بحث



الخميس 29 محرم 1426هـ - 10 مارس 2005م - العدد 13408

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


عودة إلى الأيام الأولى.. للدكتور الخضير

شمس المؤيد
    أتساءل أولا من هو إبراهيم الخضير؟.. وهل يعرفه أحد؟

وسبب سؤالي هو أنني تعرفت عليه من خلال روايته «عودة إلى الأيام الأولى» والتي وجدتها قبل شهور في معرض الكتاب في البحرين فأخذتها من باب الفضول ونسيت وجودها.. ومنذ أيام عثرت عليها في مكتبتي فتصفحتها.. ولم أتركها إلا بعد أن انتهيت منها..

من الغريب أن أحدا لم يتحدث حتى الآن عن هذه الرواية.. ومن الغريب أننا لا نعرف من هو إبراهيم الخضير.. محرك البحث قادني إلى عيادة صحيفة الرياض حيث يقوم الطبيب النفسي إبراهيم الخضير بالاجابة على أسئلة القراء وحل مشاكلهم.. الذي يبدو لي أن الدكتور النفساني إبراهيم الخضير هو مؤلف هذه الرواية.. فالبطل الرئيسي في الرواية وهو الراوي طبيب نفسي يعمل في أحد مستشفيات الرياض.. يتحدث بلغة المختصين ويناقش امورا لا يلم بها سوى العارفين بعلم النفس..

وفيما عرفت هذه الرواية هي الرواية الأولى له..

الرواية تتحرك في زمن غزو العراق وما تبع ذلك من حضور القوات الأمريكية ثم ضرب العراق.. والظروف المصاحبة للأحداث والتغيرات الاجتماعية والنفسية التي طرأت على المجتمع الخليجي.. بمعنى أن الرواية هي نبش للذاكرة وترميم بعض فجواتها باستعادة أحداث وصور وقعت قبل عقد من الزمن.. ومازالت آثارها تحفر بعمق داخل المجتمع وداخل النفوس.. وتطفو على شكل تبدلات سريعة في بنية هذا المجتمع.

إنها في مجملها رصد لتجربة الحرب المثيرة والتي كانت غريبة على مجتمعنا دون الانزلاق في تسجيلية نمطية مملة رغم توثيق الأحداث الهامة بالتواريخ ووصف بعض الأحداث بمهارة راصد متيقظ، ودون الانغماس في حمى استثارة الذكريات بحيث يتغلب الشخصي على مجرى الأحداث وصيرورتها.

ولأن الرواية فعل كتابي ينتج فكرة كما يقال في عالم النقد أو هي بالأصح فكرة تنتج رواية، أو فكرة تسمح برواية أفكار عديدة.. فإن هذه الرواية كما يظهر كتبت خصيصا لتحكي عن أحداث فترة زمنية معينة كانت هي البراكين المتفجرة التي تسببت في خلق موجة كبيرة من التحولات الكبيرة التي اكتسحت دول الخليج كلها وأثرت فيها بعمق.. فهي أي الرواية تتمحور حول فكرة الغزو العراقي وما نشأ عنه من قصف العراق.. وتحول منطقة الخليج إلى ساحة حرب شاملة ترتع فيها القوات الأمريكية، ويتجول جنودهم ذكورا واناثا في شوارع الرياض علانية.. وما تبع ذلك من إثارة المشاعر الدينية وظهور طبقة جديدة تدعو إلى محاربة جنود الأمريكان واخراجهم من الجزيرة العربية.. يبدو الأمر كارهاصات لأحداث الحادي عشر من سبتمبر بالشكل الذي عايشناه في وقت لاحق.

الرواية بصفة عامة ممتعة وتحمل نكهة محلية واضحة.. فالأمكنة وأسماء الشوارع كلها تكاد تكون معروفة.. وهناك ايضا مسألة التوثيق التاريخي للأحداث والذي جاء بشكل طبيعي ودون أي افتعال..

اسلوب الرواية سهل وبسيط يخلو من الشعرنة ومن التكلف اللغوي.. متماسك رغم وجود بعض الأخطاء التي أثرت قليلا على مستوى لغة السرد مثل استخدام الكاتب لكلمة «الزَّريعة» العامية للإشارة إلى النباتات المزروعة حول قصور الرجل الثري «ابن جعفر» وتكرار كلمة «بُن» بدلا من استعمال الكلمة المعروفة لهذا المشروب وهي «قهوة».. وهنات أخرى بسيطة لا تفسد جمال السرد..

شخوص الرواية مختلفون ومن بلدان متعددة فهناك النجدي واليمني والعماني والفلسطيني والمصري ومع ذلك فالحوار جاء صافيا وموفقا ومتناسبا مع خلفيات الشخصيات المتحدثة، وكأن الكاتب كان يستغل الحوار للكشف عن بعض الأمور التي لم ترد في السرد.. أو لايضاح قضايا جانبية نتجت عن القضية الأصلية التي هي بؤرة السرد الأولى وهي مسألة غزو العراق وضرب العراق من أجل تحرير الكويت وتداعيات هذه الحرب على المنطقة بأسرها.

أعتقد أن الحوار القوي العفوي والمبني على أسس قوية هو أجمل ما في هذه الرواية.

هناك بعض العيوب والفجوات في البناء الدرامي.. وفي غرابة بعض الأحداث.. أو عدم تطابقها مع الواقع المألوف.. ومع ذلك فهي في نظري هي أهم رواية كتبت عن حرب الخليج..

أول هذه العيوب فيما يختص بالبناء الروائي نفسه.. كأن يأتي الأطباء والممرضون الأمريكان لاحتلال قسم الأمراض النفسية في مستشفى حكومي منذ بداية غزو الكويت اعتقد أن الأمر قد يكون مبالغا فيه.. فوجود الأمريكان في المستشفيات لم يظهر إلا بعد اصابة بعضهم بصواريخ سكود في المنطقة الشرقية.. وبعد قصف العراق ونشوب المعركة التي تدعى بمعركة التحرير.. حيث كانت هناك بعض الاصابات التي استدعت ابقاء الجنود الجرحى في المستشفيات بصورة مؤقتة ريثما يتم نقلهم إلى أوروبا حيث يتم إكمال علاجهم هناك.. والذي أعرفه بشك مؤكد انهم لم يحتلوا المستشفيات أو يتدخلوا في عمل الأطباء والجراحين.. ربما حدث ذلك في بعض مستشفيات الرياض.. لا أدري!.

ثم قصة الرائد جوان كوك فيشر التي هي أصلا اخصائية اجتماعية نفسية كما ذكرت في تعريفها لنفسها.. والتي تأتي خصيصا من أمريكا مع الجنود المحاربين من أجل عمل بحث عن منطقة جنوب الرياض... وهي تحتاج إلى مساعدة الطبيب النفسي لكي يوصلها هناك كل ليلة ليتجولان في الشوارع غير المعروفة حتى له، وذلك لكي يساعدها في البحث كما تقول. وفي النهاية لا نسمع شيئا عن نتائج هذا البحث.. أو على الأقل ما هي الأسباب التي دعت اليه.. وحتى الطبيب يظهر نفسه وكأنه لا يعرف القصد من اجراء هذا البحث.. ومع ذلك يضطر للموافقة على المساهمة فيه.. وكأن ذلك مجرد ترميز لتدخل الامريكان في شؤون البلد الداخلية.. ولكن أليس من حقنا كقراء أن نفهم شيئا!!؟

الإشارة إلى الثري «ابن جعفر» ومدى ثرائه وكثرة حفلاته وشغفه بالأمريكان ودعوته المستمرة لهم وللرائد جو فيشر والدكتور منصور لحفلاته الليلية التي تفوق في بذخها الوصف.. كل هذا ونحن لا نعرف من هو.. ولا ماهو عمله أو منصبه.. وحتى الراوي يقول إنه يجهل من يكون رغم أن الكل عداه يعرفه..! بالاضافة إلى ذلك فإن الاسم الذي أطلقه الكاتب عليه غريب ويثير التساؤلات حول قصد الكاتب من تسميته بهذا الاسم الذي لا يتفق مع ما نعرف من أسماء للأشخاص المعروفين من أثرياء وكبراء البلد ولعل الأمر يتعلق برمز مقصود خاصة وانه يصفه بالجهل المطلق وفراغ الذهن وحب التفاخر بما لديه من مال وجاه..

هناك أيضا قصة زواج الطبيب الذي هو الراوي من الطبيبة «نضرة» التي يصفها بأنها من أصول قوقازية.. والتي غضبت القبيلة منه بسبب اصراره على الزواج منها ثم استسلمت، ثم فشل هذا الزواج دون أن نعرف السبب.. ولا متى تم الزواج وكيف انتهى في حين أن الطبيب قضى في انجلترا مدة خمس سنوات من أجل التخصص دون ذكر للزوجة.. وهل بقيت في الرياض... أم كانت معه ولم تستطع البقاء هناك لسبب ما..!! هل انفصل عنها قبل أن يذهب للتخصص أم بعد عودته..؟

هي قصة جانبية ولكنها تؤثر بشكل واضح على تتابع أحداث الرواية وتسلسلها..

أما العيب الخطير في هذه الرواية فهو اختفاء صفحات كثيرة منها، فنحن نتوقف عند صفحة 412 وفجأة نجد أنفسنا وقد وصلنا إلى صفحة ,445. وانتقلنا إلى أجواء أخرى منها.. كيف ولماذا.. لا أحد يخبرنا.. ولا اعتذار أو تصحيح أو تنبيه؟..

شيء غريب فعلا..

الرواية مطبوعة في لبنان.. فلا يمكن أن تكون الرقابة على المطبوعات قد حذفتها، اذن أين هي الصفحات المفقودة؟.. ربما كانت هناك اجابات للأسئلة التي نبحث عنها داخل هذه الصفحات... كيف لم يراجع المؤلف روايته قبل صدورها.. وهي روايته الأولى كما يبدو.. والتي تم عرضها في معرض الكتاب بالبحرين ثم في معرض الكتاب الأخير بالقاهرة؟..

من المؤسف أن يحدث مثل هذا الأمر لرواية جيدة كهذه ولا ينتبه أحد..

أتمنى أن تعاد طباعتها ثانية بشكل أجمل وأكمل..

في نهاية الرواية بعد انتهاء ضرب العراق وتحطيم قواه العسكرية وعودة الكويت لأهلها نرى كيف أن الكاتب يشعر بالحزن والأسى لوفاة صديقه المدمن على الكحول والمؤيد الكبير للقومية العربية.. وبوفاته تضيع ابنته المسماة بـ «عروبة» والتي كانت قد تحولت إلى مومس بعد أن تحطمت حياتها وفشلت في زيجاتها الثلاث..!

وتصبح الرياض غير الرياض..

بهذه الكلمات القليلة تنتهي الرواية:

«العروبة» تاهت بعد رحيل أبيها.

أثرياء جددا أطلوا على الحياة بوجوه جديدة.

الأمريكان غادروا الرياض.. عادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل الغزو وقبل الحرب..

لكن الرياض لم تعد إلى ما قبل الثاني من اغسطس 1990!!

شيء ما تغير..

نعم فعلا اشياء كثيرة تغيرت بهذه الأحداث.. وهذا أهم ما كشفته هذه الرواية..

نهاية سعيدة أو غير سعيدة ولكنها تحمل رموزا كثيرة بين طياتها.. لا يجب أن نتغافل عنها ونحن نقرأ هذه الرواية المسبوكة بعناية واضحة.. ولولا العيوب التي ذكرتها هنا لكانت أجمل رواية محلية في العقدين الأخيرين وأهم رواية كتبت عن غزو الكويت وذيول هذا الغزو وتداعياته الكثيرة على الساحة العربية كلها وعلى الساحة المحلية.

هذه مجرد قراءة سريعة لرواية جديدة وتستحق القراءة والاشادة بها كمنجز محلي جريء ومتميز.. وربما نرى أعمالا أخرى للمؤلف أكثر نضجا في الرؤيا وفي تقنيات السرد ومتطلباته.

ومما يؤسف له أن روايات محلية بهذا المستوى الجيد لا تصل إلى القارئ في الداخل.. ولعل هذا هو السبب الذي جعل رواية كهذه غير معروفة لدى القراء والنقاد المحليين.. وبخاصة لدى القراء الحريصين الذين يستعيدون بقراءتها ذكريات تلك الحرب بما فيها من توتر وقلق وبما خلفته وراءها من تغيرات على جميع الأسطحة والجوانب.


عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية