بحث



الخميس 22 محرم 1426هـ - 3 مارس 2005م - العدد 13401

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


سجادة أمي!!!

قصة - إبراهيم النملة
    (.. في البدء..

لم اجد في رأسي شعرة شيب واحدة!!!...

نظرت الى من حولي وقارنت بين وجهي ووجوه من اعتلاهم الزمن بماضيه الطويل ووجدت وجهي يشبههم!!!!.

خمسة وثلاثون عاماً رمتني بين الوجوه وكأني اوشك الى ارذل العمر، اجد في نفسي بقايا من طفولتي حينما يمضي بي الوقت نحو محبيه...

ولكنه القدر!!!...

كالموت لا يفرق بين تجاعيد الجلد ونظارته..

ولا يرسم لكفنه لوحة ثابتة..

يأتي برحمة من الله.. ويرحل برحمة من الله!!!.

ومن هنا.. تجمعت السنين الماضية في ايام معدودة، لتجعل من تلك الايام سيرة طويلة، لن تنتهي بكلمات او دموع او آهات تنتهي لتبدأ.. ولا تبدأ لتنتهي!!!...).

- 2 -

استقليت سيارتي حاملاً كما من السنين التي عاشرتها واتجهت الى أرض فضاء بعيدة عن صخب الضوضاء والسن البشر، تلك الأرض التي اعرف تفاصيل نتواءتها وتعاريج طرقها ولا اتذكر متى وطئتها!!!..

اوقفت سيارتي بعيداً عن ممر السيارات ونزلت منها ببطء شديد وكأني احمل فوق جسدي اجساداً كثيرة، خطوت خطواتي نحو تل مرتفع قليلاً عن مستوى الأرض، لم تنتظر عيوني كثيراً فقبل ان اركن جسدي على ذلك التل، ذرفت دموعي كمحارب جريح تركه زملاؤه المحاربون اسيراً لجراحه النازفة على تراب المعركة حينما ايقنوا قوة عدوهم ودونهم من الهزيمة!!!.

لعبت يدي بخصلات شعر ذقني بينما كان عقلي يجتر من تفاصيل الماضي والحاضر دموعاً اعرف جيداً طعمها في عيني، تركت كل شيء خلفي واستكنت الى دموعي التي تحشرجت امام وجوه من اعرفهم جيداً!!!.

همست لنفسي حينما ترطبت من دموعي الخارجة:-

= لقد كان قاسياً، لم يرحم حاجتي، ولم يعطف على سنين كانت لي مع ابيه، تقبلت من كل شيء..

ابتسامته التي لم يكن لها شهادة ميلاد رماها على وجهي حينما شكيت له حالاً قد كان..

كلماته تنز من فمه لم يزن معانيها جيداً ولم يقس وقعها على نفسي..

غضبه الدائم الذي يقذفه في وجهي عن كل صغيرة وكبيرة..

كل شيء تقبلته منه.. ورغماً عني!!!...

فوجه امي ووجه ابنتي نورة التي لم تصل بعد اعتاب الخمسة اعوام اجدهما امامي قبل ان يبدر مني اي شيء نحوه!!!..

اسكن الى هدوئي، لعلي افوز بآخر الشهر بما يستر جسد أمي وابنتي..

لم اطلب منه مالاً، ولا مركزاً، فقط بضعة ايام اسحب بها حزن ابنتي واركمه فوق حزني لتشع ابتسامتها على وجهها..

لم تسعفني تلك الايام التي قدمت منها لتدارك وضعي وتخفيف حزني، فطلبت منه ان يزيد من ايامي اياماً لعلي في نفسي شيء وتستره تلك الايام، قابلته ماداً له بورقة تمديد الاجازة، وقلت له حينما ثار على وجهي، ونشف بثورته دموع عيني من لهيب نار كلماته.. قلت له:-

= انني عائد للتو من احزان عميقة، فرأفت بي، فلحزني الذي كبلني طيلة الايام الماضية بقية لا اريد ان يراها غيري!!!..

في البدء كانت ابتسامته التي لا تحمل شهادة ميلاد وبعدها قال كلمات كثيرة ومع توارد كلماته لمسمعي بصمت مطبق مني، اشتعل بتسارع غريب غضباً بدون سبب!!!..

كان يعرف كل شيء عني، وعندما اصبحت امامه ادرك زوراً انه لا يعرف عني شيئاً!!!..

لم اشأ ان احكي له عن كل شيء، فحكايتي هي نفسها التي طلبت تمديد اجازتي من اجلها!!..

خرجت من مكتبه، لم اكن قادراً على استقبال حزن جديد، تركته يلوك كلماته الجارحة ويقذفها على طاولته، وتركت ورقتي على سطح مكتبه وخرجت، فحروف تلك الورقة بعد كل هذا لم تكن هي الاحرف التي وردت بخاطري بعد كلماته، خرجت من المبنى وصدى كلماته لا تزال تئن في مسمعي، ترحمت على ابيه وذكرته بكل خير وصددت لساني عنه حتى لا اجرح رحمتي على ابيه.

قبل شهر او اكثر بقليل، كان امره بأن اسافر الى مدينة جدة، اتفقد العمل في الأرض التي ستصبح فرعاً لشركته في المنطقة الغربية، سافرت وتركت خلفي زوجتي في دار أبي!!!..

كانت حاملاً في الشهر التاسع - حينما قلت له ذلك قال بكل استهزاء:-

= وهل ستولدها انت.. ام ستقف على رأسها تتحمل اوجاعها؟!!!...

حينها حملت جسدي وغادرت مكتبه - كان امره لا يقبل التأجيل او النقاش، عزمت من امري وتوكلت على الله وفي نفسي الم يتمدد في كل انحاء ولا اعرف كينونته.

زوجتي قالت كل شيء، نثرت عتابها على مسمعي، لا متني كثيراً على سفري، وانا لم اقل لها شيئاً، فالقول هنا هو مجرد كلمات لا تهز من امر الفعل شيئا، توسلت لقوتي ان تلطف بمدمعي حتى لا يشوه قدرتي كرجل امامها، وحينما ايقنت ان حديثها لن يغير شيئا وسكتت، قلت لها لن اغيب.. مجرد ايام قليلة وسأكون بأذن الله هنا.

اعلم جيداً انها لن تصدق احرفي واعلم جيداً ايضاً انني بقدرة الله سأكون في مدينة جدة بعد ساعات، لملمت بعض ملابسي ودسستها مع احزان كثيرة كانت في القلب وسافرت.

كانت هي خمسة ايام، كتبت فيها كل ما يريد، عشتها وكأني في منفى، تحملت كل شيء وفاءً بأبيه - الله يرحمه - وانتهت الخمسة ايام ويوم سفري للرياض كان ذلك الاتصال.

- 3 -

قالوا لي حينما عدت الى الرياض..

«اشتدت تقلصات الولادة لدى زوجتك، واركبها ابيك في المقعد الخلفي وامر السائق ان يتوجه بهما الى المستشفى، كان انينها يربك اعصاب السائق الذي سار بسرعة كبيرة وحينما اوقفتهم الاشارة الحمراء كان صراخها يزيد، وحينما تحولت الاشارة الى الخضراء انطلق بهما السائق بسرعة خلفت ورائها صرير عجلات السيارة ولم ينتبه لوجود سيارة أخرى اراد سائقها ان يتخطى الانتظار واصطدم بهم، لفت بهم السيارة عدة لفات من جراء سرعة السيارة الأخرى، فسقطت زوجتك على أرضية السيارة بعدما دار جسدها بكل انحاء المرتبة الخلفية لتفارق الحياة في لحظتها، ودخل ابيك في غيبوبة تامة».

ماتت زوجتي وبعدها بساعات مات أبي..

صدمة كبرى تلك الساعات التي اعيشها، فحينما جاء الاتصال لم يقل لي احداً عن حالة زوجتي، قالوا ان ابي يشعر بشيء من التعب فقط، وعندما وصلت مدينة الرياض كان خبر وفاة زوجتي ليعقبه بعد ساعات قليلة خبر وفاة أبي.

رجعت الى الدار ورأسي من ثقل الهم والحزن يكاد ان يلتصق بصدري، سليت من جيبي مفتاح الدار وادرت رتاج الباب ودخلت.. استقبلتني ابنتي الصغيرة نورة، ارتمت في صدري حينما انحنيت لها وهي مقبلة بفرح وصولي، ضممتها بقوة، شممت بها رائحة زوجتي قبلت رأسها وغسلته بدموعي امام نظرات امي التي سمعت صوت فتح الباب وجاءت مدثرة بطرحتها السوداء، استويت قائماً واتجهت اليها وقبلت رأسها ورشفت كفها بدمعة لم تخرج الا على يدها الناتئة العروق.

في كل ساعة اعود بها الى الدار تسألني نورة عن امها!!!

«بابا.. لماذا جدي محمد اخذ امي ولم يعد بها.. واين جدي محمد؟!!!»

اقبلها واصمت لتناديها امي:-

= نورة تعالي يابنيتي لاعطيك حلوى»

تركض اليها ابنتي واركض انا في مساحات قلبي اطرد وجه ابي ووجه زوجتي..

وتجلس نورة بجانب امي وتصر ألا تفتح لها قطعة الحلاوية سوى امها!!!..

امي تغرق الليل بصلاتها ودعائها، ونورة تنام بعدما تملؤ عينيها بالدموع وانا ابكي من كل شيء..

اخرج من غرفتي بعدما اتأكد من نوم نورة وادثرها بلحافها جيداً الى غرفة امي واجدها ساجدة على سجادتها

اجلس بجانبها واسمع تضرعها الى الله، ارفع يدي وامسد بها على عيني حتى اسبق دمعتي قبل ان تفيض!!!..

ويمضي الليل بين صلاة امي وتعمقي بنظراتي لوجهها داعياً الله ان لا يحرمني منها...

بعد صلاة الفجر، اعد لامي قهوتها الصباحية، املأ فنجالها وامده لها، لترتشف منها رشفة واحدة وتمد يدها لتأخذ تمرة من وعاء التمر وتردف بها الى فمها لتمتص حبة التمر دون ان تقوى على مضغها لتساقط اغلب اسنانها وخاصة الامامية، واقول لها:-

= امي.. لقد تعبت من سؤال نورة عن امها، هل اقول لها الحقيقة.. هل اقول لها ان امك ماتت

= لا يابني.. البنت صغيرة ولا تفهم هذه الامور، اصبر عليها قليلاً وستعرف هي كل شيء..

= ولكن يا امي امس قالت لي «ماما تكرهني، لقد اخذت أخي محمد وتركتني، قل لها ان تعود ولن اضايقها في شيء، سأجلس هادئة، وسأتناول طعامي كما تريد...».

= والله يابني لا اعرف ماذا اقول لك، فهي دائماً تبكي عندي اذا ذهبت لعملك وتلح ان اتصل عليك لتعود بأمها احاول ان اسليها ولا تتذكر امها ولكن تعود بعد فينة قليلة من الوقت وتبكي على صدري...

= سأحاول ان اخذ اجازة من عملي واجلس معها وازور انا واياها صديقي عبدالله لتلعب مع صغاره.. ما بيد حيلة.

- 4 -

عملي قطعة من نار، اذهب كل صباح اليه مرغماً، اجلس خلف مكتبي وانظر الى عقارب الساعة واصرخ بها في داخلي ان تتحرك بسرعة لاعود الى داري، في هذه الاثناء جاء زميلي عبدالله وقصصت عليه معاناتي مع ابنتي ليقطع قصتي مع ابنتي صوت رنين الهاتف وكانت المتحدثة هي نورة التي كانت هلعة وخائفة يرتجف صوتها وقالت لي باكية:-

= بابا.. امي نورة تعبانه.. تعال بسرعة...

رميت سماعة الهاتف وخرجت من المكتب بسرعة تاركاً نداءات زميلي عبدالله خلف ظهري..

لا اعرف اي الطرق سلكت، ففكري كان قابعاً في اجواء سيارتي، تذكرت وجه ابي ووجه زوجتي والمقبرة، تذكرت كل شيء وخفت من كل شيء.

كانت امي ممددة على فراشها بجانب سجادتها وكانت ابنتي نورة تضع على رأسها منشفة صغيرة مبللة، اتجهت الى امي مسرعاً وقذفت سؤالي على ابنتي..

= اهي محمومة..

نظرت الى نورة بعيون حائرة وقالت:-

= لا اعلم ولكن افعل لها ما تفعله امي لي حينما اتعب!!!!..

من قوة الالم لم تستطع امي ان تعبر عن شكواها، شعرت ان نفسها يكاد ان يختنق، لم اتوان، اسندتها على جسدي واخرجتها بثقل شديد الى سيارتي لاودع جسدها في المرتبة الخلفية وتركب صغيرتي في المرتبة الامامية بجانبي وانطلقنا الى المستشفى..

في المستشفى الحكومية القريبة من الدار تعامل الطبيب المصري سمير مع امي بشيء من اللامبالاة، اجرى عليها الكشف وكأنه مرغم، كنت ابتسم له حتى ينقذ امي من المها، طلب من الممرضة الهندية على ما اعتقد ان تعمل لها تخطيطاً للقلب وخرج دون ان يرى لهفة دمعتي على امي!!!!..

في المساء وقبل ان تغيب شمس ذلك اليوم قال لي الطبيب سمير:-

= والدتك تحتاج الى عملية في القلب حالاً، ولكن لا نستطيع حالياً ان نعمل لها العملية هنا..

= لماذا يا دكتور..

= هي بحاجة ماسة الآن للعملية وامكانيات المستشفى لا تسمح بذلك قبل ستة اشهر..

