كثيراً ما تطالعنا هذه العبارة في لوحات تنصب في صدر المحال التجارية، وتدون في الفواتير الصادرة عنها، وهي واضحة المعنى والدلالة. ولكن هل لهذه العبارة سند نظامي أو شرعي، وهل يمكن للبائع التمسك بها في جميع الحالات مما يوفر له غطاء يحميه من مسائل الغش التجاري، وفي المقابل هل للمشتري رفض العبارة والمطالبة برد السلعة أو استبدالها في أي وقت وتحت أي سبب؟ علماً بأن الكثير من البائعين والمستهلكين غير ملمين بأحكام عقد البيع.
من المتفق عليه في أحكام الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية أن البيع عقد ملزم لطرفيه ومنتجاً لأثاره بمجرد إنعقاده صحيحاً بتوفر أركانه وشروطه، فلا يجوز لأي طرف (سواء) البائع أو المشتري) ان يفسخ العقد من تلقاء نفسه وبإرادته المنفردة دون رضا الطرف الآخر - كقاعدة عامة -، والتراضي الصحيح من الطرفين يقتضي أن يصدر من شخص أهلاً لإصداره أي شخص مميز بالغ عاقل، وأن لا يشوب الرضا عيباً كالإكراه والغبن والغش والتغرير، وهذه كلها عيوب تؤدي الى بطلان عقد البيع، ولن نخوض في تفاصيل كل ذلك. فالفرضية التي ستكون محل النقاش هنا ان البيع انعقد بين (البائع والمشتري) وهما بكامل اهليتهما وبرضاهما على سلعة معينة مشروعة وبثمن متفق عليه، فسلم البائع السلعة للمشتري، وبدوره دفع المشتري الثمن للبائع. فإذا انعقد البيع صحيحاً ينتج عنه إلتزامات على عاتق طرفيه، فيلتزم المشتري بدفع الثمن، ويلتزم البائع بتسليم السلعة للمشتري وبضمان العيوب الخفية في السلعة المباعة بعد تسليمها، والعيب الخفي هو العيب الذي لم يكن ا لمشتري على علم به وقت البيع، مما يجعل السلعة المباعة غير صالحة للاستعمال الذي خصص له، أو ينقص من صلاحية السلعة للاستعمال بكفاءة سلعة مماثلة لها، بحيث ان المشتري لو علم بهذا العيب لما اشترى السلعة او لكان دفع فيها ثمناً أقل من الذي دفعه. ويشترط في العيب الخفي ثلاثة شروط، وهي:
- الشرط الأول: ان يكون العيب خفياً، وذلك إذا اشترى المشتري السلعة وهو غير عالم بوجوده، ولا كان في استطاعته ان يعلم به. فإذا كان المشتري على علم بوجود العيب أثناء الشراء فلا يستطيع أن يلزم البائع بضمان العيب، وكذلك الأمر اذا كان العيب ظاهراً بحيث يستطيع المشتري ان يتبينه بمجرد فحص السلعة فحص ظاهري. مع مراعاة ان البائع يضمن العيب سواء كان على علم بوجوده ام لا.
- الشرط الثاني: ان يكون العيب جسيماً او مؤثراً، فلا يكون تافهاً والمقصود بالجسامة هو تأثير العيب على السلعة بحيث ينتج عنه نقص في قيمته أو في منفعته (استخدامه).
- الشرط الثالث: ان يكون العيب موجوداً في السلعة قبل تسليمه للمشتري من البائع.
فإذا تحققت الشروط السابقة يكون البائع ضامناً للعيب الخفي، ولا يحق له التمسك بشرط (ان البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل)، وان المشتري وافق على الشراء مع علمه بهذا الشرط، فهذا الشرط يقع باطلاً هنا ولا أثر له ولا يكون له سند نظامي أو شرعي، وإن تمسك البائع بقاعدة (العقد شريعة المتعاقدين)، لأن هذا الشرط يخالف طبيعة عقد البيع والتزامه، والقول بغير ذلك يؤدي الى زعزعة الثقة بين الناس ويضيق حركة التعامل ويكون مدخلاً للغش والخداع بينهم.
ومضمون التزام البائع بضمان العيوب الخفية في السلعة المباعة (ويسمى في الفقه الإسلامي بخيار العيب) يقضي أن للمشتري الخيار بين رد السلعة واسترداد كامل المبلغ الذي دفعه ثمناً لها، أو يستبدلها بسلعة مماثلة لها خالية من أي عيب، ولا يوجد ما يمنع أن يطلب المشتري من البائع إصلاح العيب إن أمكن ذلك وعلى نفقة البائع وهو ما يجري عليه العمل في الوكالات التجارية التي تقدم ضماناً لمنتجاتها بمدد معينة، وإذا أراد المشتري أن يحتفظ السلعة رغم وجود العيب، فيكون له ان يطالب البائع بالفرق بين قيمة السلعة سليمة وقيمتها بوجود العيب أي الثمن الحقيقي للسلعة، وهو ما يسمى في الفقه الإسلامي ب(الأرش).
وهناك حالات يسقط فيها حق المشتري بالرجوع على البائع برد السلعة المعيبة أو استردادها، وهي:
1- أن يقبل المشتري شراء السلعة وبوجود العيب الذي ذكره له البائع، أو كان عالماً بالعيب وقت الشراء.
2- اذا رضي المشتري بالعيب بعد تسلمه السلعة.
3- اذا استهلك المشتري السلعة بعد علمه بالعيب الذي فيها.
4- اذا تصرف المشتري بالسلعة بالبيع أو غيره بعد إطلاعه على العيب.
لذا نخلص بالقول ان عبارة (البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل) تكون صحيحة ويمكن للبائع التمسك بها اذا انعقد البيع صحيحاً بتوافر كافة أركانه، فيكون ملزماً لطرفيه ولا يحق لأحد طرفيه فسخ العقد والرجوع عنه بإرادته المنفردة ودون رضا الطرف الآخر إذا كانت السلعة سليمة والبيع صحيح. وتكون العبارة غير صحيحة إذا كان بالبضاعة (السلعة) عيباً خفياً أو غشا بالصورة والشروط التي أوضحتها، وحينها لا يكون للبائع التمسك بالعبارة ولا يكون لها أي سند نظامي.
ونضيف هنا انه ينبغي للمشتري (المستهلك) في حال اكتشافه لغش او خداع في اي سلعة اشتراها ام لا، وسواء قبل البائع (المحل التجاري) بإعادة السلعة ام لا، ان يلجأ الى وزارة التجارة والصناعة ممثلة في الإدارة العامة لمكافحة الغش التجاري، ويقدم شكواه حيال ذلك وهو واجب وطني، لمحاربة آفة الغش التجاري بأنواعه وحماية المستهلكين أياً كانت السلعة، والمهمة تكاملية بين المستهلكين ووزارة التجارة والصناعة التي اناطت بالإدارة العامة لمكافحة الغش التجاري بها، حماية المستهلك من ممارسات الغش التجاري والعمل على تطبيق الأنظمة واللوائح ذات العلاقة، والقيام بكافة اعمال الرقابة على الاسواق وتنفيذ الانظمة ذات الصلة، وتلقي شكاوى المواطنين والمقيمين مما قد يتعرضون له من محاولات الغش او التدليس ومخالفة الانظمة المرعية، ومما يشاهدونه في الاسواق من ممارسات ضارة ومخالفة للانظمة، والتحقق من المخالفات وتطبيق العقوبات المنصوص عليها. والمطلوب الان تفعيل كل هذه المهام من وزارة التجارة والصناعة، والتفاعل مع شكاوى المستهلكين، وتحقيق الحماية لهم على أرض الواقع من خلال التشديد على المخالفين وتطبيق العقوبات عليهم، ونشرها في الصحف لتحقيق الردع للمخالفين والحماية للمستهلكين.
٭ باحث القانوني: