يراهن الشاعر علي الحازمي باصرار على الاخلاص لتجربته الشعرية وتحديداً مع عشقه لقصيدة التفعيلة ولا سيما في تشكيله للصور التي تأتي في نطاق المحسوس كما تتجلى الجدة في نصوصه من خلال البناء الفني والمتماسك للقصيدة.
ولعل خروج ديوانه الجديد عن المركز العربي الثقافي ببيروت متخذاً له عنوان «الغزالة تشرب صورتها» لدليل قاطع على شغفه بالتطوير ممتطياً لغة زاهية يلتقطها من «جنوبه» المتباهي بخلق الشعراء.
(الرياض) حاورت الشاعر علي الحازمي اثر صدور الديوان فجاءت اجاباته أقرب لقصائده أيضاً.. فإلى تفاصيل الحوار:
٭ ما مرد تقسيم الديوان إلى ثلاث اضاءات شعرية، على الرغم من أنه يسير في فلك شعري واحد وينحو منحى عاطفياً مؤرقاً بالآخر؟
- من المؤكد أنني سعيت إلى ذلك التقسيم عن قصدية محضة، أردت من خلاله أن أصل بتضافر تنويعات الاقسام الثلاثة إلى تحقيق حالة من الدعم الموازي لرؤيتي التي وددت طرحها من خلال هذا العمل، ومع ذلك أجدني لا أفضل الآن الحديث كثيراً حول هذه الأمور، ليس من واجبي - على ما أظن - الذهاب لتسمية الأشياء بمسمياتها، على القارئ أن يقوم بهذه المهمة من تلقاء نفسه، إن سرد مثل هذه الإضاءات ليس من مصلحة ديواني التطرق لها في هذه الفترة على الأقل، خاصة وأنه لم يصل بعد إلى القارئ، حيث لم يمض على صدوره سوى فترة قصيرة.
٭ ما مدى اختلاف ديوان (الغزالة تشرب صورتها) عن تجاربك الشعرية السابقة؟ من حيث اللغة والصورة والمخيلة؟
- عندما حظيت مجموعتي الشعرية الثانية (خُسران) بتقدير جيد من قبل الوسط الثقافي والمهتمين، أدركت وقتها بأنني مطالب بخوض تجربة شعرية مغايرة على المستوى الشخصي، ولن أتمكن من تحقيق ذلك إلا عن طريق مغادرة تلك الأجواء التي صغت (خُسران) من لهيب يومياتها المضنية، كان ذلك خياراً صعباً في أول الأمر، خاصة وأنني مازلت أشعر بأن طاقتي لكتابة أجواء (خُسران) لم تستنفذ بعد، لكن الرغبة العميقة لدي في خوض تحد جديد مع لغتي وقدراتي التعبيرية ظلت هي الباعث الحقيقي والمحرض المستمر للشروع في هذه المحاولة.
في المجموعة الجديدة حرصت الا أذهب بعيداً عني، عن عالم طفولتي الواسع، أردت أن أستثمر ذلك الثراء الذي تمنحني اياه الذاكرة لاعادة خلق وصياغة تفاصيل حميمية تتعلق بالقرى وسهولها، بتلك الوجوه السمر المتعبة التي كان عليّ أن أصافحها طويلاً في أول العمر.
٭ وأنت تقرأ (الغزالة تشرب صورتها) تجد تماهياً مع شعرية السياب ودرويش وعبدالصبور وأمل دنقل ما سر هذه المحاكاة؟
- أنت تعلم أنني أكتب قصيدة التفعيلة، والاسماء التي ذكرتها هي رموز هذا الشكل الشعري، لذلك من الطبيعي أن تلمح وجود بعض الجماليات المشتركة لدى أغلب الشعراء الذين يكتبون قصيدة التفعيلة، إن اصراري على مواصلة الكتابة عبر هذا الشكل من الشعر لا أجدها أمراً طارئاً بقدر ما هي متعلقة بفهمي الخاص للشعر وبذلك الخيار المستقل الذي أجده في الكتابة بوجه عام، من المؤكد أنني مازلت مهتماً للقارئ ولدوره الحيوي في اثراء القصيدة، لذلك تجدني أسعى دائماً عن رغبة صادقة لمد جسور حقيقية للتواصل معه، لا أفضل كثيراً أن أشارك في اتساع الهوّة القائمة بين الشعر والمتلقي عبر تبني أي شكل شعري آخر من شأنه أن يسهم في تفاقم وزيادة رقعتها.