صمت لبرهة ثم اكمل:-

= نصيحة مني - قالها بكل برود وكأن تلك الكلمة مدرجة في تحية صباحية عابرة - ان تذهب بها الى مستشفى اهلية، فحالة والدتك لا تقبل الانتظار!!!..

لحظتها لا اعلم لماذا جاء في تفكيري واتى معه كلماته الجارحة..

خرجت من عند الطبيب، اتجهت الى امي، وجدتها تغط في سبات هاديء، ومن حولها تلتصق الاجهزة على حافة سريرها، قناع الاكسجين يكاد ان يخفي وجهها المتجعد، قرأت عليها آية الكرسي وخرجت من المستشفى لا اعلم الى اين سيستقر مكاني، ذهبت الى عملي، اتكأت على رؤية وجه امي الذي ينقبض من الم قلبها، وحينما دخلت عليه كان مكانه فارغاً، قالوا لي لقد سافر، ولا نعلم متى يعود!!!..

- 5 -

عدت الى الطرقات، لا شيء يضفي فيني الامل، انحرفت في طريقي الى بيت اهل زوجتي لاخذ معي نورة فالدار اصبحت موحشة حد القلق!!!..

نامت في حضني نورة بعدما اكلت شطيرة محشورة بالجبن ومربى التوت ودفعت خلفها كأساً من عصير التفاح المعلب، انظر الى هدوء ملامحها والى سؤالها الذي تحول من البحث عن امها الى امها التي تنام الآن في المستشفى بجانب نساء كثيرات يقتربن من عمرها.

اخذت الليل حتى افاقة الفجر وانا اتقلب يميناً وشمالاً، وحينما تسرب النور من شرفة غرفة نومي ربت على كتف نورة لتصحو بعدما اعددت لها افطارها واتجهنا مباشرة الى المستشفى الحكومية، امي لم تفق بعد من نومها، سألت الممرضة عن حالها فهزت كتفيها واعبس وجهها وتركت سؤالي يسقط على الأرض، ران على قلبي القلق وانتظر ساعتين حتى أتى الطبيب سمير الذي احتاج الى ساعة أخرى حتى يكشف على أمي، كنت بجانبه، امزج نظراتي بنبض قلبها، وكما كانت ملامح الممرضة كانت ملامح الطبيب سمير الذي سحب السماعة من بين صدغيه وقال لي:-

= حالتها صعبة.. سأدخلها غرفة العناية المكرزة...

لم ينتظر مني جواباً واشار للمرضات بنقلها، وخرج مسرعاً..

ثلاثة ايام كنت خارج باب العناية المركزة، عشرة دقائق في الصباح اتجرد بها من يد ابنتي نورة وادخل عليها وكذلك كان تجردي في المساء، وفي اليوم الرابع لم اجدها في سريرها الذي كان خالياً ومرتباً وكأن جسد امي لم يكن قد وطئه في تلك الايام الماضي، اتجهت الى مكتب رعاية العناية المركزة وسألت عنها بقلق ممزوج بالدموع، كان الممرض ينظر الى بنظرة غريبة ومن ثم قال اسأل الطبيب عنها، قالها وكأنه يبصق شيئا قد مراً في فمه.

ركضت الى مكتب الطبيب سمير بعدما امسكت بيد نورة وجررتها خلفي كريشة في مهب الريح، دخلت على الطبيب وسألته قبل ان اتعدى مدخل باب مكتبه عن امي، قام من مكانه وامسك بيدي اليمنى واجلسني على الكرسي المتشقق اطرافه ووقف فوقي، يدي لا تزال تعيش حرارة جسمه في يده، قال لي كلاماً كثيراً وسقطت على الأرض بعدما انسلت يدي من يده وتعلقت اليسرى في يد نورة وماتت امي، ويغيب وجهها وصوتها مع غياب وجه ابي وزوجتي..

لم يبق لي سوى وجه نورة الذي لا يمل لسانها من السؤال عنهم!!!..

تركت نورة عند الخادمة التي استقدمتها لتبقى في رعايتها، واتجهت الى غرفة امي، في عيوني صورتها وفي انفي عبق رائحتها، كان الصمت يلف كل شيء حتى نفسي، توسطت الغرفة، حينها حينما ارتفع صوت اذان صلاة العشاء، سحبت سجادتك ووضعت عليها ثوب الصلاة وناديت امي:-

= اماه.. لقد حان وقت الصلاة.. تعالي للصلاة.. اماه.. اماه..

وحينما لم يجب جوابها لندائي، سقطت أرضاً على سجادتها واحتضنت ثوب صلاتها الازرق وبكيت!!!...).

IBR_NAMILAH@HOTMAIL.COM


عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية