د. عبدالله محمد الغذامي
كانت ثريا ساهمة وغائبة في عالم من الخيال والشعر والتأملات ولم تكن تشعر بجو الغرفة وهي وسط جمع من النساء، كلهن ينتظرن دورهن في النداء على أسمائهن للدخول على أحد الأطباء، كانت الغرفة غرفة انتظار السيدات في إحدى مستشفيات الدمام، وكان لدى ثريا موعد عادي مع طبيبها، ولقد تعودت ثريا في كل مرة تلجأ فيها إلى الانتظار أن تظل ترقب وتهجس وتفكر غارقة داخل ذاتها ومستنبطة المحيط، وكثيراً ما يكون ذلك موضوع قصيدة أو مقالة أو خاطرة تلاحقها حتى يمسكها القلم ليتحول الهاجس إلى موضوع مقروء. وكانت ثريا تشعر أن الغرفة خالية رغم أنها ممتلئة، وكأنما تحولت النساء من حول ثريا إلى مجرد أوهام جسدية، ولم تكن ثريا تشعر إلا بجدران تحيط بها وبقواطع خشبية من حولها مما حول المكان إلى جمجمة عظيمة تحرس قاطنيها من العين والصوت حتى ليكون أهدأ من دبيب النمل.
ولكن فجأة صحت ثريا من هواجسها لتجد نفسها وجهاً لوجه مع ولد هائج مائج كان يرفس أمه ويضربها وسط غرفة الانتظار، وكان يلوم أمه على تأخر الطبيب وطول الانتظار، والأم مستسلمة لضربات الولد وتحاول مدافعة يديه بحركات كلها شفقة وتلطف، ولكن الولد يزيد من ضربه وصرخاته، وهنا تتحول ثريا بكل حواسها وتدخل في رجفة جسدية أمام المنظر الصارخ لولد يضرب أمه وأمام جمع من النساء والأم تستسلم لولدها تاركة جسدها يتلقى الضربات دون أن تستنجد أو تستنكر.
كان الموقف صارخاً ومفاجئاً ومذهلاً، وشعرت ثريا أن الجدران تحولت إلى أفاع تتحرك وتتلوى ثم تنطوي على المكان والكراسي التي كان عليها نساء، وهذا ما كانت تتذكره ثريا قبل دخولها في الهاجوس، صارت الكراسي حيات مسعورة وأحست ثريا أن النساء صرن يتطايرن ويتمايلن من فوق الحيات ومن حول الأفاعي، وتغيرت وجوه النساء وبدأت الوجوه في تبديل ألوانها وتشكيل قسماتها وبسرعة خاطفة يتنقل الوجه الواحد من لون إلى لون ومن شكل إلى شكل، ولا يقر على حال، غير أن ثريا لاحظت أن الوجوه وهي تتبدل، تمر بين كل تلوين وآخر على صورة واحدة ظلت تتكرر ما بين التبديلات، وأحست ثريا أن تلك الصورة تتردد أيضاً على كل وجه من وجوه السيدات المتطويات في المكان، وفجأة لاحظت أن الصورة المشتركة إنما هي صورة وجه ثريا نفسه يدور على وجوه السيدات ويتنقل بينهن، فأدركت أنهن هي وأنها كل النساء: كلهن أنا.
كلهن أنا..؟؟!!
ترددت الجملة في رأسها حتى لصقت أمام عينيها، وراحت تصيح: كلهن أنا، وما زال الولد يضرب أمه:
كلهن أنا
كل هذي الوجوه أنا
تحاصرني أينما أتجه
بأحلامها.. بجدائلها.. بالعيون
يكحلها الحزن كل صباح
يغلفها اليأس كل مساء.
ثريا شاعرة وابنة شاعر، ولدت ونشأت في البحرين، ثم لما اشتد عودها سافرت إلى أمريكا، ودرست الدكتوراه وتزوجت من زوج سعودي، وعادت معه إلى الدمام، وعملت في أرامكو، وزرقها الله بأطفال هم قرة عينها وفرحة روحها، وظلت تكتب الشعر والمقالات وتدافع عن قضايا بنات جنسها وتصدر الدواوين وتشارك في الفعاليات، وكانت ترى الحياة بعيون الفأل والمحبة، ولم يدر في خلدها قط أن ترى ولداً يضرب أمه لا سراً ولا علناً، ولكنها تعرف عن الوأد وقرأت عنه وكان في نفسها بعض تساؤل عنه، إذ كانت تعتقد أحياناً أن العرب أهل ثقافة وشعر وكانوا يحبون النساء ويتعاملون معهن بالحسنى، وكان يفرحها أن تقرأ لسكينة بنت الحسين وكيف كانت تستقبل الشعراء وتنتقد شعر الفحول وهم يصغون لها ويستسلمون لملاحظاتها، كما كانت تستمتع بسيرة الخنساء وحكايات بنات العرب.
غير أنها هذه المرة رأت نوعاً آخر من العرب، وهو نوع يعزز فكرة الوأد، وها نحن أمام ولد نزق صغير يضرب أمه، وما هو بشاعر فحل ولا بجاهلي متغطرس يدفن بنته خشية العار أو خشية الجوع.
كل هذي الوجوه .. أنا
التي الحلم بأعماقها لا يموت
والتي دفنت حلمها في البيوت
والتي تتأرجح
بين الحقيقة والحلم
دون زمن..
بصوتي أنا.. كلهن
وجوه مشوهة في المرايا القديمة
محاصرة بين خوف وظن
كل هذي الوجوه أنا
تطاردني في الدروب الخفية
لتفضي إليَّ العيون الحزانى بأسرارها
تطالبني أن أبوح، تحملني عارها، ثارها..
أنا كل موءودة لم تكن
كل ذات تطالب ألا تموت
وتنضو الكفن..
فهل سأمزق هذا السكوت
بأسناني العارية
وأطلقها صرخة داوية
يهز صداها البيوت..
تحطم كل المرايا الرديئة
تعري النوايا الخبيثة..
وتجتث أنسجة العنكبوت
وتمحو عن الجبهات ندوب التشوه..
من وصمة الخوف والظن..
كلهن أنا. كلهن أنا. كلهن أنا.
تلك كانت انتفاضة ثريا وهي في انتظار نداء الطبيب وهو انتظار طال حتى عبر القرون كلها لترى ثريا الوأد بأم عينها وتعرف أنه حقيقة تاريخية ظل يمارس أنواعاً من الصيغ ويبدل نفسه بأنواع من الحيل حتى ليضرب الولد أمه أمام كل النساء ليقول لهن إنه ولد ذكر، وفحل ابن فحل، والأم تستسلم للضربات وتدعو لولدها بأن يسامحه الله وتصفح عنه، ولكن ثريا تصرخ: كلهن أنا، كلهن أنا، يا صرخة في وجه الخوف والظن.
هامش (أو هو متن المتن)
ثريا هنا هي الشاعرة الدكتورة ثريا العريض، والمقاطع الشعرية هي من قصيدتها (كلهن أنا) والقصة هي خلفية هذه القصيدة، وقد حدثت القصة فعلاً.