بحث



الخميس 29 محرم 1426هـ - 10 مارس 2005م - العدد 13408

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


ملتقى الرواية في القاهرة
توترات التواريخ القريبة

فاطمة المحسن
    ملتقى الرواية في القاهرة، كان هذه السنة على موعد مع كل الاشكالات التي تنوء بها الملتقيات الثقافية العربية من تشاحن ونميمة بين الأدباء، الى تجاذبات المصالح الى تداخل السياسي بالثقافي على نحو لا فكاك منه. وزاد الأمر تعقيدا شدة الاحتدامات في الساحة المصرية التي شهدت خلال الملتقى السابق تظاهرة سياسية صاخبة هدفت الى تحطيم الدور الذي تولاه المجلس الأعلى للثقافة المصرية ورئيسه جابر عصفور. تبدى الأمر هذه السنة على نحو أوضح في مقاطعة شملت معظم مثقفي اليسار المصري.غير ان كل تلك الاعتبارات لم تمنع المؤتمر من تحقيق أهم كسب سجله جابر عصفور للثقافة المصرية وهو استقطابها العرب في حوارات سواء جرت على المنصة او خارج القاغات، وهي حوارات مهمة تعزز جدل الحياة العربية الثقافية التي تكاد تتمترس فيها كل ثقافة بنفسها.

السؤال المتكرر يدور في كواليس الثقافة المصرية حول جدوى تلك اللقاءات، في حملات تتصدرها جريدة «اخبار الأدب» الأسبوعية ومحررها جمال الغيطاني حيث كان عددها حول المناسبة حافلا بما يشير الى فشل هذا المؤتمر وانتفاء الحاجة اليه، في حين شهد حفل ختام الملتقى، تأكيدا على ضرورة عقده كل سنة وليس كل سنتين كما جاء في خطاب ادورد خراط رئيس لجنة تحكيم الجائزة.

الطيب صالح الذي فاز بجائزة الملتقى بدا على منصة الفوز وكأنه يرد على بعض ما جاء في حيثيات رفض صنع الله إبراهيم للجائزة.

دورة هذه السنة «الرواية والتاريخ» كانت تحية وفاء الى الراحل عبد الرحمن منيف مؤسس الرواية التاريخية العربية الحديثة، وتضمنت الكثير من الأوراق دراسات لروايتيه «مدن الملح» و« أرض السواد»، وكانت معظمها تشيد بجهده في استخدام المبحث التاريخي والاقتصادي والانثربولوجي في كتابة نصه.

كان الملتقى مناسبة للخوض في موضوع المعرفة التاريخية والقص، وتتحدد فائدة الأوراق المقدمة في إدراك المشاركين ضرورة البحث في الاتجاهات المتعين قولها حول مفهوم التاريخ وتمثل العرب له روائيا. ولعل تجلي التاريخ روائيا يبقى الاشكال الأساسي الذي شغل الكثير من المباحث، وربما كان موضع الالتباس الأول في صيغة الأوراق المقدمة وخاصة الشهادات وهي تتضمن الحديث عن تجربة الكاتب وعلاقته بتاريخ ما يكتب. بالطبع بدت تلك الأوراق وكأنها طقوس روتينية يؤديها الروائيون في كل المؤتمرات، ولكن بعضها حاول مناوشة التاريخ من حيث هو مادة للمعرفة الروائية، وكان بعضها يحمل فائدة التذكير بتحولات الوعي الروائي عند الكاتب نفسه.

مفهوم الرواية التاريخية كان من بين المواضيع التي جرت الأحاديث حولها، مثلما كان تاريخ المكان وهويته مادة البحث التي تمثلت بندوات مختلفة بينها ندوة خاصة بإبراهيم الكوني الروائي الليبي الطوارقي الذي تحدث حول علاقة نصه بالرمز مستنطقا افكارا تحاذي المدرسة الغنوصية والتصوف المتغربن، وتميزت هذه الندوة بطابعها الخاص، الذي بدا فيه الكوني وكأنه يدخل طقسا مثيرا للفضول على خلاف الكثيرين ممن تحدثوا عن تجاربهم الروائية.والكوني كان من بين الأسماء القوية المرشحة للفوز بالجائزة على مدى الملتقيات الثلاثة التي عقدت في القاهرة. وكما في كل مرة، كان الكوني على مبعدة من كل الأفكار المتداولة عن صنعة الرواية، وقدر ماتهامس الأدباء عن علاقته الحميمية بسلطة القذافي، قدر ما بدت طروحاته وكأنها تجري في سواقٍ ليس لها علاقة بالأزمنة والامكنة التي نعيشها.

هل هو الهارب من استحقاقات العلاقة بين الاديب ومجتمعه الى جنة الامتيازات؟ أم هو المثال المنتظر عن ابتعاد الاديب عن منطق الايديولوجيا وتهويمات السياسة اليومية؟. الإجابة تحمل اشكاليات تنطبق على الكثير من المؤتمرين وخاصة بعض الأدباء الرسميين وإن على نحو مختلف عند الكوني. التجارب الادبية هي الباقية، هذا ما يسجله الزمن، فروائي وناقد معروف من المغرب كان عندما يحل في مرابد العراق العامرة، تستقبله حافلة القصر الجمهوري، وقد نال عربون تلك المباركة أموالاً طائلة، على حساب أدباء العراق الذين كانوا يتضورون جوعا أو تلقي بهم الرواحل خارج بلدهم. هذا الأديب كان حاضرا في هذا المؤتمر وفي كل المؤتمرات بالطبع، وهو اليوم يتحدث عن فضاء البحث عن الحرية في كتابة التاريخ، فهل نصدق أسماعنا او التواريخ القريبة؟ تلك بين الاشكاليات التي علينا ان نطويها حتى ولو حاول أدباء العراق ان يجيبوا عن سؤالها ولكن من زاويتهم هم وليس من زاوية من ساهم في خراب العراق. ولم يكن الوفد العراقي الذي كان هذه السنة أوسع تمثلا من السنوات السابقة، على مبعدة من إشكاليات بلده من حيث النوع والتمثيل، ولكن الذي ميزه تعدد أصواته، فهناك أدباء من الداخل وفي المقدمة أحمد خلف الروائي الستيني المعروف الذي قدّم مداخلة مؤثرة أعلن فيه فرحه لوجوده في القاهرة بعد أن حرمت السلطة السابقة أدباء العراق من المغادرة الى المؤتمرات إلا من يمثلها. وكان خطاب التكرلي يختلف عن خطاب عبد الرحمن مجيد الربيعي، كما ان تنوع الأجيال بين عالية ممدوح وبتول الخضيري وهدية حسين، كان مناسبة لتلمس ذبذبات تطور مجتمع الأدب في عراق اليوم والمستقبل.عبد الستار ناصر في كلمته سجل شهادة حارة ومفعمة بالعاطفة عن عراق زاحم فيه الرئيس حياة الأدب والأدباء فسد عليها المنافذ، ولم يتخل عن كل الألقاب حتى لقب الروائي فانشغل في أيامه الأخيرة بصنع الرواية التاريخية منصرفا عن رواية الخراب التي عممها على العراق.

التواريخ وعلى يد مجرب الروايات التاريخية في العالم العربي جورجي زيدان، وسيلة إيضاح لخطاب التنوير، وبقيت الى يومنا هذا رهينة إسقاط الماضي على الحاضر، وسواء كان التاريخ مؤدلجا أم يتجول في فضاء حر، فقد بقي رهن المُسَاءلة الى يومنا هذا يتنازع ارثه الروائيون والبحاثون.

المبحث الذي غاب عن اوراق المؤتمر او تمت مناوشته دون الدخول في عمقه، هو الفرق بين الرواية المعرفية والقص اليومي، والرواية المعرفية التي يحضر التاريخ بين ممكناتها، هي نتاج الأفق الرحب للمعارف الانثربولوجية وعلم التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع عموما، وهي التي تصوغ الوعي التاريخي في كل اللغات، وضعف تقاليدها في لغتنا يشير الى عجز الرواية في الوصول الى أفق الرحابة في معالجة التاريخ.حساسية الروائي شأنه شأن كل المبدعين، لم تعد تحركها الحدوس على أهميتها، بل هي نتاج ثقافة يدرك فيها الفنان معاني الزمان والمكان، ولعل القص يجسدها على اوضح صورة في إمساكه المتغير الذي تتوقف على قيمته قيمة دالة هي الحجة أو المحمول الذي تتحرك فنية العمل من خلاله.

في اطار الرواية السعودية حاول عالي القرشي مقاربة مفاهيم استنطاق او اختراق التاريخ في روايات بينها لعلي الدميني وعبده خال ورجاء عالم، واشتغل على مفهوم الذاكرة والتاريخ، في حين قدم يوسف المحميد شهادة عن تجربته الروائية، ولعل كتابه الذي تضمن مشاهدات من البصرة قبل خرابها، واحد من الكتب التي تدلل على وعي بتواريخ الأمكنة، لا باعتبارها مادة لرثاء الأزمنة السعيدة، بل ذاكرة تصلح لمتابعة تبدل الظواهر في المكان الواحد. أما شيخ النقاد عبد الله الغذامي فقد هوّم في موضوع لا علاقة له بعنوان الملتقى ولا الأوراق المقدمة فيه.


عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية