على حافة المدينة.. وعند حدود الصحراء
وبينما دار جانب من «وحي الصحراء» في فلك الرومنسيَّة المهجريَّة، وقفت مجموعة من قصائد الكتاب ومقالاته عند حدود الوعي الحديث بمفهومات طازجة كـ «الدولة»، و«القوميَّة»، و«الجامعة الإسلامية»، وقدَّم عددٌ من الأدباء رؤيتهم حول التعليم، وتأسيس المجالس النيابية.. إلى آخر تلك الهموم التي تنتمي إلى قيم «المدينة»، ولا تمت بصلة إلى «البادية» و«الصحراء» التي جاءت عنواناً للكتاب، نزولاً على شروط الجغرافيا والمكان، خاصة أن غرض القوم من الكتاب - آنذاك - تعريف القارئ العربي بطرف من آثار الحجاز الأدبية، وقد مضى حين من الدهر ظن الأدباء العرب أن ليس في الحجاز - بل الجزيرة العربية كلها - أي أثر للأدب، شعره ونثره، فكان من السائغ أن يقوم «وحي الصحراء» على المفارقة، حين انطوى الكتاب على ما عدَّه محمد حسين هيكل انتماءً إلى أحدث موجات الأدب العربي الحديث في مصر والشام والمهجر، في الوقت الذي لا ينبئ به عنوانه بما سوى البداوة، الرفيق الدائم للصحراء، وأنَّ أبناء الجزيرة، عامة، ليسوا سوى حفنة من البدو الرحَّل، وأنَّ أدبهم - إنْ كان لديهم أدب - صورة مكرورة لما كان عليه أسلافهم في الصحراء في القرون الغابرة، وتلصق بأبنائها من الشعراء والأدباء سمات البداوة، وخصائص الآثار البدوية حتى لو كانت القصيدة ضاجَّة بالرموز النهرية، ولا يعرف صاحبها من حياة الصحراء إلا ما يعرفه الشعراء والأدباء العرب في مصر أو الشام أو المهجر، كما حدث ذلك حينما وصف علي محمود طه الشاعر الحجازي إبراهيم فلالي بالبداوة، وحين قرن طه حسين حسن عبدالله القرشي بالبدو في قران واحد، والأطرف أن يحكم ثُلَّةٌ من النقَّاد العرب على شاعر من الجزيرة العربية بالبداوة عند استعمال أي مفردة تنتمي إلى الصحراء، كالرمل أو الكثيب أو القيظ، مع أنَّ أعتى الشعراء العرب خروجاً على التقاليد الشعرية العربية لم يستطع أن يجرِّد شعره من المفردات الصحراوية، التي غدت مفردات شعرية بامتياز.
وكما كان شأن الصحراء في كتاب «وحي الصحراء» مراوغاً ومخاتلاً، فإن الأمر نفسه يتكرَّر مع ديوان «أغاريد الصحراء» لطاهر زمخشري، فلا يعدو العنوان أن يكون إلا بدعة رومنسية ملكت على الشعراء أنفسهم، حيث عوالم التوحُّد والتفرُّد في الصحراء، أما ديوان زمخشري - وقد خلا من أي أثر للصحراء - فكأنه مقرون بالمفاجأة التي تُحدثها قصائده الرومنسية الحالمة في ذهن قارئه، وكذلك الشأن في ديوان «شميم العرار» لغادة الصحراء الذي لا يمت إلى عرار نجد ولا صحرائها بصلة، وإن كان أدنى رحماً بما كان عليه الشعر العربي في المهجر، وفي لبنان خاصة. لكنها الصحراء القارة المجهولة، التي استنامت إلى الهدوء والسكينة قروناً متتابعة، ثم ما لبثت أن عادت إلى الذاكرة مجدداً وهي تحمل في أدب أبنائها وشعرهم أدباً جديداً وروحاً صاخباً، فكان لابد أن يبعث في نفوس القارئ العربي أضرباً من الدَّهَش، وفي نفوس أبنائها من الأدباء والمثقفين شيئاً من الفرح والدلال.
حضرت الصحراء جغرافية ومكاناً، وغابت ثقافة وتأثيراً، وكأنَّ تلك العلاقة الضدِّيَّة بين حضورها وغيابها هي السمة الدالة على واقع تلك المرحلة، بل ما قبلها، حيث كانت الإرهاصات الأولى لميلاد الدولة في نجد في القرن الثاني عشر الهجري خلاصة الشعور بالحد من حالة التصحر واقتصاد الندرة والكفاف، التي ستترك أثرها واضحاً في حياة الناس ومعاشتهم، وستفتح الباب مشرعاً أمام الهجمات البدوية التي ستقوِّض كل ما يدعو إلى الاستقرار، ويهدم ما اعتادته الأسر المدينية المتحضرة في قلب نجد من ضروب الزراعة والتجارة، فكان مولد «الدولة» إيذاناً بإنهاء العلاقة مع واقع «الصحراء» وما تفرضه من ضرورات اقتصادية، وقيم اجتماعية، وما ينتحله أبناؤها في معاشهم، وتقويض الأُسس التي نهض عليها المجتمع الصحراوي، وكان التحالف التاريخي بين الأمير والشيخ فرصة لتوسيع مجال الثقافة الفصيحة «ثقافة المدن»، وتقليص مجال الثقافة العامية «ثقافة البادية»، و«تديين» المجتمع في نجد وما جاورها، وما يقترن بذلك من الخضوع للأمير وحرسه، وللشيخ ووعَّاظه الجائلين في القرى والهجر والبراري، فكان توطين البادية مشروعاً أساسياً في بناء الدولة السعودية في أدوارها الثلاثة، مع ما تحمله ذلك من ممارسات رمزية ليس أقلها الخضوع للإمام، وبيع البدو لجمالهم، في إشارة دالة على بتر العلائق مع حالة البداوة واللادولة.
وكان قيام حركة الأخوان عام 1330ه/1912م ودحرُها عام 1347ه/1929م إيذاناً بإعلان الدولة - في تلك المدة - عن تقاطع مشروعها مع مشروع الأخوان، وإنهاء آخر صيحة من صيحات الصحراء وقيمها في الفروسية، واقتصادها القائم على الغزو، ودخول الجزء الأعظم من الجزيرة العربية في مفهوم «الدولة»، هذا المفهوم الذي لم يكن واضحاً في معظم أجزائها السابقة، وإن كانت معالمه الحديثة قد تألفت في الحجاز، سواء في العهد العثماني، أو في عهد الشريف حسين بن علي، وهذا ما جعل الملك عبدالعزيز، لحظة دخوله الحجاز، يبقي على الجانب الأعظم من مؤسسات الدولة ودواوين الإدارة والحكم المحلي في مدن الحجاز، الذي عرف، قبل ذلك، الصور الأولى للمجالس النيابية، والطباعة، والصحافة، والنشر، وتكوَّنت فيه، جرَّاء ذلك، ثقافة «مدينيَّة» نهض أبناؤها في تكوين المعالم الأولى لمؤسسات الدولة - ساعة دخول الملك عبدالعزيز الحجاز - في الحكم المحلي، والتعليم، والصحافة، والنشر، وتأثَّل حضور الثقافة المدينية ورموزها فيما جدَّ على البلاد من أمر البعثات الجامعية، وتأسيس مدرسة تحضير البعثات، وانتماء البلاد، اقتصادياً، إلى الاقتصاد العالمي بعد اكتشاف كميات وفيرة من النفط، وشق الصحراء العربية طولاً وعرضاً، لمد أنابيب النفط، فخفّ نفر من أبناء البوادي والقرى للعمل في حقول النفط، عُمَّالاً، وقد كانوا، قبل ذلك، مشدودين إلى ما تميله عليهم قراهم وبواديهم من قيم لا يزيدها الزمان إلا شدة وتماسكاً.
كانت الأسئلة التي نزعت الإصدارات الأدبية الأولى في المملكة إلى إثارتها هي أسئلة المدينة الحديثة. هذا ما كان عليه «أدب الحجاز» - 1344ه/1925م - لمحمد سرور الصبان، فاتحة الإصدارات الأدبية، و«المعرض» - 1345ه/1926م -، لمحمد سرور الصبان، و«خواطر مصرَّحة» - 1345ه/1926م -، لمحمد حسن عواد، ورواية «التوأمان» لعبدالقدوس الأنصاري - 1349ه/1930م - أولى الروايات في المملكة، فجماع تلك الإصدارات وفاؤها لمعاني المدن الحديثة، ورؤية أبنائها لقيمها في النهضة والتنمية والحرية، أما صحافة تلك المدة فيكفيك منها ولعها بتعميق معنى الاستقلال عن هيمنة «الدولة»، وقيامها على مفهومات بالغة الحداثة - آنذاك - لعل من أظهرها ما قدَّمه منشئو صحيفة «صوت الحجاز» - 1350ه/1931م - من التزام صحيفتهم بقضايا «الشعب»، وهو الالتزام الذي كان قد بدا في صحيفة «بريد الحجاز» التي قرَّرت انفصالها عن وصاية الدولة، والتي يمكن عدّها الرحم الذي تمخَّضت عنه النخب الثقافية الحديثة في أخريات عهد الملك علي بن الحسين.
كانت «المدينة» فيما تناهى إلينا من أدب تلك المدة وصحافتها حاضرة، وكانت النخب المدينية الحجازية تنزع إلى بث روح المدينة فيما ترمي إليه من قيم، ولا أدل على ذلك من نهوض أدباء ذلك العهد بالكتابة في قضايا وطنية ملحة، كالكساد الاقتصادي، والتعليم، وقضايا المرأة، وسنّ القوانين والأنظمة، وتنمية البادية وتوطين أبنائها، وشق طرق المواصلات بين المدن والأقاليم، حتى أنه ليصدق ما قرَّره منصور الحازمي من أنَّ الصحراء والقرية قد اختفيا «في كتابات أدبائنا بين الحربين على نحو عام، وإن ظهرت أحياناً في الصور البدوية والألفاظ الوعرة، غير المتكلفة، عند السرحان وابن بليهد وابن عثيمين. أما «وحي الصحراء» الحقيقي فينبغي أن يلتمس، خلال تلك الفترة، لا في الأدب الحضري الفصيح، بل في الأدب البدوي العامي». (سالف الأوان، ص 371) وكان روح المدينة ورموزها أول ما استرعى نظر ثُلَّةٌ من المثقفين النجديين، وقد خفّوا للاختلاف إلى المعاهد والمدارس في مكة المكرمة - في تلك الأثناء - ولم يكن حمد الجاسر، الذي كان يوقِّع بعضاً من قصائده ومقالاته في صحافة الحجاز تحت اسم «بدوي نجد الجاسر» إلا حلقة من حلقات الوعي المديني الذي شُرِّبه في الحجاز، ولم يعتَّم بعد حين أن غدا داعية التحديث في قلب نجد، وجعل تحديث البادية وكسر عزلتها مقصداً من مقاصد صحيفته «اليمامة» فاتحة الصحف والمجلات في نجد، لذلك العهد.