الرئيسية > مقالات اليوم

أصوات

ارتداد الزلزال العراقي في لبنان


محمد رضا نصرالله

٭٭ يذهب المؤرخ اللبناني البارز الدكتور كمال الصليبي في كتابه «بيت بمنازل كثيرة» إلى أنه منذ 1975، برز لبنان، في العالم مضرب مثل للفوضى والعنف، وهو البلد الذي يتباهى شعبه بأنه أكثر العرب رقياً وتقدماً، مقراً بما يدعيه اللبنانيون لأنفسهم عبر تصورات أشقائهم العرب وأصدقائهم الأجانب، وذلك باشتهار المجتمع اللبناني على أنه ليبرالي ومتسامح.. ومع إقبال اللبنانيين على الحياة المرفهة، فقد دخل الموزاييك الطائفي في دوامة من العنف الدموي، بحيث بدأ اللبنانيون يعيشون حالة اللادولة إبان الحرب الأهلية الضروس التي امتدت سنوات طويلة بين المسلمين والمسيحيين.

وفي خاتمة الكتاب ينتهي الدكتور الصليبي إلى أن تيارين متصارعين حكما الكيان اللبناني منذ قيامه كدولة سنة 1920م.. تيار اجتماعي اسمه العروبة يعمل خارج البلد وداخله (!) يقف وجهاً لوجه أمام تيار اجتماعي آخر يتمثل بالخصوصية اللبنانية (الفينيقوية - لبنان الملجأ، لبنان الإشعاع) فكانت القوتان تتصارعان وتتصادمان حول كل موضوع أساسي بشأن البلد.. مما منع التطور الطبيعي للدولة، وأبقى شرعيتها السياسية وإمكانية ديمومتها موضوع جدل مستمر.

٭٭ هذا التحليل النظري يمكن للمراقب أن يراه اليوم بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري بشكل أو بآخر على الساحة اللبنانية بين تياري المعارضة والموالاة، وهما يمران بلحظة مفصلية خطرة يُخشى أن تضع لبنان مرة أخرى، في دوامة العنف، ما لم يلتزم التياران بقواسم العيش المشترك، حيث أصرت الأطياف اللبنانية على مدى سنوات ما بعد الحرب الأهلية على التوافق الوطني، لولا استمرار التدخل الإسرائيلي.. هذا الذي يقف وراء تزعزع الأوضاع اللبنانية.. خاصة إذا ما ثبت اجتماع عناصر من المعارضة اللبنانية إلى سياسيين إسرائيليين، في إطار مظلة أمريكية تبارك إقامة سلام بين تل أبيب وبيروت، بعيداً عن تلازم المسارين السوري واللبناني..

إن قرار 1559 الداعي إلى الانسحاب السوري الفوري من لبنان، حيث يتطلع تيار المعارضة .. إنما يهدف في نهاية الأمر إلى نزع القوة التسليحية لحزب الله، وتذويب فلسطينيي المخيمات في الجسم اللبناني.. وهذان هدفان رئيسيان، في أجندة الإدارة الإسرائيلية.. هو ما عمل الرئيس السوري بشار الأسد في خطابه على استثارته لدى الرأي العام اللبناني، الذي تجاوب معه على الفور فخرجت أمس مظاهرات طرابلس السنية، كما ستخرج اليوم مظاهرات القوى الشيعية والأخرى المتضامنة مع السياسة السورية في ساحة رياض الصلح، في محاولة لاستعراض القوة أمام تيار المعارضة المسلط عليه الضوء الإعلامي، في ساحة الشهداء.

٭٭ فهل يشكل هذا الاستعراض والاستعراض المضاد مظهراً من مظاهر التصارع بين قوتين أو تيارين بحسب تحليل الدكتور كمال الصليبي.. تيار يحافظ على عروبة لبنان، ويصونها من التدخل الأجنبي والأمريكي والفرنسي والإسرائيلي، ومحارباً الأجندة الإسرائيلية المدعومة بمشروع أمريكا نحو الشرق الأوسط الكبير.. وتيار آخر مضاد يعمل بعض أطرافه في المعارضة على إخراج الجيش السوري من لبنان، لإقامة علاقة سلام مع إسرائيل، وهومع ذهب إليه وزير الخارجية الإسرائيلية عشية انتهاء الرئيس السوري من إلقاء خطابه في البرلمان السوري..

إن ما يحدث اليوم في الساحة اللبنانية، متصل بسلسلة متراكمة مع الأحداث خارجه.. تبدأ من زيارة الرئيس السادات إلى القدس، حيث ازدادت وتيرة الأحداث المتصارعة في لبنان إبان الحرب الأهلية.. ولم تنته مع غزو صدام حسين دولة الكويت، وتوقيع الفلسطينيين على معاهدة أوسلو، وانفجار الانتفاضات داخل الضفة والقطاع.. وأخيراً لا آخراً أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما أفرزته من تداعيات على الساحة العراقية، حيث وجهت أصابع الاتهام إلى أياد سورية وإيرانية تقف وراء تزعزع الأوضاع فوقها في محاولة لإفشال المشروع الأمريكي الشرق أوسطي المنطلق من بغداد مروراً بعواصم عربية أخرى.. حيث نرى الآن ارتداد الزلزال العراقي في الساحة اللبنانية..

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 1

  • 1
    في الحقيقة ان تدخلات نصر الله تهدم ولا تبني وتضر اكثر مما تنفع وتتنافى مع خدمة الصالح العام للبنان وبلاشك ان مما اثار حفيظة اعداء لبنان الحبيب هو استقرارها وكان الله في عون اهلها ممن يلهبون المشاعر من اجل اثارة الفتنة ! وتفريق الوحدة وتشتيت الجهود وشق الصفوف .

    خالد الشمسان - زائر

    06:28 مساءً 2005/03/08



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة