بحث



الخميس 29 محرم 1426هـ - 10 مارس 2005م - العدد 13408

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


خيبة الطغاة..

حنا مينه
    لياليّ بعد الظاعنين شكول

طوال وليل العاشقين طويلُ

يبنّ ليَ البدر الذي لا أريده

ويخفين بدراً ما إليه سبيلُ

وما عشت من بعد الأحبة

سلوة، لكنني للنائبات حمولُ

وقد واجهت النائبات طويلاً، في البحر والبر، وكان بيننا صراع طويل طويل، انتصرت فيه بشجاعة القلب، وشجاعة الأنامل، وشجاعة القلم الذي بين الأنامل، فالشجاعة، في تعريفي، هي الصمود للخوف، وليست عدم الخوف، لأن الخوف هو الأساس، في نفس كل كائن حي، ولا سبيل إلى التغلب عليه، إلا بالصمود له، وقد صمدت لهذا الخوف، وحققت النصر الذي أبتغي، فتدلّت عناقيد الضياء من المجرّة، تنير طريقي، وصاح صوت في البريّة: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت» وهذا الابن الحبيب هو ابن اللاذقية الخضراء، التي أكرمَته، وأفاءت، وزادت، ومنها، وبها «خرجتُ أجر الذيل تيهاً» قولة أخطلنا الكبير، وبها، وفيها، كان الكتاب، وكان الأنس، والأنيس، وكان المبتغى، وكانت الراحة التي أنشد، أنا ابن الثمانين، الذي أثقلت السنون منكبيه، لكنه، في الرغبة الشهّاء إلى الغلبة، وفي المغامرة التي لها عليه حق، وله معها موعد، انتفض، لا كما طائر الفينيق المحترق، والذي ينبعث من بين الرماد، بل كالشمس المباركة، التي يتغشّاها الغيم، طويلاً أو يطول، ثم ينقشع مع الريح، وتشرق هي ساطعة، بهية، منوّرة، منضّرة، ساكبة الضوء في أقداح من لألاء التجلّي!

اللاذقية!؟ نعم اللاذقية، والاسم يصدح بفخر، ينداح في الجهات الأربع من كوننا، وعلى هامه بدل إكليل الغار، إكليل الخضرة، فما كان، ولن يكون، هناك، افتراق بين اللاذقية الخضراء، والخضرة في ذاتها، في ذات هذه المدينة البهية، يداً للسخاء، ويداً للعطاء، ويداً للإبداع، ويداً للروعة في بحرها، وبرها، وناسها، ثم النسق المدهش من غاباتها صفوفاً، زينة للرائين.

أما بالنسبة لي، وما قيل، أو يقال، عن ونى ألمّ بي، بعد هذا العمر الطويل، وبعد هذا الإنتاج الغزير، فإنني ابتسم من إشفاق على الذين يئسوا، أو هم في طريقهم إلى اليأس، ويرغبون، في أمنية خلّبية، أن يروني في اليائسين، لا لشيء، بل لأن الأوضاع، عربية، فلسطينية، عراقية، تدعو إلى اليأس، أنا لا أيأس، ولن أيأس أبداً، والوهن بعيد عن شرفي، والموت الذي رأيته، لم آبه له، يخافني بدل أن أخافه، لاعتقادي أن من لا يخاف روع الحياة، يجعل حياة تخاف منه، ويذهب تعبها بدداً، ما دام الإنسان قادراً أن يسوق الريح أمامه، وأن ينتفض كلما راوده السكون، مدركاً أن الحركة هي الناموس، وأن السكون هو عدو هذا الناموس، وأن العيش جميل، حتى في شقاء الشقاء نفسه، إن الشائعة لا تغتال العافية، وإن باطل الأباطيل باطل، وردع المنكرة ممكن، وإن على المرء ألا يبالي، وأن يتذكر دائماً قولة المتنبي العظيم:

كم قد قُتلت وكم قد مت عندهمُ

ثم انتفضت فزال القبر والكفنُ

وما القبر والكفن!؟ وما المهد دون اللحد!؟ ولماذا في مواجهة النهاية، ننسى البداية؟ وهل من فصحٍ دون ميلاد؟

عندما كنت، وأنا في مقتبل الشباب، في سجون فرنسا والإقطاع، لم أكن أعرف كل هذه الأقوال، حتى في شكلها والمضمون، لكنني تسرّيت الجحيم، تحملت سياط الجلادين، وفق هذه الأقوال، وفي الزنزانة أو القاووش، أدركت أن الصراط المستقيم، لمن يريد عبوره، سهل وصعب معاً، فالمؤمن ممتحن، وفي سهولة العبور وصعوبته، هناك الامتحان وما بعده، هناك التجربة وما بعدها، والمسألة كلها تتوقف على حقيقة ما بعد العبور، ما بعد السجن، فالمفترق كبير هنا، في حدّه الحد، بين أن نذهب إلى النار، أو نصمد بعد التجربة!

هل كنت أحتاج إلى كل هذه السفسطة، كي أبرهن أنني لم أتعب؟ لم أيأس؟ وأن اليأس، كالموت، لا يتلطّف فيمنحني شرف زيارته؟ وأن المدينة التي بحرها دمي، هي لاذقيتي التي يقال إنني ولدت فيها، ومنها، مع العائلة، كان المنسرب إلى الضياع في بر أرسوز، ثلاث سنوات متتاليات، لأن الوالد رحّالة من طراز خاص، وقاص من طراز خاص، لا يجارى في التغامر، وعنه، ومنه، كانت المغامرة حيث أكون، فقد ورثتها شغوفاً بها، والفارق الوحيد أن هذا الوالد كان خائباً، وكنت، في الأربعين من عمري، ناجحاً إلى حد ما، وأنه لم يعرف البحر، بينما تعمّدت أنا في لجته الزرقاء، وألقيت بنفسي إلى التهلكة، في العواصف والأنواء، ملبياً نداء المجهول، وفي هذه التلبية كنت صنوه، يغريني، كما أغراه، السفر إلى ما وراء الأفق، حيث رمال البيد، أو مغطس الشمس، في ندهة الغروب، إلى الامعان في الغروب، غير مبالٍ بالليل الذي هو مُدركي «وإن خلت أن المنتأى عنه واسع!»

وماذا، بعد هذا كله؟ القراء يعرفون أن اللاذقية مدينتي، وأنني مهاجر من لواء اسكندرونة إليها، وقد أقمت فيها ثماني سنوات، وكتبت عن بحرها ثماني روايات، وفارقتها موجع القلب إلى دمشق، على أمل العودة إليها، دون أن أعود إليها، فدمشق، مدينة الطريق المستقيم، استهوتني، قل استعبدتني، حتى صار ظهري ملتصقاً بقاسيون، وقدميّ مغلولتين بالغوطة، وروحي هائمة في أزقة القنوات، ومجلسي الحبيب في مقهى النافورة، وامنيتي الخلبيّة أن ينتقل البحر إلى دمشق، أو تنتقل دمشق إلى البحر، وأن أبقى حالماً بذلك، حتى لا أسقط في العدم، فصناعة الأحلام إحدى هواياتي، وهي الصناعة الأبهى، والأغلى، في زمن تُذْبح فيه الفلوجة في العراق، والفالج الملعون إلى يوم القيامة، قد أطبق على خناق المسؤولين العرب، فحال بينهم وبين رفع الصوت، ولو من باب المجاملة، أن أوقفوا، أيها الغزاة البوشيّون، حملة الإبادة التي تشنونها، بكل أنواع أسلحتكم المدمرة، على بيوت، وأعناق، وجثامين، وأطفال، ونساء هذه المدينة الباسلة!

قال بابلو نيرودا، زمن بينوشيه «كيف أكتب عن الزهر، والدم يسيل في شوارع بلدي تشيلي!؟» ونحن، برغم الدوائر الحمراء للقمع في الوطن العربي الكبير، كيف نكتب عن كارثة الفلوجة، أو مجزرة بيت حانون في فلسطين، وأيدينا مغلولة إلى رقابنا، وأقلامنا ينز منها الصدأ، لأنها ممنوعة أن تكتب عن «الباب العالي» ومع ذلك تكتب، تورية، عن هذا الباب الذي به هبوط في القلب، وووقر في الأذنين!؟

أقول، كرة أخرى، إن اللاذقية مدينتي، وعنها أكتب؟ وما نفع الكتابة إذا كانت الكريات الحمر، تلتهم نفسها، فتصير كرياتِ بيضاً، مُسَرْطنة في شرايين مدينتي، كما هي الحال في العواصم والمدن العربية كلها!؟ لقد كانت اللاذقية، بعد الهجرة من اللواء، المحطة الأهم، الأغنى، الأنفذ، بتأثيرها الحاسم، في تكويني، إنساناً وكاتباً.

أعترف. أجمل ما في الحب هو الإمساك عن الكلام عليه، وترك التعبير عنه لومضة العين، أو رفّة الهدب، أو حرارة اليد، أو تمسيدة الشعر، أو الذهاب مع القبلة، في هنيهة، من تخوم البداية إلى حافة النهاية، القبلة التي تكتب ذاتها، على الشفتين، الوجنتين، العنق، حبّة القلب، ثم يكون الصمت أبلغ، فنصمت، لأننا، في الزمن الرديء هذا، قد فرضوا علينا الصمت، ومع الأيام والأعوام، ألفناه، اعتدناه، صار خبزنا اليومي، وزوّادة سفرنا إلى الخجل، حتى من أنفسنا!

قال بدوي الجبل:

إذا المرء لم يملك وثوباً على الأذى

فمن بعض أسماء الردى الحق والصبرُ

وأن حجبوا عن عينه الكون ضاحكاً

أضاء له كون بعيد هو الفكرُ

ويا خيبة الطاغي يدلّ بنصره

ومن سيفه، لا روحه، انبثق النصرُ

ويا خيبة بوش، الطاغي على العراق بسيفه، وخيبة شارون، السفاح في فلسطين بكل أسلحته.

تعليق واحد
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 

أخرجهم البطر والرياء


موضوع شيق من استاذ قدير:
لوهلة قصيرة تعجبت من أمر الطغاة,
ثم تذكرت أن ذلك حكم الله فيهم,
ففي صدورهم والعياذ بالله كبر, يتشدقون به,
فيزيدهم طغيانهم عمى وطغيان وضلال,
فلا يرون الحق, ولا يهتدون اليه,
ويرون الباطل وافتخارا يتخذونه سبيلا وطريقا,

هانوا عند الله فلا يزنون جناح بعوضة,
وهانوا عند المسلمين فليس لهم قيمة ولا كرامة,

يخاطب الله عبادة بقوله ياعبادي وبقوله يا ايها الذين أمنوا
ويخاطب الأخرين بقوله تعالى يا ايها الناس

قاتل الله الطغاة
فحرصهم على المصالح أخرجهم من الانسانية
منطلقاتهم قاتمة وقيمهم منكرة وتصوراتهم ضالة ومضللة,
فجعلهم سبحانه من شر البرية,
لا خيرهم فيرجى ولا شرهم فيكتفى.

ما أسفلهم وما أتعسهم
فالفقراء مستقر في أنفسهم,
فعلى كثرة أموالهم يحسدون الفقير على فقره,
هم الحثالة وهم الزبالة.

ما أخرجهم إلا الغرور والطغيان,
وما أخرجهم إلا البطر والرياء, والبطر غمط وأخفاء الحق,
والرياء إظهار الصلاح أمام الناس.
لكن:
لعل الدنيا خلقت كذلك, فيها تعساء وفيها سعداءو
ولا بؤس يدوم على أحد ولا سرور,
والشقي من شقي في بطن أمه.



حارث الماجد
ابلاغ
12:27 صباحاً 2005/03/11


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية