بحث



الاثنين 26 محرم 1426هـ - 7 مارس 2005م - العدد 13405

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


مسيرة حركات العنف الديني الجهاد الأفغاني.. مدخل تاريخي

عبدالله بن بجاد العتيبي
    الجهاد الأفغاني مفيد كذلك للاقتصاد المصري حيث إن أمريكا كانت تريد سلاحا روسي الصنع والنوع لتوزيعه على المجاهدين في أفغانستان حتى لا تظهر في الصورة بشكل مباشر حين تقدم أسلحتها للمجاهدين، وسيتم بذلك تصريف أسلحة الجيش المصري القديمة مما سيحرّك مصانع الأسلحة المصرية،

الصراعات الكبرى في التاريخ البشري لا تنتهي في كثير من الأحوال بانتصار أحد أطرافها إلا وقد بذرت بذورا لنكبات أخرى وصراعات من شكل مختلف ونكهة مختلفة وأسلوب مغاير.

في سياق الحديث عن الجهاد الأفغاني فلا يمكن إغفال السياق الصراعي التاريخي الذي كان يسيطر على المشهد العالمي آنذاك فيما يعرف حينها بالحرب الباردة بين معسكرين المعسكر الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة والمعسكر الشرقي وعلى رأسه الاتحاد السوفيتي، وعلى هذه الخلفية أطلق الرئيس الأمريكي آيزنهاور معركته مع الشيوعية تحت شعارات معبرة مثل «إطلاق الأفكار وليس إطلاق النار» أو اعتماد «سلاح الاعتقاد ضد تهديد الالحاد».

وقد كان السوفيت يخططون ويعملون ضد المعسكر الغربي والولايات المتحدة حتى أوقعوهم في فخ فيتنام الذي استنزف الأمريكان وجرح كبرياءهم وأذاقهم مرارات الهزيمة والخسارة، وقد كانت المخابرات الامريكية في السبعينات تعمل عن طريق مخابراتها وبالتعاون مع المخابرات الباكستانية لمصالح مشتركة، تعمل لجعل السوفيت يقعون في فخ أفغانستان حتى لم يبق أمام السوفيت من خيار في النهاية إلا خوض هذه الحرب والدخول لأفغانستان وبالفعل دخلوا لأفغانستان وكان هناك مجموعة أحداث قبل اجتياح السوفيت تعبر بوضوح عن الاضطراب الأمني والسياسي في البلاد وتذمر الشعب من النخب الشيوعية الحاكمة، وفي أكتوبر 1979 قطع عسكرية تابعة للاتحاد السوفيتي تتمركز في بغرام القاعدة الجوية العسكرية في أفغانستان، وفي ديسمبر قوات الاتحاد السوفيتي تحتل بكثافة راديو كابول وكل الدوائر الحكومية وتتولى إسقاط حكومة حفيظ الله أمين ليتولى ببرك كارمل الحكم في البلاد كما يذكر عبدالله أنس في كتابه عن الأفغان العرب ص134

وعلى الجهة المقابلة من العالم استبشر الأمريكان بدخول السوفيت وقال بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي للرئيس الأمريكي جيمي كارتر صبيحة دخول الجيش الروسي لأفغانستان «سيادة الرئيس إن الروس وقعوا في فخ، وتلك فرصتنا لنرد لهم جميل فيتنام» في إشارة للفخ الذي نصبته لهم المخابرات الأمريكية في أفغانستان وهو ما يؤكده بريجنسكي نفسه في لقائه مع صحيفة فرنسية حيث يقول «المخابرات الأمريكية بدأت تساعد المجاهدين في أفغانستان بشكل مكثّف قبل ستة أشهر من دخول الروس»، كما هو مذكور بالتفصيل في كتاب من نيويورك إلى كابول وكتاب جوناثان راندل «أسامة بن لادن.. السبيل إلى الإرهاب» الذي يقول فيه بصراحة : كان هدف الأمريكيين محددا ومحدودا في آن، فهم أرادوا الثأر مما نالهم من الإذلال على أيدي الشيوعيين في فيتنام. ص98

بعد ذلك التقت مع مصالح امريكا في الحرب الأفغانية مصالح عدد كبير من دول العالم والدول العربية والإسلامية، فباكستان كانت لها مصالح كبيرة في أفغانستان فأفغانستان تمثل البعد الاستراتيجي الهام بالنسبة لباكستان وجوناثان راندل يؤكد بأنه «ما من شك في أن باكستان كانت لديها أهدافها الخاصة، فحتى من قبل الغزو السوفياتي لأفغانستان في كانون الأول من العام 1979 كان الرئيس ضياء الحق يحلم بأن يستخدم حليفه الأمريكي في الحرب الباردة لمساعدته في نحت امبراطورية مغولية جديدة تمتد من باكستان إلى جمهوريات آسيا الوسطى التي كانت لا تزال تدور في الفلك السوفياتي، كانت أفغانستان تقع في صلب هذه السياسية، صـ 98، وقد كان لدول الخليج العربية مصلحة في حماية حدودها وثرواتها من اقتراب الدب السوفيتي مع المحافظة على الزعامة الدينية على مستوى العالم الإسلامي كله، وبعض الدول العربية كان من مصلحتها بعد مواجهات عنيفة مع جماعات الجهاد والعنف الإسلامية أن تصدر شبابها الذين اكتظت بهم السجون إلى الخارج كما حدث في مصر على سبيل المثال، كما ان مصر ستحل بدعمها للجهاد الأفغاني مشاكلها العالمية والعربية بعد مشكلة السلام مع إسرائيل والمقاطعة العربية لها، وكما يرى بعض المراقبين «فلا عمل يمكن أن يجمع السلطة المصرية والأزهر والإخوان المسلمين كالجهاد الإسلامي لتحرير بلد مسلم محتل كما في أفغانستان» والجهاد الأفغاني مفيد كذلك للاقتصاد المصري حيث أن أمريكا كانت تريد سلاحا روسي الصنع والنوع لتوزيعه على المجاهدين في أفغانستان حتى لا تظهر في الصورة بشكل مباشر حين تقدم أسلحتها للمجاهدين، وسيتم بذلك تصريف أسلحة الجيش المصري القديمة مما سيحرّك مصانع الأسلحة المصرية، وكما يذكر جوناثان راندل في كتابه السابق فقد «دخلت الصين بائعا للسلاح مقابل الدولارات ولإضعاف خصمها الشيوعي في الكرملين، وكذلك فعلت مصر تخلصا من آليات وأسلحة باتت غير ذات نفع، أما إسرائيل فوجدتها فرصة سانحة لتبيع تشكيلتها من الأسلحة السوفيتية التي غنمتها من العرب في حروبها المتعددة معهم، ص99، وهو ما يعيد تأكيده كشاهد عيان عبدالله أنس في كتابه السابق ويقول فيه «وأذكر أنني وجدت على بعض الجبهات أفغانا يفضلون الكلاشينكوف المصري على الصيني». ص32 وبناء على التقاء المصالح السابق فقد تم إنشاء صندوق مشترك يتأسس في جنيف بمبلغ مليار دولار يجدد تلقائيا، تدفع الدول الحليفة للولايات المتحدة نصيبها منه كل بطريقته، وتدفع أمريكا نصيبها فيه عن طريق اقتراح قدمه رئيس المخابرات الفرنسية «ألكسندر دي ميراتش» لأمريكا، ينصحها فيه بالاستفادة من مضبوطات المخدرات عن طريق توزيعها على الجيش الروسي في أفغانستان و«شبكات أهلية» لبيعها في الأسواق العالمية وتمريرها عبر بنك «الاعتماد والتجارة» لدعم الجهاد الإسلامي!!

وهكذا أطلقت المنابر والصحف والجمعيات وخطباء المساجد في العالم الإسلامي لحشد الجند والمتطوعين للجهاد، و«انطلقت الدعوات من حوالي ثلاثين بلدا إسلاميا تتمنى للمتطوعين الاستشهاديين أن يذهبوا في عناية الله، والبعض تمنى لهم ذهابا لا إياب منه، كما يذكر جوناثان راندل ص103

ووصل الشباب العربي والمسلم إلى أفغانستان مرورا بباكستان بعشرات الآلاف، وكان أول الواصلين والساعي بجد في حشد وتجميع الشباب العربي والمسلم لهذه القضية شخصية بارزة جدا في قيادة التيارات الجهادية وهو الشيخ عبدالله عزام حيث وصل لأفغانستان في عام 1984 تقريبا، وقد كان لعبدالله عزام تأثير كبير في إحياء وإقامة الجهاد الأفغاني وتأمين انخراط الشباب العربي فيه، وفي هذا يذكر أبو مصعب السوري الذي يعد أحد أبرز منظري القاعدة والتيار الجهادي في كتابه الطويل الذي نشر مؤخرا باسم «دعوة المقاومة الإسلامية العالمية» محاولا الحديث عن دور عبدالله عزام (عمل الشيخ عبد الله عزام على عدة محاور لنصرة الجهاد الأفغاني كان من أهمها..

1- تأسيس (مكتب الخدمات) الذي تولى تقديم ونقل المعونات والتبرعات للمجاهدين والمهاجرين الأفغان

2- تأسيس مجلة الجهاد التي كانت منبره الرئيسي للدعاية للجهاد الأفغاني.

3- تأسيس معسكر صدى قرب الحدود الأفغانية, داخل الأراضي الباكستانية في منطقة القبائل من أجل تدريب الشباب العربي الذي بدأت طلائعه تصل بأعداد قليلة منذ 1984)

ونحن نرى في هذا النقل المختصر جزءا من الدور الكبير الذي لعبه عبدالله عزام في الجهاد الأفغاني وبدء بروز ظاهرة الأفغان العرب.

لم يبق مكتب الخدمات هو المكان الوحيد الذي يستقبل الشباب العربي الوافد بكثافة لأفغانستان، فقد افتتح كثير من المكاتب والبيوت وانتشرت المضافات العربية، تتنافس فيما بينها في استقبال الشباب العربي وتوجيهه فكريا وتنظيميا والاستفادة كذلك من أية تبرعات أو مبالغ مالية يأتي بها معه من شتى بقاع الأرض التي كان يتنادى معظمها آنذاك لدعم الجهاد الأفغاني المقدس وقد كان لكل هدفه ومصلحته وقد علم كل أناس مشربهم، أحسب أن هذا مدخل مهم وهو وإن لم يكتمل بعد إلا أنه يمنحنا القدرة على استيعاب المشهد في بواكيره الأولى قبل الولوج في تفاصيل أكثر دقة وتعقيدا في قراءة ظاهرة تستحق بالفعل من الجميع الدرس والبحث وطرح الرؤى والمقاربات والحلول عل وعسى أن نؤمن للأجيال القادمة حياة رغدة كريمة بعيدا عن حقول العنف وألغامه التي تتفجر كل حين من الزمن في بقاع متعددة من عالمنا العربي والإسلامي.

يتبع..


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى






صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية