د. معجب الزهراني
هذه خواطر نجرانية كتبتها من قبل، وأنشرها الآن بهذا العنوان لسبب سيتضح في آخر فقرة منها. تلك الفقرة التي آمل أن تكون مبتدأ لعمل ثقافي لا ينقطع خبره ولا يأتي مفرداً أبداً.
(1)
بعض المدن والمواضع تزورك مرات كثيرة قبل أن تزورها ونجران واحدة منها.المرويات التراثية عن هذه المدينة - المنطقة تملأ حيزاً واسعاً من ذاكرتنا الثقافية المشتركة. وحضورها في الذاكرة الإنسانية يرشحها محّجاً لكثيرين غيرنا. أخبار وحكايات تُغني الذهن العارف وتُغنّي في مخيلة كل ذي خيال حي.من يسافر إلى نجران الواقع بذاكرة قصيرة وذهن فقير وخيال عاطل فقد ظل الطريق لن يراها. وقد لا يحبها وهي لن تحبه أبداً. حدث شيء من هذا لصاحب «نجران تحت الصفر». كلما تذكرتها أيقنت أن كاتبها لم يعرف عن نجران غير حجاب الاسم، ولم ير فيها سوى غبار الحياة، ولم يقل عنها أو ينقل سوى زبد الكلام!. أين هو من «سيّد الماحي» الذي رسمها بالكلمات والألوان؟!. نجران الحقيقة هي واحة حضارة، ودونما حمل القول على مجاز الدلالة. وهي كذلك واحة طبيعية من أخصب وأجمل واحات بلاد العرب. هكذا تلقي الواحة المزدوجة على الاسم كل ظلال الثقافة التي ما إن تتراكم حتى تؤول إلى «حضارة». يخطئ من يظن أن نجران محطة قوافل. إنها مركز تواصل وتبادل وتفاؤل لم يكن لأحد غنى عنها. أما حينما تختصم الامبراطوريات عليها ويهلك بعضها الآخر فإنها تظل كما هي عليه تستغني عن كل أحد وتواصل العمل والحياة كما يليق بها الذين صنعوا التاريخ والذين حاولوا هدمه مروا من هناك، أما نجران فظلت مكانها تشهد للبعض وتشهد على آخرين. كان لابد من السفر إليها وإن طال الترحل إلى غيرها. لم يكن لمثلي أن يزورها سائحاً عابراً فيما هي تقيم فيّ منذ زمن. رفضت، أكثر من مرة زيارتها هكذا. فنجران التي أحب هي من بيوت الذاكرة ومنازل الروح فكيف أزورها لالتقاط بعض الصور؟!
(2)
أعترف أن الصدف السعيدة كثيراً ما تقف إلى جانبي. هي التي أخذتني، فجأة، إلى نجران. ومتى؟!.. في العشر الآواخر من رمضان المبارك. المفارقة أن بداية الحكاية كانت ورطة حقيقية. فأنا المشرف على المادة الثقافية بموسوعة المملكة التي تعدها مكتبة الملك عبدالعزيز، ونأمل أن تكون عملاً ثقافياً - حضارياً مشرفاً لكل من عمل فيه. الزميل الفنان المرهف د. عوض اليامي اعتذر عن عدم التمكن من إنجاز المادة الثقافية الخاصة بمجلة نجران. الوقت المتبقي لتسليم المادة حوالي الشهر. ما العمل إذن والواجب يتطلب الإنجاز فحسب؟. قررت أن المخرج الوحيد من ورطة كهذه هو مجابهتها. إقترحت على الزملاء في اللجنة التنفيذية أن أتحمل المسؤولية بنفسي، وسريعاً ما اتفقنا.
هكذا تحولت الورطة إلى فاتحة لتحقيق حلم قديم مجدد. «كم هو جميل وممتع العمل أن يكون أداءً لواجب عام وتحقيقاً لهوى خاص». هذا ما قلته لنفسي وأنا في الطريق إلى نجران، مساء الواحد والعشرين من شهر كريم. كنت أعرف جيداً أن البرنامج مثقل بتفاصيل صغيرة لن يتم الواجب الكبير إلا بها. كان يلزمني أن أجمع ما أمكن من المعلومات عن البنى والأنشطة الثقافية، أن أحاور بعض المسؤولين عن الشأن الثقافي العام، أن أقابل بعض أدباء المنطقة ومثقفيها، أن أزور بعض رموز المجتمع وممثلي ثقافته التقليدية العريقة.. الخ. رفيق الرحلة، الأستاذ راشد السدران، كان نعم الرفيق في السفر ونعم الصديق في المقام. أما من قابلت من المسؤولين ومن المعنيين بالثقافة والعمران والإنسان هناك فكانوا تجسيداً حميمياً نبيلاً لشعار «نجران» الشعري:
يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا
نحن الضيوف وأنت رب المنزل
(3)
بين واجب وآخر كنت أعود إلى مقامات المتعة التي لا تبخل بها رحلة كهذه. اطلالة سريعة على «سد نجران» الشهير. إطلالة متأنية على القرى و«الدروب» والمزارع والسوق القديم في قلب نجران. قراءات في وجوه البشر إذ تعبر بصمتها المتعب أو الوقور عما لا يقال ويكتب. أما المواقع الأثرية فتركتها للزمن الحر المتسع. كان لابد من الوقوف بها متأملاً، متذكراً، حالماً، محاوراً، منصتاً، مستمتعاً بكل هذه المقامات. فمواقع كهذه أكثر إثارة لشجون الحديث من الأطلال لأنها ليست أطلالاً بذلك المعنى الشعري الذي كرسته القصيدة الجاهلية العظيمة في أذهاننا. إنها آثار. والأثر علامة تبرز في الفضاء وتتحدى الزمن، لأنها جزء من نص يغريك بقراءات حوارية لا تحد.
(4)
مدينة الأخدود - رقمت أو رقمات - هي الأثر الأشهر والأغنى. سمعنا وقرأنا الكثير من أخبارها وحكاياتها. مرة في القرآن الكريم ومرات في أسفار التواريخ والتفاسير والبلدان والأنساب والآداب. إنها مدينة من «أمهات القرى»، والتجوال بين معلم هذا الخراب الجميل لا يمل. بقايا الصروح والنقوش تبوح ولا تفصح. كأنها مثلي لا تزال تنتظر المزيد من فرص التعبير المنطلق. إنها تؤكد لنا أن ما لا نعرفه أكثر وأهم مما عرفناه، وكذلك ما لا تقوله المكتبة.
في هذا المقام لابد أن يترجم المكان ذاته واحدة من أبلغ وأجمل دلالات اسم نجران: الشعور بالعطش حتى بعد شرب الكثير من الماء!. لن يداوي بعض هذا العطش المعرفي إلا تحقق المشروع المنتظر. مرافقي ودليلي، مدير المتحف الشاب، قال أن البحث الجدي في الموقع سيبدأ قريباً، وبإشراف خبير آثار وعاشق معرفة مثل أستاذنا عبدالرحمن الأنصاري.
كم نتمنى يا أبا محمد أن يستعيد هذا الأثر كامل حيويته قريباً، وبعيداً عن أي حكاية مختزلة. فهذا الأثر نص مفتوح ولابد على أكثر من ذاكرة وأكثر من لغة، وأكثر من ثقافة، لأنه أثر حضاري. ما أقسى المخاوف الجاهلة على هذا الأثر!.
(5)
في براري «حمى» هناك ثلاثة معالم تشد الانتباه وتغري كل زائر بما يشتهي ويتيسر له من الحديث. أولها هذه الآبار الغنية بماء الحياة القريب جداً من سطح الأرض. إنها مجاز واقعي تماماً لكرم الأرض والإنسان في هذا المكان بين الصحراء والواحة. بامكانك أن تراه وتتمرأى فيه وترتوي منه بجهد قليل وجدل قصير!.
على رؤوس الجبال البركانية القريبة تتناثر أبنية دائرية كان لابد من الصعود إلى بعضها. قيل لنا إنها لهداية القوافل بالليل، حيث تكون النار علامة أكيدة على تحقق وعود وأحلام كثيرة. وقيل إنها مواقع متقدمة لحراسة الواحة الجميلة. ويمكن أن يقال أنها بقايا أفران لصهر المعادن أو لتقطير الزيوت من جذوع الأشجار وجذورها. كل هذا لا يهم الآن. إنها هي أيضاً أثر لا يزال ينتظر المزيد من الجهود لكشف أسراره.
المعلم الثالث هو الأجمل والأهم. أعني هذه النقوش والرسوم والكتابات المنتشرة على سفوح الجبال. ما أعظم الحضارة حينما تحول الجبل كله إلى مكتبة مفتوحة وإلى محترف تشكيلي واسع وإلى متحف ثقافي في الهواء الطلق!. النص المكتوب بلغة معروفة قرئ وترجم ليحاورنا بأكثر من لسان. أما النقوش والصور فكانت وستظل أثراً جمالياً يوحي ولا يبوح. كل لوحة تحكي، رمزاً، قصة الحضارة قبل أن ينشأ تاريخ يحاول تدوينها وتفسيرها. إنسان هذا المكان عرف جيداً كيف يؤنس ذاته ويستأنس حيواناته الأليفة. الدليل الأوكد ليس أدوات الصيد والحرب المتقنة الصنع. انه هذه الآلات الموسيقية التي يكاد صداها يلين قساوة الحجر ويغري الطبيعة بالرقص. عشق الحياة في الحياة هو قمة معنى الحضارة. وها هو المعنى ذاته يشع من سفوح هذه الجبال ليغمر كل ما حوله.
ما أشبه «حمى نجران» بـ «جُبة حائل». أيهما كان بداية الطريق إلى الآخر؟. لا أدري، ولا أريد المزيد حتى لا ينطفىء العطش الجميل النبيل. أين أنتم أيها المبدعون والمكان كله فضاء للشعر ولغته القص والرسم والتلوين؟!.
هذه خواطر لا تعبر عن كل ما في البال والخيال. أردت نشرها كما دونتها خلال تلك الرحلة التي حققت لي بعض أجمل أحلامي. وأهديها إلى مقام وزير الثقافة المثقف متسائلاً:
هل تصدق يا أبا مازن أن واحة الحضارة هذه بلا ناد أدبي أو جمعية رسمية للثقافة والفنون؟!
إنها حقيقة غريبة عجيبة مرة لم استطع تفهم شيء من معانيها لأنها غير حضارية أبداً. لو زرتَ نجران لعلمتَ مثلي أنها تستحق أكثر من هذه، وأنها لن ترد على الجميل إلا بما هو أجمل منه. هذه هي طبيعة الأرض والسكان.. ومنذ بداية الحضارة، وليس فقط منذ بداية المعلوم من تاريخها وتاريخنا. لماذا لا تزورون نجران أيها المبدعون؟!!