بحث



الخميس 22 محرم 1426هـ - 3 مارس 2005م - العدد 13401

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


الثقافة العربية : بين المركز والأطراف

د.عبدالسلام المسدّي
    يقودنا البحث في الخصوصيات الثقافية بين جناحين جغرافيين من الوطن الواحد إلى البحث في المميزات النوعية المتأتية من اختلاف الموارد الفكرية أو من اختلاف الحيثيات التاريخية الحافة بكل جناح على حدة. فالحديث عن المشرق والمغرب قد يتضمن اختزالا للحقيقة، فهذان المفهومان أكثر صلاحا في الحديث عن ماضي الوطن العربي من الحديث عن حاضره، فوراءهما تثوي سيرة هي من سير المفاهيم في رحلتها عبر تموجات الواقع التاريخي الموّار.

لقد عاش الوطن العربي طيلة النصف الأول من القرن العشرين وهو يخوض معركة التحرر من الظاهرة الاستعمارية التي خلفها القرن التاسع عشر والتي تولدت من انفجار الثورة الصناعية في أوربا، وهو مادفع بدولها إلى أن تبحث عن الثروات الطبيعية المغمورة في بواطن الأرض، ولتضمن الأسواق التي تروج فيها منتجها الصناعي، فخرجت غازية للأقطار، مسترقة للشعوب، وقالت يومها إنها تقوم برسالة تمدينية تحضيرية كي تخرج بكل تلك البلدان من تخلفها التاريخي وترقى بها إلى المنزلة الحضارية السامية. في تلك الحقبة كان المشهد العربي قائما على معادلة جغرافية كبرى: المشرق والمغرب، وكان المشرق لوحة شاسعة إذا أردت رسم ملامحها التفصيلية قلت مصر والشام والعراق والجزيرة العربية.

على مدى سنوات تلك الحقبة التاريخية وبمجرد بروز ظواهر التحرير انبثق المد القومي ليعيد التوازن التاريخي الذي خربه الاستعمار، وبين نضال سياسي قائم واستشراف تاريخي حالم برزت نظريات بعضها تعلق بأوتاد السياسة وبعضها الآخر تعلقت به أنظمة السياسة، كان أن تألقت الصور التي تختزل الواقع العربي: هي أمة واحدة من المحيط إلى الخليج لها جسد حي تمتد ذراعاه كالطائر المحلق ذي الجناحين وهي مركز تتبعه الأطراف.

ثم هي وطن ذو أقطار، وفي كل قطر دولة، وبين تلك الأقطار والدول قطر مركزي فيه دولة مركزية على صرحها تشيد أسوار الوحدة العربية. وما أن حل الربع الأخير من القرن العشرين حتى تغير المشهد فقد برزت قوة إقليمية جديدة تتألف من الدول الخليجية وانطلقت في نهضة عمرانية واقتصادية متسارعة، ثم ما لبثت أن فرضت نفسها على الساحة العربية ككتلة فكرية وثقافية، ولم يعد التوزيع الداخلي لمنطقة المشرق العربي كما عرضناه من قبل.

في تلك الفترة الزمنية نفسها، ولحيثيات مختلفة تماماً، تشكلت بين دول المغرب العربي منظومة متكتلة، ولئن لم تعرف ماعرفته دول الخليج من تكامل وانسجام فإنها شكلت مشهدا ثقافيا على غاية من التميز إذا ماقيس إلى مشاهد المشرق العربي حتى لقد بدأ التاريخ يقرأ من جديد بعدسات جديدة، فمنذ انبثاق الحضارة العربية الإسلامية كان الناس يعتبرون المشرق هو الأصل، وكان المغرب هو الفرع. بدأت القصة بأحداث السياسة حين لجأ الأمويون إلى الأندلس وابتعثوا فيها دولتهم من جديد، فكانوا كاللاجئين من المشرق إلى المغرب ينتظرون ساعة العودة إلى الأوطان، وبدا- على الصعيد الفكري- أن معيار الاحتكام هو النبوغ في الشرق، ولهذا السبب سمي ابن هانئ بمتنبي المغرب.

ويدور الزمن دورته، وإذا بنا- ونحن في خضم العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين- نلمح مشهدا يحكي صدى التاريخ، ولمن يبتغي الغوص في الاستكشاف الثقافي السوسيولوجي فإنه واجد مادة ثرية غزيرة تنصاع إلى قراءة فكرية متعددة الأبعاد: ففي المغرب الأقصى ظهرت نهضة ثقافية تركزت على إصدار مجلات دورية، أسس اتحاد الكتاب مجلة فسماها «آفاق» حاكيا بها صدى «آفاق عربية» وظهرت مجلة اسمها «أقلام» لتحكي صدى مجلة «الأقلام» ثم ظهرت مجلة «علامات» مذكرة بشقيقتها الكبرى «علامات» السعودية.

هكذا تحوّل المشهد العربي، فارتفعت أصوات ثقافية رفيعة المنزلة جليلة القدر- من داخل جمهورية مصر العربية- تصدع بطرح جديد لتقاوم فكرة «المركز والأطراف» وتلح على أن غذاء الأطراف كثيرا ما يأتي بالأنفع والأهم، ثم تحدد تخصيصا أن المنهلين القويين اللذين يؤازران النهضة العربية هما المنهل الخليجي والمنهل المغاربي. وقد تميز بهذا الطرح الجريء الدكتور جابر عصفور في كثير مما كتبه، وهذه الشجاعة الفكرية وغيرها من المواقف أهلته إلى منزلة عربية قومية تتجاوز حدود القطرية المعهودة، وبهذا الصنيع أسبغ على المجلس الأعلى للثقافة في مصر هالة عروبية وعقلانية منقطعة النظير. كتب مرة على صفحات مجلة العربي (ع 455 أكتوبر 1996) مقالا تعرض فيه إلى وضع المناهج النقدية في بيئتنا العربية بعد انفجار موجة التحديث على المستوى الإنساني كافة فقال:

«... النقد الأدبي الذي حقق فيه المغاربة إنجازات متعددة لابد أن يحسدهم عليها المشارقة وأن يسعوا إلى الإفادة منها. والحق أن المركزية النقدية العربية- أو حتى الإبداعية- التي لايزال يتوهمها البعض من المشارقة خصوصا أولئك الذين يتصورون أن القاهرة أو بغداد أو دمشق هي وحدها مركز الثقافة العربية الوحيد قد تداعت إلى حد بعيد، وتهاوت القسمة القديمة التي كانت تقسم عوالم الثقافة العربية إلى مراكز منتجة وأطراف مقلدة ومستهلكة (...) وتحول المشهد الثقافي العربي المعاصر أخيرا إلى مشهد حواري لامكان فيه لمركز يعلو على الأطراف (...) وهاهي أقطار المغرب العربي- خاصة المغرب الأقصى وتونس- تطرح على مستوى التنظير الفلسفي للواقع العربي المتردي وعلى مستوى النقد الأدبي الواعد مايطالعه القراء العرب في كل مكان، وما يتأثر به شباب الدارسين المحدثين في الجامعات المشرقية أكثر من تأثرهم بالكتابات البالية لأساتذتهم الذين أصابهم سبات الكسل العقلي بالترهل والتخلف عن الإيقاف المتصاعد لمتغيرات الواقع المحلي والقومي والعالمي».

وعلى منوال د. جابر عصفور ينسج العلامة د. فؤاد زكريا، فبكل حصافة وموضوعية يحلل بعض أسباب تقلص إشعاع الثقافة في المشرق عازيا ذلك إلى ردود فعل الساسة حين خلطوا بين الغرب الاستعماري والغرب الثقافي فأمسكت بعض البلدان مثل الأردن وسوريا عن إرسال طلبتها إلى الغرب وحولت وجهتهم صوب مصر ثم يتساءل «فماذا كانت النتيجة؟ كانت تدهورا في ثقافة أجيال كاملة في هذه البلاد إذا ما قورنت بأجيال سابقة» ثم يضيف:

«في مقابل هذا لم يحدث مثل هذا الانغلاق في بلاد المغرب العربي، فبالرغم من الجهود المشكورة في ميدان التعريب التي تبذل هناك، مازال في معظم هذه البلاد تفتح على الثقافات الأخرى وخصوصاً الثقافة الفرنسية، أنا شخصيا كنت أستاذا زائراً في عدة جامعات في المشرق وفي المغرب وأسجل بكل صدق وأمانة أني وجدت الطالب في البلاد المغربية- التي دعيت إليها- أوسع ثقافة من البلاد المشرقية، لا لأن الأول فيه شيء فطرى أفضل ولكن فقط لأن مجتمعه مازال متفتحاً ولم يحاول أن يفهم الاستقلال بالمعنى الضيق عندما نقل إلى الميدان الثقافي». (مجلة سطور، القاهرة، ع 18، مايو 1998).

إن الطريف اليوم هو أن هذا الموضوع أصبح يبسط بتواتر عال بين أبناء المشرق العربي أنفسهم. وتتردد بين أهل الذكر تفسيرات لهذه الظاهرة أقربها إلى نفوس بعض المتابعين وأكثرها إغراء هو التفسير القائل إن ثقافة المشرق شديدة الميل إلى العمق الإنساني، ولذلك تراها مصطبغة بالوجدانية، تسودها الرؤية الشاعرة، وتجذبها النوازع الحالمة. وفي مقابل ذلك تنزع الثقافة المغاربية إلى الرؤية النسقية التي قد لاتخلو من الجفاف ولكنها تفضي إلى تناول الظواهر بقدر من العقلانية لايتوفر بنفس أحجامه لدى خلانهم في الجناح الآخر. وهكذا يفسر أصحاب هذا الظن قوة زخم الإبداع في المشرق من شعر ورواية مقابل انحساره عند أهل المغرب من جهة، ويعللون ازدهار البحث الموضوعي في بعض مجالات المعرفة عند أهل المغرب مقابل انحسار بدائله عند رواد المشرق العربي.

لعل التفسير الأصح يكمن في زاوية أخرى تتصل بالمكونات الموضوعية للثقافة المعاصرة. فمعلوم أن الخلفيتين الأساسيتين المتحكمتين في هذه الثقافة هما على المستوى العالمي المرجعية الأنجلوسكسونية والمرجعية الفرنسية، وهما المرجعيتان الحاضرتان في راهن الثقافة العربية بحكم مجريات الوقائع التاريخية. والواقع أن أهل المغرب العربي يحصّلون ثمار الموردين: تحصيلا مباشراً وتحصيلا غير مباشر، فتتنوع لديهم المناهل الثقافية بنفس النسق وبنفس التواتر. بل كثيراً ما كان ذلك المعطى المقارن بين موردي الثقافة حافزاً لأهل الفكر في المغرب العربي على أن يرتقوا بلغتهم الإنجليزية من مرتبة اللغة التكميلية الثانية إلى منزلة الملكة الميسرة لتحصيل المعرفة العالمية. ومن المعلوم أن اللغة الفرنسية تعاني الآن من التبعية بالنسبة إلى اللغة الإنجليزية، ويعتبر الفرنسيون الذين لايخفون عقدة النقص هذه أن لغتهم هذه تظل ذات مرجعية تاريخية متفوقة دوما في مجال المعارف الإنسانية والاجتماعية.

والحاصل من كل ذلك هو أن ذوي المرجعية الفرنسية من أبناء الوطن العربي هم أكثر استيعابا لمخاض الثقافة المعاصرة فهم مستفيدون من جهود الإخوة من أبناء المشرق عندما يقدمون ثمرة تمثلهم للثقافة الأنجلوسكسونية بفرعيها الأوروبي والأمريكي، ومستفيدون من جهود الفرنسيين الذين يبادرون- بسرعة فائقة وتحت وقع عقدة النقص لديهم حيال كل ماهو أمريكي- إلى نقل المعرفة المعاصرة من لغتها الإنجليزية وغير الإنجليزية إلى اللغة الفرنسية. نرى إذن كيف أن المنهل الفرنسي في الثقافة العالمية المعاصرة يستمد مقومه الأساسي من الملاحقة الدؤوب التي يحاول بها الفرنسيون استدراك ما يسابقهم من الثقافات العالمية الأخرى ولاسيما الوافدة من الولايات المتحدة.

وهكذا اتسمت الثقافة الفرنسية بخصوصية التضافر المعرفي، هكذا يحرص الفرنسيون على تدارك مايفوت ثقافتهم بالنهل من الثقافات الأخرى، فالتقى الرافدان على جدول البنية المنهجيية، وتساقت فروع المعرفة خلاصات الفكر النقدي، وكان للمغاربة حظ مبكر في اكتراع هذا النسق المعرفي جاء يعززه حرص المؤسسات التربوية على ألا تكون عملية التعريب التي تبعت الاستقلال السياسي سببا يقطع الصلة الثقافية في معرفة اللغة الفرنسية.

ثم تنغلق حلقة التكامل عودا على بدء في وطننا العربي بين جناحيه فإذا بالصدى العائد- كالتغذية الراجعة- يحول خصوبة الفكر المغاربي عطاءً يزود الفكر العربي بعد أن يكون قد نهل من جداول المشرق في ظمأ لايعرف الارتواء. وذاك هو الحفر في نسيج الباطن الثقافي مما يكشف من الحقائق ماكان متواريا، ويجلو لنا من الأنساق مالم نكن نتوجس وجوده.


عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية