دوافع تشبيه المرأة في الشعر الشعبي والفصيح (1 - 3)..
تشبيه المرأة بالشمس:
حظيت المرأة ولا تزال تحظى باهتمام كبير من قبل الشعراء، فمنذ الجاهلية وإلى عصرنا الحاضر وشعر الغزل يمثل الجزء الأكبر من شعر أي شاعر في أغلب الأحيان، بل أن بعض الشعراء قد أوقفوا شعرهم على المرأة، يصورونها بأجمل ما رأت أعينهم، ويتغنون بوصلها ويشكون مرارة صدها، وعلى الرغم من ذلك يلاحظ بأن الصور الكلية التي صور الشعراء المرأة بها أو رمزوا بها للمرأة في غزلهم قد ظلت متوارثة جيلاً بعد جيل إلى أن وصلت إلى شعرنا الشعبي، ومن ذلك على سبيل المثال تشبيههم للمرأة بالشمس أو بالقمر أو الغزال أو تشبيهها ببعض الأشجار والنباتات، لذا ينفي بعض الدارسين للشعر الجاهلي بأن يكون الجانب الشكلي الجمالي في هذه الأشياء هو الدافع الوحيد وراء تشبيه المرأة بها، ويعزون السبب في ذلك إلى قداسة هذه الأشياء في دين الجاهليين، فالدكتور نصرت عبدالرحمن يستبعد أن تكون «وظيفة التشبيه في الشعر الجاهلي هي التزين أو التوضيح» ويرى «بأن المشبه والمشبه به إذا ما كثر تردادهما يدلان على علاقة رمزية ابعد من العلاقة الظاهرية» (1).
فمن الأشياء التي يكثر تشبيه المرأة بها في الشعر الجاهلي على سبيل المثال:
تشبيهها بالشمس، وقد عبد الجاهليون، ثالوثاً مكوناً من القمر والشمس وعثتر (الزهرة)، وكان هذا الثالوث أشبه بعائلة مقدسة من أب وأم وولد (2).
يقول طفيل الغنوي:
عروب كأن الشمس تحت قناعها
إذا ابتسمت أو سافراً لم تبسم
ويقول قيس بن الخطيم:
تبدت لنا كالشمس تحت غمامة
بدا حاجب منها وضنَّت بحاجب
والأمثلة على تشبيه المرأة بالشمس في الشعر الشعبي كثيرة أيضاً، يقول محمد الخس:
الزين فيك أحلا الوصايف مدله
مالك بغضات الصبايا تهايا
شمس على روس النوازي مطله
شعاعها يرسل سهوم المنايا
ويقول الشاعر محمد القاضي (ت 1384ه):
نوره بدا كالشمس ما به خلافي
ترايبه بيض كما فلق الأقمار
أما بالنسبة لتشبيه المرأة بالقمر فإنه يُعد «خطأ نادر الحدوث في الشعر القديم/الجاهلي، إذ ترتبط المرأة دائماً بالشمس الأم لا بالقمر الأب (1). وعلى العكس من ذلك يجد المطلع على الشعر الشعبي بأن تشبيه المرأة بالقمر قد غلب على تشبيهها بالشمس، والأمثلة على ذلك كثيرة يكفينا منها قول محسن الهزاني:
الجيم جل اللي خلق دور خلي
حسن التهايا مقعده فوق زلي
شبه القمر شفته وهو ما فطن لي
أو جس صوابي يا بن فيحان يزداد
ومن الصور التي يندر وجودها في الشعر الشعبي تشبيه المرأة بنجمة الصبح/الزهرة، ومن ذلك قول الشاعر نمر بن صنت (ت - 1420ه):
يا نجمة الصبح كبدي منك مرهوقه
لا شع نورك علينا لا تغيبيني
ستاير القلب من فرقاك مفتوقه
صابر من العام لين انك ذبحتيني
وقبل أن نختم هذا الجزء أود الإشارة إلى أمر مثير للانتباه فيما يتعلق بقدسية الشمس، وهو أن الآبدة أو الخرافة الجاهلية التي ذكرها النويري في نهاية الأرب، والتي تقول بأن «الغلام إذا ثغر فرمى سنه في عين الشمس بسبابته وإبهامه وقال أبدليني احسن منها، أمن على أسنانه العوج والفلج والثعل» (1). هذه الخرافة نجد بأنها قد انتقلت إلينا من الجاهليين ولا تزال موجودة في أنحاء متفرقة من جزيرة العرب، مع أنه قد طرأ عليها بعض التغيير، فعند سقوط سن الصغير فإنه يقوم برميه باتجاه عين الشمس قائلاً: «يا شمس خذي سن حمار واعطيني سن غزال».
(1) د. نصرت عبدالرحمن: الصورة الفنية، ص 110.
(2) السابق، ص 113.
(1) د. علي البطل: الصورة في الشعر العربي، ص 87.
(1) نهاية الأرب، ج 3، ص 122.