٭ حضور الناقد عبدالعزيز المقالح على الغلاف الأخير للديوان هل هو تأكيد لغياب الناقد المحلي؟
- ليست القضية بهذه الصورة، لأن الساحة الثقافية المحلية شهدت في السنوات الأخيرة حراكاً ثقافياً مميزاً، أسهم في خلقه كل من المبدعين والنقاد على حد سواء، ربما نلحظ غياباً نسبياً لبعض الاسماء النقدية المكرسة عن تعاطي التجارب الإبداعية الجديدة، لكن ذلك لا يقلل من قيمة وأهمية النجاحات التي تسجلها الاسماء النقدية الشابة من خلال مواكبتها للاصدارات الابداعية الجديدة. أما فيما يتعلق بكتابة الدكتور المقالح على الغلاف الخلفي للمجموعة فالمسألة لا تعدو كونها مصادفة محضة، أذكر منها أنني سعدت كثيراً عندما قام المقالح بالكتابة عن مجموعتي السابقة (خُسران) الأمر الذي حرضني بعد ذلك لأن أرسل له مخطوطة مجموعتي الشعرية الجديدة، من أجل معرفة رأيه، تفضل الرجل - وقتها - بكتابة تلك الكلمات حول عملي ما جعلني أقوم بوضعها فيما بعد على الغلاف الخلفي للمجموعة.
٭ تعد الأسطورة والموروث الشعبي رافدين هامين لبناء قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة ما سر هذا الغياب عن أجواء الديوان؟
- استثمار الموروث الشعبي والأسطورة شعرياً مسألة بالغة الحساسية والتعقيد، قليل هم الشعراء الذين نجحوا في الاستفادة من هذين المعطيين، ليس من العدل أن نطالب كل الأعمال الشعرية بأن تكون مشتملة على ذلك، إن القيم الجمالية والفنية التي يفترض أن تقدمها الأسطورة والموروث للنص الشعري لا يمكن لها أن تحقق نجاحاً مغايراً إلا عن طريق العمل عليها كمشروع شعري مستقل قائم بذاته، الأمر الذي يجعلني أتوخى كثيراً قبل الاقدام على خطوة كهذه، لأنها تحتاج برأيي إلى دراسة مستفيضة وعميقة للكيفية التي سيتم عن طريقها تقديم عمل متميز يمتلك هذه المواصفات العالية من مقومات النجاح.
٭ تسكن مفردة (الجنوب) روح الديوان وتبقى ملاذاً للشاعر إذا دعاه الشوق إلى الآخر، لماذا (الجنوب) تحديداً؟
- في إجابة سابقة ذكرت لك بأنني حاولت في هذا العمل أن أخوض تجربة شعرية مختلفة على المستوى الشخصي، لعلي أردت من خلالها أن أرضي شعوراً مصاحباً يؤرقني كثيراً حيال مسألة وفائي للجنوب، للمكان الذي نشأت فيه، بحب كبير سعيت للاقتراب من عوالمي الخاصة، من طفولة تسمرت فيها أحداقي طويلاً أمام قامات النخيل الباسقة، رغبت بقوة في صياغة بعض تفاصيل قراي الفاتنة، تلك التي راح يخضب حناؤها كفوف أوقاتي الماضية بالكثير من الدفء والجمال. في الجنوب أنا على موعد دائم لاقامة تصالح حميم مع اليباب الذي قد يتسلل إلى حدائق الروح، الحقول والاودية وأشجار السدر والنخيل كفيلة وحدها بأن تمنحني هذا الشعور الشاهق، في أغلب الوقت لست بحاجة لقطع دروب مضنية لمعانقة هذه الاجواء، هي دائماً على مرمى حجر من العين، أذكر جيداً أن أوقاتاً عديدة أتيحت لي لأن أنتقل للعيش خارجها، لكنني كنت دائماً أفضل البقاء، لست جديراً بخوض تجربة حياتية جديدة أعلم مسبقاً فداحة الألم الذي سيطالبني إثر اقترافها.
٭ كيف استقبل النقاد والدارسون تجربتكم الجديدة؟
- على الرغم من أن عملي لم يمض على وقت صدوره سوى فترة زمنية قصيرة إلا انه يلاقي أصداء جيدة، هذا ما أشعر به شخصياً، في الوقت الذي أدرك فيه جيداً أن مسألة تواصل الآخرين مع الشعر تظل مسألة ملتبسة، ولا تخضع في العادة إلى معايير أو ضوابط واضحة، الشاعر وهو يكتب قصيدته يعلم جيداً أنها ستحظى بالقليل من الاصدقاء وبالكثير من الخصوم غير المعلنين، في الشعر لست مطالباً بارضاء أحد، كما أن القصيدة الجيدة هي تلك التي لا تخضع لاشتراطات معينة، تستطيع فرض نفسها دون وصاية من أحد، على الشاعر ألا يفكر كثيراً في مغادرة لحظته الشعرية الراهنة، عليه أن يكون وفياً لها، أن يظل مصغياً لذلك القادم من أصقاع نائية بالروح، لابد أن يتحلى بالإرادة الضرورية لتحقيق ذلك.