العربية.. المهمة الصعبة والسامية
تواجه قناة العربية الإخبارية حملة شرسة في مواقع انترنتية متطرفة. ونفس الأسباب التي ساقها المهاجمون كنقاط ضعف على قناة العربية هي التي يمكن أن تؤخذ كنقاط تدل على القوة والتقدم.
سياسة قناة العربية التي تغيرت خلال العام الماضي تبدو جديدة على الجمهور العربي الذي اعتاد على نوع معين من الإعلام على مدار أعوام طويلة. عندما تلقي نظرة خاطفة على الإعلام فسترتسم صورة تتداخل فيها عدد من المشاهد.. صور لرئيس عربي ثوري يخطب، صفوف من القوات المسلحة، ضيوف يمجدون العروبة ويهاجمون القوى الإمبريالية والاستعمارية. بعد عصر الفضائيات كان التغيير الأكبر قد طال الشكل الخارجي أما العقول فلازالت تفكر بالطريقة القومجية أو الإسلاموية البالية.
أما في قناة العربية فلا يوجد من يخطب على شاشتها ولن تجد مذيعاً يتحدث بشكل منبري عن العدو الصهيوني وقوى الاستعمار.. الأشياء تحدث بطريقة ناعمة وحرفية ومتحضرة. القضايا يتم تناولها بطريقة حيادية وموضوعية ويتم استضافة ضيوف متعارضين في الرؤى وتنقل الأحداث الجارية للناس بشكل نزيه وبدون أن يحجب جزءاً من الحقيقة عن الناس.
ولكن الناس اعتادوا على الإعلام الذي يتطابق مع أفكارهم ويدغدغ عواطفهم ويقول لهم مايرغبون في سماعه لذلك تبدو مهمة قناة العربية صعبة وسامية في ذات الوقت.
غالبية القنوات الفضائية الأخرى تقوم بإنعاش المشاهدين ولكنها في الحقيقة تقوم بعمل مؤذٍ لهم. إنها تحقنهم بالأفكار المتطرفة والسطحية وتقدم لهم صورة مضللة عن الواقع وتكذب عليهم عندما تروج لهم بشكل مستمر أن أسباب التخلف العربي تكمن في الآخر العدو وليس في أفكارنا وتصوراتنا نحن. وتبدو نتيجة هذه واضحة عندما تستمع للقاءات التي تجرى في الشارع مع الناس أو تستمع لبرامج الاستفتاءات التي يتصل بها المشاهدون العرب ولتقف على آراء إناس متعصبين وغير عقلانيين ويتحدثون بأسلوب خطابي.
بالقدر الذي يبدو فيه الإعلام العربي مضراً جداً بالقدر الذي يبدو فيها الامل في قناة العربية لإحداث تغيير كبير جدا. إن التغيير الذي يمكن أن تحدثه قناة العربية في تعويد الناس على طرح متزن وعقلاني وجعلهم شخصيات تبدو أكثر واقعية في قراءة الإحداث وتهزأ بكل من يحاول أن يلعب على وتر مشاعرها. إن هذه ستكون خدمة كبيرة للمسلمين والعرب تمهد وعي الناس للدخول في عالم الحداثة الذي بدأ جميع العالم بالإنصهار فيه. إنها مهمة عظيمة حقا ان تساهم بخلق إناس متسامحين ومسالمين ومستنيرين.
إننا ندعو الله حتى تسير قناة العربية على هذا الخط الإنساني الرائع وأن تقوم بالتأثير على باقي القنوات حتى تتبع خطاها.
لا غرابة بعد ذلك أن يهاجمها المتطرفون. فهي بالنسبة لهم كالأسيد الذي سيذيب أفكارهم وأيديولوجياتهم وطموحاتهم.