الرئيسية > مقالات اليوم

أصوات

الانسحاب من بيت الخزف!


محمد رضا نصرالله

٭٭ في خطاب الرئيس السوري بشار الأسد المنتظر لبنانياً وعربياً وعالمياً.. أعلن استعداد دمشق انسحاب قواتها العسكرية إلى منطقة البقاع ، وانتهاء بانسحابها إلى الحدود السورية اللبنانية.

هذا تماماً ما نص عليه اتفاق الطائف سنة 1989م.. فلماذا احتاج الانسحاب إلى قرار دولي تبنته واشنطن وباريس سنة 2005م بعدما اشتدت العلاقة توتراً بين قوى المعارضة في بيروت والقصر الرئاسي في دمشق.. وذلك إثر التمديد لرئاسة العماد اميل لحود، واستقالة حكومة الرئيس الراحل رفيق الحريري؟!.

أشار الرئيس السوري في خطابه، إلى ان قوات بلاده، مارست انسحاباً عسكرياً مرتين .. الأولى سنة 1990م - أي بعد سنة من اتفاق الطائف - والثانية سنة 2000 بعد انسحاب القوات العسكرية الاسرائيلية من الجنوب تحت وابل من نيران المقاومة الوطنية.. حتى تقلص الوجود العسكري السوري من 40 ألف جندي إلى 14 ألفاً.. هؤلاء لم يحل وجودهم دون اختراق اسرائيل الأجواء اللبنانية بين حين وآخر.. وكذلك فإنه لم يعتق وصول الصواريخ الاسرائيلية إلى مواقع مستهدفة داخل سورية !.

٭٭ بمعنى ان هذا الوجود العسكري في الساحة اللبنانية.. لم يحقق غرضه القومي في ضبط التوازن الاستراتيجي بين سورية واسرائيل. حيث تم تحييد الصراع عند هضبة الجولان المحتلة، وذلك لأسباب غير خافية تتعلق بتخلخل ميزان القوى لصالح اسرائيل المدعومة أمريكياً ضد سورية، التي لا تحظى بأي غطاء عربي منذ حرب تشرين، وقد انتهت على الساحة المصرية بعقد اتفاق سلام مع اسرائيل، قضى بالانسحاب الاسرائيلي من سيناء، وفق ترتيبات حيدت هذه الجبهة.. في حين رفضت دمشق مطالب اسرائيل وأمريكا الدخول في معاهدة سلام على النمط المصري، ما لم تسترجع هضبة الجولان وبحيرة طبرية، رغم وصول الطرفين المتحاربين في لحظات إلى تفاهمات سلام، خاصة بعدما فقدت دمشق سندها الاستراتيجي مع انهيار الأتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية.. إذن لماذا اختارت مواصلة صراعها مع العدو على الساحة اللبنانية لا على ساحتها السورية؟!.

٭٭ بطبيعة الحال ان الاجتياح العسكري الاسرائيلي للبنان؛ ومحاولة اللعب بميكانيزماته الفسيفسائية، هو الذي شجع دمشق لنقل معركتها مع اسرائيل على أراضيه، وتحديداً بعدما دخل جيشها تحت مظلة قوات الردع العربية، على إثر المؤتمر السداسي في الرياض سنة 1976 بعد سنة من اشتعال الحرب الأهلية على وقع حادث الباص في عين الرمانة.. وإذ تغلغل الوجود السوري، في لبنان باحثاً عن القوى المحلية التي تسانده، مرة مع مسيحيي زغرتا بزعامة الرئيس سليمان فرنجية، وأخرى مع شيعة حركة امل ومن ثم حزب الله .. جاء اتفاق الطائف لينظم وجوده العسكري بإعادة الانتشار إلى سهل البقاع، وإفساح المجال أمام القوى اللبنانية لإعادة ترتيب بيتها المنهار بعد الحرب الأهلية دون تدخل من أحد.. وهذا ما لم يحدث.. حيث ظلت دمشق موجودة بأجهزة استخباراتها في دقائق التفاصيل اللبنانية - كما اعترف الرئيس السوري مؤخراً في خطابه -! وكذلك منحازين الى هذا الطرف ضد ذاك - كما اعترف أيضاً في خطابه! - متدخلة في اختيار هذا أو ذاك رئيساً للجمهورية أو رئيساً للوزراء أو رئيس مجلس النواب.. بثقافة الحرب الباردة تم التعاطي السوري مع الأوضاع اللبنانية ! في حين كان العالم يتغير مرتين - مرة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي سنة ,1989. أي في السنة التي توقفت فيها الحرب الأهلية اللبنانية - وأخرى بعد الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001م مع وصول اليمين المسيحي المتصهين إلى البيت الأبيض.

٭٭ أمام هذين المتغيرين الدوليين لم تحاول دمشق ان تعيد طريقة تعاطيها للشأن اللبناني، وقبل ذلك للشأن المحلي، فتتخذ قرارها الوطني دون ضغط من أحد بالانسحاب من لبنان، وممارسة «قفزة» التغيير في الاجتماع الدوري لحزب البعث العربي الاشتراكي، الذي قضي على قائده وكوادره في العراق، بعد الغزو الأمريكي سنة 2003م.

ما أريد قوله ان انعدام القراءة الواقعية للأوضاع الدولية والإقليمية والمحلية، هو الذي يجعل من أية مبادرة يصفق لها في ساحة الشهداء حيث يتظاهر المعارضون اللبنانيون.. أو السوريون المحتشدون امام مبنى البرلمان في دمشق.. تأتي دائماً متأخرة، وكذلك فهي استجابة لضغط أجنبي.. فلو لم يلوح الأمريكان بضرورة تطبيق القرار1559 الداعي الى الانسحاب من لبنان، وهو يتوافق مع مطالب اتفاق الطائف بإعادة الانتشار الى البقاع سعياً إلى الانسحاب عند الحدود بين البلدين!! ..لو لم يكن ذلك لما حدث ما حدث بارحة امس في خطاب الرئيس السوري.. ومع ذلك فقد بعث تعهده بالانسحاب السوري من لبنان حالة من الأمل، لا في قلوب المعارضين اللبنانيين فحسب .. بل والمواطنين السوريين عامة، حيث إن هشاشة الوضع في المنطقة، غير مهيأة قط للوقوف مرة أخرى أمام فيل ضخم داخل بيت من الخزف!.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة