بحث



الخميس 29 محرم 1426هـ - 10 مارس 2005م - العدد 13408

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


واقع صناعة النشر في البلدان العربية «سوريا نموذجاً»
محمد عدنان سالم: صناعة الكتاب سجلت انتكاساً منذ العقود الأخيرة في القرن الماضي وارتفعت القرصنة واستباحة حقوق الملكية الفكرية

محمد عدنان سالم
محمد عدنان سالم

دمشق - مكتب «الرياض» استطلاع - محمد أحمد طيارة
    لماذا أصبح دور دور النشر هذه الأيام يتمثل بالوسيط بين المطبعة والكاتب والمكتبات؟.. وماهي التحديات التي تواجه هذه الدور؟.. ولماذا لا تزال أزمة التسويق والشحن والتوزيع بين الدول العربية مشكلة كبيرة؟.. ولماذا لم يتم حتى الآن البحث عن ضوابط وحلول لأزمة الكتاب الورقي بينما عالم الورق يؤذن بالرحيل عالمياً؟.. أسئلة ملحة بحاجة إلى جابات.

كان الكتاب منذ آلاف السنين المصدر الوحيد الذي يزود الإنسان بكل مايحتاج إليه في شتى المجالات المعرفية والإعلامية والترفيهية مما وطد العلاقة بين الكتاب والقارئ، فكان الكتاب خير جليس وخير انيس في ساعة الوحدة وخير صاحب في السفر والغربة لكنه اليوم على مايبدو أصبح يواجه تحديات كبيرة على كافة الصعد الأمر الذي ادى إلى تردي واقعنا المعرفي عامة وحركة النشر خاصة؟

ولعل البحث في ازمة صناعة النشر لدينا يماثل حالة التشخيص الذي تسبق العلاج بل تعتبر المرحلة الأهم من خلال وضع اليد على الجرح كما يقول رئيس اتحاد الناشرين العرب الأستاذ محمد عدنان سالم فنحن نبحث عن ضوابط لأزمة الكتاب الورقي بينما عالم الورق يؤذن بالرحيل عالمياً ولذلك فإن النظر بجدية إلى طبيعة وجودنا في القرن الحادي والعشرين من عمر البشرية ووضع تصورات لسوق عربية مشتركة للكتاب وتنمية الثقافة والقراءة وغيرها من المسائل المصيرية امور هامة جدا وهذا ما سنسلط الضوء عليه في التحقيق الذي يشخص الحالة العربية «سوريا نموذجاً» ويقترح لها بعضا من الحلول والاضاءات التي تنير الطريق نحو نهضة حقيقية لصناعة النشر العربية.

تشير الاحصائيات ان سوريا تحتل المرتبة الثالثة بين دول الوطن العربي في مجال صناعة النشر أي عدد الكتب المطبوعة والموزعة والمباعة داخل سوريا او المصدرة إلى البلدان العربية والأجنبية.. وقد شهدت دمشق وبقية المدن السورية اقبالاً منقطع النظير من المثقفين والباحثين العرب الذين قدموا اليها بحكم كونها كانت اول الدول العربية التي عربت العلوم ودرست الطب باللغة العربية وساعد على هذا الأمر كون عدد ضخم من المثقفين العرب تخرجوا من جامعة دمشق، ولكن لنترك الاجابة لأصحاب الشأن ونبحث عن التحديات التي تواجه الكتاب العربي وصناعة النشر عواملها، اسبابها وطرق تذليلها.

تحديات اقتصادية

يقول الأستاذ محمد عدنان سالم رئيس اتحاد الناشرين العرب رئيس اتحاد الناشرين السورين وصاحب دار الفكر للطباعة والنشر ان صناعة الكتاب سجلت انتكاسا منذ العقود الأخيرة في القرن الماضي ويبدو ذلك واضحاً على ثلاثة مستويات تتبادل التأثير فيما بينها وهي القراءة والابداع والنشر.

فعلى صعيد القراءة تراجع عدد النسخ الذي يطبعها الناشر من كل عنوان على الرغم من تزايد عدد السكان وتناقص عدد الأميين بسبب قوانين التعليم الإلزامي فان الناشر بات لا يطبع من اكثر عناوينه رواجا اكثر من ثلاثة آلاف نسخة على صعيد الوطن العربي الكبير مما يشي بأن أمة «اقرأ» اصبحت لا تقرأ. ولم تكن كذلك يوم اراد الله بها الخير وابتعثها لبناء حضارة انسانية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ولا كانت كذلك في مطالع القرن الماضي وأواسطه اذ كانت اكثر تداولاً للكتاب واكثر شغفا به واحتراما له.

ويعتقد سالم ان انتحال العازفين عن القراءة لعزوفهم اعذارا بعضها واه لا تقوم به حجة وبعضها له وجه لا يلبث ان ينكشف عن حجة داحضة. اما في مجال الإبداع فقد هدأت المعارك الأدبية والمناظرات الفكرية والمقالات النقدية التي كانت تحفل بها الأوساط الثقافية في اوساط القرن الماضي ونضبت بهدوئها القرائح فانكفأت إلى التكرار والاجترار والاقتباس والمحاكاة ولاذت بالتراث تستنطقه الأفكار بدلاً من ان ترتكز عليه في بناء الأفكار وفي غياب النقد وتحوله إلى نوع من التقريظ والمجاملات في ظل الاحتكار للحقيقة ورفض الرأي الآخر، ركدت الحركة الفكرية وتراخت الميول النقدية وتحول القارئ إلى متلق ملول، ذلك ان الأفكار لا تنموا الا باحتكاكها وتصادمها وتعددها، وان ثقافة الرأي الواحد والاتجاه الواحد مآلها الذبول والفناء ومن اخطر العوامل التي اثرت في الابداع شيوع القرصنة واستباحة حقوق الملكية الفكرية التي حرمت المبدع من استثمار نتاجه الفكري وتولت ذلك نيابة عنه لتسلمه إلى هوان الفقر وذل الحرمان فلا يستطيع مبدع في مجتمعاتنا ان يعيش حياة كريمة من نتاج عمله الفكري.

اما عن صناعة النشر فكان لها حسب اعتقاد سالم ان تتأثر بدورها بعاملي العزوف القرائي والعزوف في الابداع اضافة إلى عوامل اخرى قلصت من ساحة نشاطها: فالكتاب المدرسي تولت انتاجه وزارات التربية ومناهج التعليم الجامعي لم تعد تعير اهتماما للمراجع الجامعية والرقابات العشوائية المفتقرة إلى المعايير الواضحة والموحدة والرسوم المالية والجمركية المفروضة على حركة الكتاب بين الأفكار العربية وتعامل الدول مع الكتاب بوصفه سلعة اقتصادية دون النظر إلى خصوصيته ثقافيا وافتقار صناعة النشر إلى تنظيمات مهنية تعنى بتطويرها وارساء التقاليد ووضع المعايير اللازمة لتحسين ادائها.

ويؤكد سالم ان اكبر تحد تواجهه صناعة النشر في القرن الحادي والعشرين هو تحويل الأوعية المعلوماتية إلى الاقراص الممغنطة والوسائط المتعددة.

ولهذا يشير سالم إلى ضبط الجودة في صناعة النشر هو هاجس الاتحاد العام للناشرين العرب الذي يعمل آلاف على توصيف هذه الصناعة والارتقاء بها لتقوم بدورها الفعال في انتاج الكتاب واعداده من كل النواحي القانونية والعلمية والفنية واللغوية. وتزويده بكل المعلومات الوصفية التي تيسر الاستفادة منه للمستخدم واخراجه على احسن وجه يرضي ذوق القارئ واستخدام كل تقنيات الإيصال والاتصال الحديثة للتعريف به وجذب الأنظار التي تكاد تخطفها الوسائل الإعلامية الأخرى اليه.

صناعة القرار

الأستاذ نضال بغدادي صاحب دار الرائي للدراسات والترجمة والنشر يعتقد من جانبه ان موضوع النشر في سوريا منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى الوقت الحاضر شهدت تطورا ملحوظا ان كان من ناحية ارتفاع عدد دور النشر او من ناحية العمل عى رفع سوريا صناعة الكتاب وجودته من الناحية الفنية.

إلا ان صناعة الكتاب هذه تواجه بعض الصعوبات التي تلخص بنوعية الورق المستخدم في الطباعة حيث يخضع الأمر إلى ما هو متوفر في الأسواق المحلية اذ ليس بالضرورة ان تتوفر نفس نوعية الورق التي ترغب دار النشر استخدامها لكافة مطبوعاتها كنوع من الهوية الخاصة باصداراتها وهذا الأمر يتعلق بمستوردي الورق وبما يتوفر لهم استيراده من مصادره حسب قوانين الاستيراد المعمول بها وحسب اسعار السوق الخارجية وتبدل قيم اسعار صرف العملات عالميا ومحلياً..

ويشير بغدادي إلى مسألة تقنيات الطباعة التي مازالت بحاجة إلى الكثير من التطوير لتواكب تقنيات الطباعة المتوفرة في الأسواق المجاورة او الخارجية وهو ما يؤثر على جماليات الكتاب المقدم للقارئ وكذلك كلفة الطباعة والإخراج الفني التي تعتبر مرتفعة محليا وهو ما يؤثر بالتالي على سعر الغلاف وبالتالي على عملية تسويقه اضافة إلى صعوبة التسويق والتي تتحكم بها مجموعة من العوامل التي تتعلق بمستويات القراءة شعبيا وباهتمامات القراء والقدرة الشرائية لديهم وكذلك إلى ارتفاع كلفة الدعاية والإعلان وارتفاع كلفة المشاركة في المعارض العربية واجور الشحن والنقل وما إلى ذلك إلى جانب التحول الذي طرأ على اهتمامات القراء عموما وذلك بتأثير وسائل الاتصال الأخرى المرئية والمسموعة وتركيز شرائح واسعة منهم على القراءات الخفيفة والفنية بالاعتماد على ما هو رائج من المجلات الاسبوعية منها او الشهرية.. ويعتقد بغدادي ان الحلول لما ذكر من مصاعب تحتاج إلى جهود متضافرة لمؤسسات وحكومات وصناع قرار اكثرمما هو مسألة تتعلق بدور النشر او بالأفراد.

تثقيف المثقف

الأديب والشاعر طلعت سقيرق صاحب دار المسبار للطباعة والنشر والتوزيع يرى من جانبه ان الأسئلة تكثر وتتشعب وتقع في فوضى الترتيب حيث نتحدث عن الكتاب، فوضعنا لا يسر بأي حال ودور النشر اذا اردنا ان تخصص لم تعد اكثر وسيط بين المطبعة والكاتب والمكتبات اذا تفاءلنا إلى حد ما.

اما اذا اردنا دار النشر ان تطبع كتابا على نفقتها فالاهتمام لم يكن الا بالكتب ذات الرواج السريع ومنها كتب الأبراج والطبخ والتسلية والفظائح في احيان كثيرة.

ويعزي سقيرق هذا المبرر إلى ان صاحب دار النشر لا يستطيع ان ينتظر مردود كتاب جاد يطول زمن بقائه في المكتبات هذا اذا تفاءلنا انه سيباع اذ من المتعارف عليه بين دور النشر عامة ان كتب الأدب مثلا غير مطلوبة!

ويكاد صاحب او مدير دار النشر ان يمتنع عن طباعة ديوان شعر او مجموعة قصصية او رواية حتى وان تحمل الكاتب جزءا من التكلفة او التكلفة كلها..؟ فالمنطق بالنسبة له يقول ان هذا الكتاب سوف يبقى عنده شاغلا للمكان على المدى القريب او البعيد وهذا غير منصف..!! فلماذا لا يقوم الشاعر او القاص او الروائي او الناقد بمهمة توزيع كتابه بالطريقة التي يراها مناسبة؟

هذا واقع علينا ان نعترف به رغم مرارته! لا داعي لاطلاق شعارات كبيرة عن اهمية تصميم الثقافة وايصالها ما دامت مثل هذه الدور غير قادة على الوقوف بثبات فالامكانيات المادية ضعيفة والقارئ العربي غير مهتم بالكتاب والدول التي لا تساعد هذه الدور ولا تدعمها من اجل نشر الكتاب وفي مثل هذه الدوامة لا شيء ينفع ولا دواء يشفي ما دمنا بعيدين عن أي خطة وعن أي اهداف والمناداة صبح مساء بضرورة العمل لا ينتج عملا ما دام مجرد كلام لا يدعم دور النشر ولا يعطيها ما يحفزها على نشاط فاعل في مجال تصميم الثقافة الجادة المفيدة او لنقل نشر الكتاب الجيد.

قبل ان نسأل ما هو المطلوب من دور النشر، علينا ببساطة شديدة ان نسأل عن المطلوب من الدول العربية ووزارات الثقافة واتحادات كتاب العرب والروابط الادبية وما إلى ذلك.. فالتنافس الذي نلحظه على تصدير التوافه والسطحي من دور النشر والاعلام بمحطاته الكثيرة اوجد شرخاً ليس من السهل تجاوزه ان بقينا اسرى تحريك الغرائز لا العقل في ايصال الكتاب وغير الكتاب اننا نعمل هبوطا لا صعودا في كل المجالات التي لا علاقة لها بالثقافة والتثقيف وهنا اساس المشكلة!

واكاد اجزم اننا علينا تثقيف المثقف وتعليمه وتدريبه وتأهيله قبل التوجه إلى القارئ وهذا لا يستثني اصحاب دور النشر بطبيعة الحال.

الاستهلاك والتخصص

اما السيد غسان شهابي المدير العام لدار الشجرة للنشر والتوزيع فيرى من جانبه ان ازمات دور النشر انما تعود إلى ان مجمل هذه الدور التي تمارس هذا العمل هي اقرب إلى مؤسسات حرفية منها إلى مؤسسات متخصصة تعمل على نشر ثقافة وطنية ومجتمعية من خلال صناعة الكتاب وبالتالي انحصر دافع النشر بتحقيق الربح المادي السريع من خلال اعتماد سبيلين لتحقيق ذلك هما السعي لنشر موضوعات ساخنة يقومها مؤلفون مشهورون والسعي لتقديم كتاب استهلاكي يدخل في نطاق الحالة الاستهلاكية التي تساعد على تكريس حالة الاستلاب الفكري ولا يراعى فيها مدى ما يحدثه هذا الكتاب او ذاك من نمو وتطور في المفاهيم التربوية والثقافية في مجتمعنا.

ويشير شهابي في المقابل إلى سعي البعض لتبني مشروع ثقافي وطني وقومي على صعيد المجتمع باعتماد استراتيجية جديدة في برامجها وشكلها وفي غايتها واهدافها وتعنى بابداعات الجمهور من اجل ترسيخ ثقافة جماهيرية صحية تساعد على ابراز ثقافة الأمة بامكانياتها الفكرية والابداعية ويعاني هذا الاتجاه بضعف في التمويل وعدم القدرة على التوزيع في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وضعف القدرة الشرائية وكذلك انتشار وسائل الاعلام المرئي الخ.

وهو ان يلتقي مع من سبقه في ابراز الأسباب الأخرى التي تعاني منها سياسة النشر في الوطن العربي «سوريا نموذجاً» يدعو شهابي إلى توفير خطة للنشر يحددها اتحاد الناشرين العرب وألا يقتصر دوره على تنظيم المعارض وضرورة تحقيق الانسجام والتوازن في نوعية وكمية الإنتاج الفكري والمعرفي من حيث عدد النسخ وعناوين الكتب التي تصدر.


عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية