بحث



الاثنين 26 محرم 1426هـ - 7 مارس 2005م - العدد 13405

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


رياح التغيير تهب على المنطقة
النظام العربي القديم.. وممانعة التحول!!

عبدالله القفاري
    التحولات التي تعصف بالمنطقة تستوجب خطوات أكثر شجاعة.. وهي لا تعني الضعف بل تعني قراءة أكثر مقاربة لعالم لم يعد يعيش ثنائية القطبية الدولية ومناورة البقاء على رهان أمن النظام، حتى لو تطلب هذا جر البلاد إلى مرحلة اضطراب أو تململ أو تصعيد..

من العراق إلى مصر.. مروراً بلبنان إلى سورية.. ثمة ما يتحرك بفعل حرارة التأثير الداخلي والخارجي على السواء.. من يلتقط تلك العناوين، من يحاول ان يستشف مرحلة اخرى تعتمل في الداخل والخارج بين التقاطع مع الوضع القائم وبين ملامح القطيعة معه. من المؤكد ثمة تأثيرات خارجية تتداعى أجندتها لم تعد تخفى على أحد، ربما افرزت خلال سنوات قليلة شكلاً آخر من عناوين النظام العربي، على الرغم من ممانعة هذا النظام، للبقاء على هامش نظام عالمي غادره العالم منذ سقوط جدران برلين وانهيار الكتلة الدولية الثنائية القطبية.. لكن من اعلن أن الشرق الأوسط هدف مشروع للتغيير لم يكن سوى أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من تداعيات.

للنظام العربي القائم وسائله وأساليبه وله أيضاً مخاوفه الطبيعية، وله قدرته على التأجيل والمناورة، ومن الطبيعي أن يحافظ على تماسكه في وجه التداعيات الكبرى التي خلفتها مرحلة مابعد غزو العراق، وبروز اجندة دولية اولياتها لم تعد سراً خافياً، وهي اخذت هذه المنطقة من العالم بعين الاعتبار، ووضعتها على سلم اولوياتها.

لكن ماذا عن المثقف العربي، ونعني به المثقف بالمفهوم العضوي لا الموظف في حلقات التعبئة والممانعة والتشهير بكل تحول قد يحمل في رحمة من الايجابيات ما يفوق سلبيات حقيقية أو متخيلة.

تتنازع هذا المثقف - المحلل لمجريات الواقع - نزعتان، احداهما تشده لأفق مرحلة تغيير ايجابية، تنسجم مع تطلعات أي مثقف نقيم العدالة والحرية والكرامة الإنسانية والتعددية والليبرالية الحقيقية لا المزيفة، وكل القيم الاخرى التي تشكل أجندة لا خلاف عليها من حيث العناوين، وإن كانت تحتمل خلافات التفاصيل، وهذا شيء مشروع مثل إقراره - أي المثقف - بأنه ليس عالماً وحده وليس تكويناً جامداً غير خاضع للتحول أو الترحل بين ما ظنه مسلمات قومية أو وطنية وبين ما يراه أفقاً مضيئاً في نفق لا يعرف متى يصل نهاياته.. وبالمقابل تأخذه نزعة المخاوف من المشروع الدولي الجديد والهيمنة الدولية الاجنبية على مستقبل منطقة هي من أكثر المناطق اليوم في العالم حرارة وقابلية كبرى للاشتعال.

ومن حسن الحظ اليوم، أن كفة الرؤية أو النزعة الاخيرة لم تعد تستحوذ على المشهد السياسي العربي، فثمة جنين يتحرك باتجاه النزعة الاولى وإن كان متطرفاً حيناً، معتدلاً حيناً آخر.. إلا أن تطرفه لن يكون سوى ردة فعل لتطرف النزعة الاخرى التي لا ترى العالم سوى مؤامرة كبرى نحن فقط ضحاياها.. وأن المتآمرين علينا لن يمنحونا فرصة حقيقية لبناء أوطان أقل توتراً واستبداداً وبؤساً وضعفاً..

التحولات في العراق اليوم تمنحنا فرصة جيدة لقراءة معطيات مرحلة، منذ البدء كان العراق الحر حلماً، ومن كان هذه حلمه لم يكن بمعزل عن سخرية أو تسفيه ممن لا يرى في أفق التحول سوى استعمار جديد، ومنذ بدء ما سمي بالمقاومة كنا نراها بلا افق ولا مشروع ولا إنسانية، ولكم يعاني من يلتقط طرف الخيط منذ بداية تكوينه ليقول أن لا أفق لمقاومة بلا مشروع ولا إنسانية ولا قضية لها سوى الهدم، ممن وعي اخيراً على ملامح مقاومة قادت العراق إلى تحالفات اخرجت منه قوى كان من الواجب والمسؤولية أن تكون اليوم ممثلة في حفلة الاقتراع على الجمعية الوطنية. وكل هذا ليس لأن المشروع الأمريكي لم يكن له اجندته الخاصة أو ملامحه الظاهرة والخافية، وليس كل هذا تجاهلاً أو تجاوزاً لتلازم مشروعين: المشروع الأمريكي والمشروع الإسرائيلي، اللذين يضربان على كف مصلحة واحدة، وليس جديداً التذكير بأن دعم المشروع الأمريكي لأمن ومقومات التفوق للاسرائيل المغتصبة للكيان والإنسان والأرض وحتى الحياة هو المسؤول الاول عما آلت اليه الأمور في المنطقة من ممانعة ورفض وكراهية للسياسة الأمريكية.. إلا أن كل هذا لا يعني أن مسؤولية النظام العربي برمته والفلسطينيين - انفسهم - هي أقل شأناً فيما آلت إليه الأمور اليوم.

إن المراهنة على أن من بين الركام تنبثق معاني الحقيقة الموجعة.. وتستلهم الحلول، ومن بين عقود من الاستبداد، يأتي توافق محلة الاجماع على صيغة حياة، لأن لا ثمة فرصة لاستبداد جديد، ومن بين تراكمات الشعارات القديمة التي لم تطعمنا سوى المذهلة والهوان والكلام الفارغ الذي ننتشي به ليلا لننساه صباحاً.. يجب أن تكون ثمة قراءة أكثر عقلانية وواقعية واستلهاماً لوجه الإنسان المقموع اولاً.. ولأن قراءة التحول في سياسات القوى الكبرى لم تعد تخضع لاجندة استعمار قديم قدر ما هي أجندة مصالح.. ومن المصالح ما تتقاطع، فمن يرفض ملامح الحرية ونظام التعددية وحالة التوافق وإمكانية ضبط دولة المؤسسات والاحتكام اليها.. ومن يرفض صندوق اقتراع نزيه.. سوى لأن من يدعو إليه اليوم هي قوى لا تريد لعالمنا سوى الخضوع والبقاء في دائرة الهيمنة والاخضاع!. ألم يراهنوا من قبل أن الصندوق سيلد ما يشاؤون هم لا ما يشاء الشعب العراقي الذي خرج في مواجهة الموت ليرمي ورقته في صندوق اقتراع.. ليس لأن صندوق الاقتراع هو النهاية بل لانه كان يمثل لهذا الإنسان قيمة فقدها عبر عقود، ألغت ملامحه وخياراته وقدرته على الاختيار.. ليس المهم الآن لمن اقترع العراقيون، تلك قصة اخرى تخضع لثقافة عملت خلال عقود على محق الإنسان العراقي حتى لم يجد ملاذاً آمناً سوى هويته المذهبية أو القومية لأن فرص تشكيل الهوية الوطنية الجامعة ذابت عبر حرمان أي فاعلية سياسية اخرى من النهوض. لماذا لا نؤمن أن لهذه القوى مصالح، ومخاوف وهي لم تأت لهذه المنطقة وهي بمعزل عن تأثيراتها التي وصلت حدود أبوابها، من نيويورك إلى مدريد.. لماذا نرفض القيم الديمقراطية، لأنها تأتي بدعوات وتأثيرات وضغوط خارجية.. هل نرفضها فقط، ونمانع الخطوة في طريقها سوى لأنها تأتي من هناك حتى لو كان فيها مستقبلنا. إذا كنا عاجزين عن المبادرة وعاجزين عن قراءة العالم اليوم لماذا نرفض القيمة التي ندعو اليها لأن من دعا إليها اليوم في منطقتنا ليس منا.

ثمة فارق كبير بين من يدعو ويروج لمشروع أمريكي أو اوروبي اليوم بدعوى نزعته النهائية لحالة استلاب غربي مزمنة ومقيمة في تكوينه، وهو يسلم لها بكل شيء، ولا يرى من الثقة أن مقاومتها في حال تغييبها لمصالحه ومستقبله هي قيمة تكوينية حقيقية مترسخة في وجدانه وتكوينه النفسي، وبين من يرى من بين نتائج التحولات ما يعزز ايمانه بأن الفرصة سانحة لولادة جنين ديمقراطي في منطقة حرمت من التطور الطبيعي للحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية منذ عهود الانقلابات العسكرية وعلو الشوفونية القومية التي تحولت إلى عشائرية أو طائفية مستبدة ومتسلطة لا تعرف وسيلة لإدارة حالة اجتماعية وسياسية وثقافية سوى عبر آلية العنف والاخضاع بالقوة.. إن قوة الحرية وامتثال التعددية، والتوافق على صيغة وطنية جامعة هي التي ستحد من تغول أي مشروع خارجي ولن تسلم له باجندة أو تفاصيل تراها ضد مصالحها النهائية.

