بحث



الثلاثاء 27 محرم 1426هـ - 8 مارس 2005م - العدد 13406

نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


بين الشعب المختار.. والآخر المحتار

تركي بن عبدالله السديري

تركي بن عبد الله السديري

    تعرض اليهود قبل منتصف القرن الماضي وعبر حقب طويلة من الزمن لكثير من الاضطهاد والتشريد، ومصادرة الأموال، وعمليات الإبادة الأمر الذي جعلهم يخرجون بنظرية تكاد تكون موجودة لدى آخرين في ديانات أخرى يفضلون تحميل المشيئة الإلهية مظاهر عذاب الإنسان دون الالتفات إلى ما ميزت به المشيئة الإنسان من عقل تختلف قدرات إدراكه عن كل الكائنات الحية وبالتالي فهو مدعو للارتفاع بقدرات عقله إلى مستوى مواجهة ما لا طاقة له به بارتفاع قدرات ما يحصل عليه من علم.. مع الجزم القاطع بأن الإنسان في لحظات مصيرية قد تكون مرضاً قاتلاً أو مواجهة خطرة أو مصادفة فرص نجاة مرتبط تماماً بما تقتضيه المشيئة الالهية.

وللأحداث المريرة التي عاشها اليهود قبل منتصف القرن الماضي اختاروا لأنفسهم تسمية «شعب الله المختار» الذي هو حسب زعمهم ينقي ويبلور شعباً متميزاً فيخلصه من آثام حياته لكي ينطلق فيما بعد لتحقيق انتصارات أبدية.. هذا الوهم لم يسيطر على اليهود وحدهم، ولكن خلف تأييد اليمين المسيحي المتشدد لإسرائيل إيمان بأن نبوءات التوراة تتحقق على أرض فلسطين.

هذا التهريف لا يهمنا بشيء بقدر ما تهمنا معرفة حجم الضياع الذي عاشه العالم العربي، والذي يجوز أن يُسمى في خضم متاهاته بـ «الشعب المحتار».. أما اليهود الإسرائيليون فأفضل قراءة لتاريخهم أنهم كانوا شعباً مختاراً من قبل الشعوب الأوروبية للاضطهاد وفق ما حدث لهم في أسبانيا وألمانيا وبريطانيا وشعوب أخرى.. هذا قبل الحرب العالمية الثانية أما بعدها فهم شعب مختار فعلاً من قبل بريطانيا وأمريكا لاضطهاد الفلسطينيين وللتمركز كاستراتيجية غربية في عمق العالم العربي..

نعود الآن إلى الشعب المحتار.. لقد أعلنت شعوب كثيرة عن ذاتها وحضورها الوطني في كل قارات العالم فيما أخفق العالم العربي طوال ما يقارب القرن الكامل في الوصول إلى رؤية سليمة ومنتجة.. نحن الآن وأمام بشاعة ما يحدث في العراق.. قتلاً وتدميراً واحتلالاً.. لا أتصورنا سوف نُفاجأ بمعرفة حقيقة أن من قتل في كثير من الدول العربية يتفوق على عدد قتلى العراق.. العراق الذي في زمن عبدالكريم قاسم وكل من أتى بعده قد أودع المقابر الجماعية أعداداً قد تتجاوز عشرات الآلاف.. كان هناك صراع على حكم ولم تكن هناك رؤية تطوير شعب..

حروب العرب مع إسرائيل وبالذات حرب 67 مع أن القتال فيها ضرورة وطنية لو كانت هناك قدرة على ذلك وفي نفس الوقت تحديد أهداف استراتيجية لإشعالها.. لا شيء من ذلك.. بل ربما يكون من رحبوا بإيقادها جالسين وقتها في حالات متعة لهو، فابتلعت رمال سيناء آلاف الأبرياء من جنود شجعان فشلت قيادتهم في حمايتهم، ووضعت تحت أقدام الجنود الإسرائيليين ما يفوق مساحة فلسطين..

إنه لم يكن هناك أي اهتمام بمقتول عربي نفس الشيء يقال عن قتلى الجزائر الذين أدت فظاعة تصفيتهم إلى الشك ما إذا كان تقديم مليون شهيد أمراً مطلوباً ومؤدياً إلى نتائج إيجابية..؟.. نفس الشيء يقال عن جولان سوريا وحلب.. عن لبنان.. عن مخيمات الفلسطينيين التي ليست دائماً تعد المناضلين ولكن يوجد بين سكانها من هم مطلوبون لعدالة مدنية اقتصاصاً لجرائم مدنية.. السودان وأعداد قتلاه.. كم قتل من عراقيين وكويتيين أثناء الاحتلال قبل خمسة عشر عاماً.. لاحظوا كيف تقوم الدنيا ولا تقعد عندما يُختطف مواطن لدولة أجنبية في العراق لأهمية حياة الفرد عند تلك الدولة، وسهولة وبساطة أن يقتل المواطن العربي في مجازفة غير مدروسة ضد خصمه أو في تحريض على القتل الجماعي ضد بعضه.


نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال






صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية