لا يوجد مجال لتحالفات الصغار طالما ميدان الحرب الباردة انتهى بخروج أحد المتنافسين، وحتى التكتلات التي حلت بديلاً اقتصادياً عن الأحلاف العسكرية، ربطت سياساتها بنظام أكثر تطوراً، واستهدافاً إلى تنمية المواطن بدلاً من عسكرته والصرف على تنافس القوة باقتطاع المليارات في سباق حرب الأرض والنجوم فتشكل ما يشبه المنظومة التجارية بشعارها العلمي..
العرب أخذوا دروساً كبيرة في التحالفات التي نسجتها مرحلة تلك الحرب، وجاء التقارب لمصلحة إزالة نظام بآخر، وكان الأسوأ، ثم جاءت السلسلة الطويلة من حروب القبائل بالنيابة حين اتخذ كل حكم حارسه الأمني من نظام خارجي، فكان السوفيات رعاة النظم اليسارية الراديكالية، والغرب من سماهم أنصار الحرية والانفتاح، والمشهد الراهن يكذب تلك الأماني والآمال، لأن كلا الطرفين خسر مواقعه وبات عاجزاً عن توفير المتطلبات الأساسية لشعوبهم..
الآن المعركة تطال كل نظام، وإن اختلفت الضغوط والمواجهات بحسب دور كل دولة عربية، ومدى قبولها الإصلاح، أو بتعبير أدق توفير الأمن لبناء نظام دولي لا يجعل المنطقة بؤرة شحن وتصدير للإرهاب، ولذلك فضلت دول مثل روسيا والصين كقوتين شرقيتين عدم التفريط بالعلاقة مع أمريكا، لمصلحة دولة عربية، وباستثناء كوريا الشمالية التي تُعد إحدى أوراق اللعبة الصينية، فإن بقية المواقع الملتهبة، أو على خط النار لا تؤكد انجرار الروس، أو غيرهم إلى حالة التوتر التي تعيشها..
هناك حالة من الارتباك تسود المنطقة العربية، وخاصة بعد احتلال العراق وموت الرئيس عرفات، وقتل الحريري، فكل حادثة تُسجل متغيراً جديداً، أو حالة انتقال مجهولة النتيجة..
فالعراق يمكن بواسطة الانتخابات عبور أول الجسور إلى البر الآمن، أو الانفجار الكبير، والفلسطينيون يمرون بحالة مخاض بين إعادة الحياة إلى الحوار، والسلام، وجعلهما أداة اختبار لنوايا إسرائيل، والتوجه العالمي للحل، أو العودة إلى نقطة البداية..
أما لبنان، فهو الأكثر توتراً، أي أن الحل يكمن بالدولتين، وحتى الضغوط الدولية قد يكون لها فعلها، لكنها لا تعيد تصفية التحالفات القديمة مع أصدقاء الماضي، لأن مصادر التفكير مختلفة، مثلما التوجهات تغيرت، وبالرغم من ثقل فرنسا التي لعبت أدواراً حاسمة في لبنان، فهي محتاجة للثقل الأمريكي، وإيران لن تكون الحليف لسورية، وهي المهددة من قوى كبرى بما فيها تمنّع الروس عن دعم مشروعهم النووي، ومن هنا تبقى المظلة الدولية للعرب بدون غطاء، لأن الحلفاء أيضاً هم من يضعون تقديراتهم للمكاسب والخسائر، وبالتالي لا يمكن المجازفة بالمخاطر لحسابات مجهولة..
إن العمل على إزالة العوائق العربية، هو مصدر الحلول الصحيحة، وإلا فالكل يغني على ليلاه المفقودة في ميادين المعارك..