ردود الأفعال على خطاب الرئيس السوري بشار الأسد، ستبقى مدار حديث الشهور القادمة، لأن الموضوع أصبح من الحساسية بما يفوق سخونة الوضع في العراق وفلسطين، أو أنه يكمل العقد بالخرزة الثالثة، بمعنى أن التحرك الدولي تجاه الدول، أو المواقع الثلاثة، لم يأت مصادفة، وإنما وفق رؤية تحليلية لما يخطط للمنطقة بأسرها..
الرئيس السوري اعتمد الانسحاب، وقال عن الأخطاء السياسية من قبل حكومته، وربط الأمور بسياقها العربي والدولي، وبصرف النظر عن تلاقي الأفكار بين مرحب ومنتقد ومهدد بفرض عقوبات دولية على سورية، فالموضوع تجاوز المنطقة، وصار جزءاً من خرائط موضوعة تريد تأكيد أن الانتظار بتحريك المواقف أو تركها لسياسة الدول العربية، بات غير عملي والدليل أن ما يشبه التحالف دخل بثقله على موضوع لبنان، وضرورة فصل التوأمة مع سورية بلغة مصالح الدول الخارجية قبل صاحبة الشأن، وهذا الإجماع يترتب عليه أن نفهم ماذا سينتظرنا من مستقبل ليس لأن الخصومة تحددت مع سورية، ولكن مع لبنان الذي لم يرتب أحواله الداخلية عندما تبرز مشاكل تطبيقات القرار الدولي 9551 بتوطين الفلسطينيين، وسحب القوات السورية وكذلك قوات حزب الله، والتعويض عنهما بانتشار القوات اللبنانية؟.
المشكلة أننا لم نقرأ بشكل تفصيلي تأثير الدول العربية على بعضها حتى في حالة القطيعة السياسية وتجاهل التشابك التاريخي الاجتماعي والسياسي الذي افترضت الأنظمة أنه المانع أو الحاجز بين دولة ونظام آخر..
فمصر لا يمكن حجب تأثيرها عن محيطها المجاور، أو حتى العربي البعيد، وكذلك المملكة مع كل الدول التي تجاورها براً أو بحراً، أو سورية مع لبنان، وقس على ذلك تشابك العلاقات الداخلية والدينية، والقبلية، وهي شديدة التأثير حتى على البلد الذي ينتمي إليه كل شعبه..
لبنان متداخل مع سورية بوجود قوة، أو خروجها، والقضية ليست مرتبطة بحكم أو نظام، بل بجملة أغراض تناسلت من تاريخ قديم، وهذه الفرضية هي التي جعلت الحرب والسلم في البلدين قضية جدلية وأمنية..
خروج القوات السورية يجب أن يتم، وأيضاً أن تتجدد الثقة بين حساسيات أو أفراح وكأن الانتصار جاء بفعل دولي، دون ملاحظة أن حالات الانفعال بأمور استراتيجية لها انعكاساتها غير المحددة على الطرفين، على أن يبقى هامش الحوار والمصالح فوق لعبة تنازع الأحزاب، أو التكتلات الفئوية والطائفية، لأنه من غير المنطقي اعتبار سورية عدواً أو أن يتناغم رد الفعل السوري بأن اللبنانيين منكرون للجميل، لأن هذا الافتراق سوف يفتح الأنفاق المظلمة، وقد يتداعى ما سمي بوحدة المسارين، وتلاحم الشقيقين إلى انشقاقات خطيرة ربما تعيد سعير الحرب العسكرية بوقود الحرب الإقليمية، والدعائية..