قد تكون مجلة «الآداب» اللبنانية افضل مثل يعطى للفرق بين المجلة الادبية العربية اليوم وبين المجلة الادبية العربية بالأمس. فبالأمس كانت مجلة الآداب مجلة ناهضة اسماً على مسمى. كانت مجلة ادبية فعلاً، مجلة تعنى بالادب، وعلى صفحاتها يكتب كتّاب وأدباء وشعراء ونقاد كبار. وكان في عداد هؤلاء أكثر الاسماء التي بقيت من الجيل السابق مثل بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة وصلاح عبدالصبور واحمد عبدالمعطي حجازي وخليل حاوي ونزار قباني وعمر أبو ريشة واحسان عباس ورئيف خوري ومحمد النويهي وعز الدين اسماعيل وسواهم. وكانت الآداب مجلة ادبية عربية مركزية. كانت مثل مجلة (الرسالة) المصرية التي ورثتها. وكان الادباء، وقراء الأدب، ينتظرون صدورها بفارغ الصبر في مطلع كل شهر لأسباب كثيرة منها ان الادب كان ما يزال له أهمية، ومنها ان كل عدد جديد كان يتضمن جديداً وهاماً ما. فباب: قرأت العدد الماضي من الآداب، كان كثيراً ما يثير معارك، وكانت المعارك تستدرج معارك. وكان الادب العربي في عزه لأكثر من سبب، منها انه لم يكن منعزلاً عن حركة الواقع والتاريخ والجماهير فقد كان يواكب نهوضاً قومياً ووطنياً هائلاً عرفته البلاد العربية في تلك الفترة.
كانت «الآداب» ديوان الادب العربي المعاصر والحديث. على صفحاتها روجع الماضي وتراثه وأدبه وتاريخه. وعلى صفحاتها تجلى الحاضر في أبدع صوره، ولاح المستقبل العربي قوياً متيناً مزدهراً.
وقد استمر وضع «الآداب» على هذه الصورة ما يقرب من عشرين سنة. «الآداب» صورة وانعكاس واقع العرب يومها. ولكن ما ان لاحت في الأفق نذر ما سمي يومها «بالنكسة»، حتى انتكست «الآداب» وبان الشحوب والضعف على وجهها. الدراسات والابحاث الهامة، وتلك القصائد التي تندرج في إطار «الشعر الجديد» يومها، بدأت تخف، وحتى تضعف، وكأن «النكسة» ليست مجرد نكسة سياسية او عسكرية، وإنما نكسة لها تداعيات كثيرة على قضايا قد يظن الكثيرون انها بعيدة عنها، او لا تتأثر بها. فإذا بالنكسة عبارة عن «عدوى» او «فيروس» ينتقل بلا استئذان الى الادب والثقافة. وبوجه من الوجوه، يمكن القول ان هذا «الفيروس» ما زال يعبث بالجسد العربي، وبالثقافة العربية على الخصوص الى اليوم.
أو المجلة السياسية، تأمينه، فقد عرفت هذه المجلة الجوع وبات صدورها مغامرة نتائجها المالية كارثية. فالمجلة الادبية اليوم إن لم تجد دعماً من هذه الجهة، او المؤسسة، او تلك فإنها لن ترد كلفتها. والدكتور سهيل ادريس يقول صراحة، لمن يسأله، انه يخسر كل شهر مبلغاً مالياً كبيراً بسبب اصراره على إصدار «الآداب». لماذا إذن تصدرها؟ لأنه لا يستطيع الخروج من أسر ماضيه وذكرياته معها. يريدون توقيفها؟ (يقصد أسرته) حسناً. ولكن ذلك لن يكون وانا على قيد الحياة!
ولكن «الآداب» (ومعها سائر المجلات والملاحق الادبية العربية في بيروت وربما في سواها) قد تغيرت الآن. لم يعد سهيل ادريس رئيساً لتحريرها. يرأس تحريرها الآن نجله سماح الذي ينتمي الى جيل آخر معني بالفكر السياسي أكثر مما هو معني بالادب.
من يقرأ «الآداب» اليوم يجدها مجلة مختلفة تماماً عن السابق. يصول في «الآداب» ويجول اليوم مفكرون مهتمون بالسياسة الأمريكية في المنطقة، وبمستقبل الصراع العربي الإسرائيلي، وبهذه القضية السياسية او تلك، أكثر مما يصول ويجول فيها شعراء وأدباء ونقاد. بدءاً من افتتاحية العدد، وصولاً الى الصفحة التي تسبق الفهرس، مقالات تصب في باب الفكر السياسي، لماذا عثر القارئ المهتم بالأدب على قصيدة ما، أو على بحث أدبي محض، هناك في ساعة أخرى، انتعش قلبه وسعد. فهل دانت دولة الأدب يا ترى؟ أم ان المسؤولية تقع على سماح ادريس واهتماماته الايديولوجية، أم على شيء آخر، او أشياء أخرى؟
أغلب الظن، ان كل هذه الاسئلة والأشياء، لها صلة بالموضوع. فدولة الأدب ليست في أحسن أيامها، بل في أسوأها. فالادب غريب حتى في كلية الآداب. والأدب لم يعد يتقنه إلا قلة قليلة من الأدباء. واللغة العربية لغة شبه منسية او مجهولة. واستاذ كلية الآداب يشتري شهادته، وأطروحته، فإن كان قد كتبها هو ونال شهادته بدون شراء، فإنه يظل يعيش عليها طيلة حياته نظراً الى الكسل الذي سيطغى عليه لاحقاً.
وما من مؤسسات أو جهات تراقب ما يجري في ساحة الادب وتهتم بتقديم ما يعين او يسعف. اذا اقفلت مجلة ادبية لا أحد يسأل، ولا أحد يهتم بتقديم التعازي، واذا قامت مجلة ادبية جديدة، فالقارئ يترحم على المجلة التي احتجبت، نظراً لطابع الهزال او الارتجال او التركيز على ظواهر الغرابة او الإثارة او الهجانة، وبكلمة واحدة: لافتقاد الأصالة، وللتركيز على الموضة.
قبل أيام كتب رئيس تحرير «الهلال» مصطفى نبيل مقالاً في «الهلال» حول حاضر المجلة الأدبية العربية وهمومها ومتاعبها. قال ان هناك فرقاً بين «أزمة المجلات الثقافية» وبين «الأزمة الثقافية العامة» التي يتعين علينا جميعاً ان نتكاتف من أجل مواجهتها، وان نجاح المجلة الثقافية هو إحدى نتائج المناخ الثقافي العام، وإحدى نتائج التناغم بين الكاتب والقارئ. فلا يمكن برأيه فصل أزمة الدوريات الثقافية عن أزمة الثقافة. فأزمة الثقافة ترتبط بوضع المثقف في المجتمع الذي ينتمي اليه، وقدرة هذا المجتمع على الاستفادة من جهد مثقفيه وكتابه، ومدى نجاحه في جعل المفكرين جزءاً حيوياً من نسيجه. هذا في الوقت الذي يعاني المثقفون في العالم الثالث من التجاهل والاهمال، أو من التدجين والتطويع، مما يعطي لديهم الشعور بالاحباط والسخط.
ويرى مصطفى نبيل ان الحرية هي الترياق الذي تعيش به المجلة الثقافية، وهي الهواء الذي تتنفسه. فإذا غابت الحرية، عانت المجلة الثقافية وضعفت. لذا يتوقف مدى نجاح المجلة الثقافية على قدرتها على الوصول الى آخر هامش للحرية، والوصول الى حافة الأسلاك الشائكة وما يحيط بها من ألغام. ثم إن القيد على الحرية لا يأتي من الدولة وحدها، بل كثيراً ما يأتي من الارهاب الفكري الذي يضع قيداً أشد قسوة على الحرية وعلى الافكار الجديدة.
ويذكر مصطفى نبيل ببعض مذابح الحرية في تاريخنا الحديث، ومنها مذبحة المجلات الثقافية عندما انقلبت السياسة المصرية على عقبيها في منتصف السبعينيات، وأغلقت كل من مجلتي «الطليعة» و«الكاتب»، وقبلهما تم التخلص من سبع مجلات ثقافية كانت تصدر من القاهرة.
كما يذكر بفصل رئيس تحرير مجلة المعرفة السورية عندما نشرت في افتتاحيتها بعض نصوص «طبائع الاستبداد» للكواكبي.
لذلك تبدو أزمة الدوريات الثقافية العربية جزءاً من أزمة ثقافية عامة، ومن أزمة اجتماعية كيانية يمر بها العالم العربي. وليس في الأفق المنظور ما يدل على ان هذه الأزمة العامة مؤقتة أو عابرة، وان الشمس ستطل من بين الغيوم في لحظة وأخرى، أو بين يوم وآخر.. وربما لا يلحظ أحدنا في الأفق سوى المزيد من الغيوم والهموم!