في الشأن اللبناني والسوري، ثمة حراك، وهو حراك لن يتوقف سوى على اعتاب تكوين جديد، وبين الممانعة من التحول أو الاصرار عليه، سيكون ثمة تطورات وسيكون ثمة مراحل من محاولات الاجهاض.. لن تولد حياة سياسية جديدة بسهولة، لكن رحلة الحمل بالجنين بدأت، والتخلق بدأ يتشكل، والولادة المتعسرة ليست دليلاً على موت الوليد المفاجىء. والمخاوف من اخراج لبنان من ثوبه العربي إلى حالة مستلبة تبتلعها الاجندة الامريكية - الإسرائيلية هي هجاء كبير للبنان الإنسان والقوى والفعاليات المتنوعة.. وكأن لبنان لقمة سائغة بدون حالة وصاية دولية كانت أو اقليمية.

المثقفون السوريون الذين بعثوا برسالتهم إلى الرئيس بشار الاسد، التي تدعو إلى سحب القوات السورية من لبنان، وفي المقابل تحاولل أن تذكر اللبنانيين بروابط المصير وعلاقات الجوار والتواصل الطبيعي الاجتماعي والثقافي والاقتصادي بين بلد خاصرته الرخوة لبنان.. كانت لفتة شجاعة، وملمحاً عقلانياً وإنسانياً، رؤية تستحق التأييد.. هذه الدعوات من الداخل، لا يمكن أن تتهم بأنها تعمل ضمن نسق مشروعات الضغط الدولية المتواصلة ولا يمكن أن تتهم بالتخوين أو التخاذل أو الضعف أمام الأحداث التي تعصف بالمنطقة.. انها القراءة الموضوعية التي يمكن التعويل عليها للنقاد إلى نظام عربي جديد.. يودع تلك السياسات القاتمة إلى غير رجعة ويؤمن بالخضوع لارادة الحرية والاختيار من الداخل ليس وفق اجندة النظام وحده، ولكن وفق وعيه بأهمية اشراك الداخل واستلهام رغبته وقدرته ومقوماته على التحول الايجابي.. ومن يمنح هذه الفرصة لشعبه اليوم كرامة وحباً، سيجعل له افقاً في عقل شعبه ومكاناً رحباً في تاريخه.. لكن من يمانع التحول تجاه مصالح محتمة وقيم طبيعية وإنسانية وحقوقية طال انتظارها.. خوفاً من آثار التحول، هو من يجعل هذا النظام في حالة خطر وسيمكن لاعدائه ومناوئيه اضعافه وإنهاكه مهما طالت ممانعته.

في مصر ثمة حراك ايجابي، والنظام المصري، الذي يتمتع بمرونة تجاه قراءة التحولات قدم مبادرة تستحق التشجيع لتعديل مادة الدستور كانت تمثل مطلباً لقوى المعارضة الداخلية، انها خطوة ايجابية لاحتواء الداخل من اجل مصر ومستقبلها لا من أجل الرهان على حالة دولية يستفزها مشهد نظام عربي مازال يعيش في حالة ممانعة.. التفكير الايجابي تجاه التحولات التي تعصف بالمنطقة تستوجب خطوات أكثر شجاعة.. وهي لا تعني الضعف بل تعني قراءة أكثر مقاربة لعالم لم يعد يعيش ثنائية القطبية الدولية ومناورة البقاء على رهان أمن النظام، حتى لو تطلب هذا جر البلاد إلى مرحلة اضطراب أو تململ أو تصعيد.. يملك كافة الضمانات للعمل السياسي تحت سقف النظام وضمن اطر الدستور أو القانون.. ويقدم لشعبه أملاً بأن ثمة قدرة على تجاوز شرنقة الخوف من مقاربة تعددية أمينة، وشراكة حقيقية في صنع القرار واطلاق طاقات تتوارى خلف عقدة الممانعة.. ربما كان الرهان الوحيد اليوم للخروج إلى حالة توافق واجماع وطني.. تبقى هي الضمانة الحقيقية والبديل عن حالة قلق أو جمود أو تراجع أو اضطراب ربما قادت إلى حالة مستعصية لا تجدي معها لا مسكنات ولا حتى تنازلات لاحقة..


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية