عليهم وأصيبوا بهذا المرض.. وهنا المقصد الأهم من هذه الأمثلة.. معاناة هذا المواطن تحتاج إلى صفحات عديدة ولكن أحاول أن أوجزها فمنها معاناة طبية وعلمية واجتماعية ومالية وما إلى ذلك.. يقول هذا المواطن : بعد اكتشاف حالة ابني الصحية بأنه (طفل توحدي) تم مراجعة عدد من المستشفيات الحكومية والعيادات الخاصة لمعرفة الأسباب وطرق العلاج وللأسف الشديد فإنهم اختلفوا في عملية التشخيص لعدم وجود مراكز متخصصة فعلا تواكب مكانة بلادنا وتعكس التطور الطبي الذي نحاول ان نسمعه للعالم.. وقد تنقلت بين العديد من المراكز التدريبية الخاصة بالإضافة إلى مراجعة العيادات المسائية لتدريب طفلي على العناية بنفسه على الأقل ولكن للأسف الشديد في كل مركز تعطى الوعود الكاذبة منها مثلا أنهم يقومون بتدريس نموذجي وان عدد الطلبة في الفصل من 3 إلى 4 طلبة (وهو العدد الامثل والمفترض لمثل هولاء الطلاب) ولكن بعد دفع الرسوم المالية الباهظة جدا نكتشف أن الوضع مختلف كليا حيث يقوم العاملون في هذه المراكز بضم الطلاب في صفوف واحدة بحيث يصل عدد الطلاب إلى أكثر من تسعة طلاب؟؟ وذلك بهدف التوفير؟؟،
ومع الاستمرار في هذه المعاناة اضطررت إلى الاتفاق أخيراً مع إحدى المدارس الأهلية على استئجار فصل دراسي وتأثيثه وإحضار معلمتين على نفقتي الخاصة لكي يستفيد الابن وزميله.. ولكن إلى متى هذه المعاناة ؟ وما هي حال غير المقتدر على مثل ذلك؟؟
كما قدم هذا المواطن العديد من الاقتراحات منها:
٭ عمل دراسات إحصائية لمعرفة عدد التوحديين، وهل هم ملتحقون بمدارس متخصصة أم لا ومدى استفادتهم من الخدمات المقدمة لهم.
٭ إجراء البحوث والدراسات بالتعاون مع مراكز متخصصة في الدول المتقدمة بهذا المجال وتشجيع البحوث والدراسات في الجامعات والمستشفيات السعودية لمحاولة معرفة أسباب التوحد للوقاية والعلاج.
٭ مراجعة المدارس التي تقدم خدماتها للتوحديين لمعرفة نوعية الخدمات المقدمة وهل هي ملائمة للأطفال ومراقبة رسوم الدراسة فيها.
٭ إنشاء مدارس متخصصة يقوم عليها مختصون على قدر عال من الكفاءة العلمية وتكون برسوم ميسرة (حكومية أو أهلية) مع إقامة حملات للتبرع، وتوعية برنامج (كفالة طفل توحدي) للأسر الفقيرة.
٭ نشر الوعي على مختلف الأصعدة وذلك عبر وسائل الإعلام المختلفة واقامة المؤتمرات والمنتديات العلمية والتوعية بالمدارس والجامعات، وتنظيم دورات تعليمية وتثقيفية عن التوحد وطرق التعامل مع أبنائهم.
٭ إقامة معارض تحكي عن هذه الفئة والخدمات المقدمة لها وما أنجزه الأطفال التوحديون من أعمال.
٭ إطلاق جائزة تحمل اسم أحد الشخصيات الاجتماعية البارزة المعروفة باهتمامها بهذا المجال وتقدم لأفضل مركز متخصص وأفضل أسرة لمساعدة طفلها على تجاوز مشكلته وأيضاً للطفل المميز وكذلك للمعلمين أو المعلمات المبدعين.
٭ إيجاد أقسام بالجامعة لتدريب اضطراب التوحد ضمن التعليم الخاص بالإضافة إلى تخصصات التخلف العقلي وصعوبات التعلم والإعاقات السمعية.
٭ عقد اجتماعات دورية لأولياء أمور التوحديين للاستفادة من خبرات بعضهم البعض وتبادل المعلومات فيما بينهم.
٭ دمج الطلبة التوحديين بالأسوياء ضمن برنامج مدروس بالمدارس.
أعتقد أن الصور واضحة أمام المسؤولين في وزارة التربية والتعليم وفي وزارة الصحة وفي وزارة الشؤون الاجتماعية.. وللأمانة هنا فإن هذه قضية في طريقها إلى الارتفاع وقد تصبح ظاهرة لاقدر الله في القريب وهذا يقابله تدن كبير في مستوى الخدمة المقدمة المطلوبة لهذه الفئة.. وعلى المعنيين بهذا الأمر من المسؤولين الإدراك الكلي بان هناك ارتفاعاً كبيراً في تكلفة العناية بمريض التوحد وهي تكلفة تبدأ من خمسة عشر ألف ريال حتى تتجاوز الأربعين ألفاً سنوياً وبدون شك فإن هناك أناساً ظروفهم المادية لا تساعدهم على تدبير مثل هذه المبالغ.
فهل نسمع قريباً مبادرات رسمية وخيرية تعالج هذه المشكلة؟.. وهل يدرك المعنيون أن صرف المبالغ الطائلة في مثل هذه التوجهات أولى من صرفها في أمور أخرى؟!!