بحث



الخميس 22 محرم 1426هـ - 3 مارس 2005م - العدد 13401

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


الكتابة.. بين الحرية وممارستها!

حنا مينه
    يحاول الكتاب العرب، الذين هم ضمائر شعوبهم، المروق من بين الدوائر الحمر، لقول ما يريدون، وينوّعون في أساليب الكتابة، كي يسهل عليهم المرور من بين هذه الدوائر، إلا أن ذلك صعب، فهذه التنويعات الأسلوبية تتعرض للاحتواء أو القمع، مرغمة الكتّاب والكتابة على الدخول من الباب الخلفي، وحتى لو كانت هناك حرية، فإن هذه الحرية لا تثمر إبداعاً، إذا لم تتوفر لها وسائل ممارستها، وهذه الوسائل مشروطة الآن، أكثر من السابق، بسبب من تسلّع الكتاب تسلعاً كاملاً مع «اقتصاد السوق» بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية سابقاً، وانعدام الدافع لدى الدولة الرأسمالية والكاتب معاً، في اختراق جدار الصوت..

إن الدولة الرأسمالية، في حربها الباردة التي كانت، اندفعت بعد الحرب العالمية الثانية إلى تخفيض حصة رب العمل من القيمة الفائضة، وترك قسم منها للعامل، تفادياً للانفجار، والعمال في البلدان الرأسمالية الذين ترفهوا بارتفاع حصتهم من هذه القيمة، تدنى نضالهم النقابي إلى المستوى الأكثر انخفاضاً، منذ أواخر القرن التاسع عشر، وإلى ثلاثينات القرن العشرين، وما دامت الحرب الباردة قد انتهت، والاتحاد السوفياتي قد انهار، والطبقة العاملة الغربية بلا سند، فإن الدولة الرأسمالية، في ترتيبات النظام العالمي الجديد، الأميركي قيادة، لم تعد بحاجة ماسة كالسابق إلى ترضية عمالها وترفيههم، وهكذا تصبح قوة عملهم المعروضة أبخس ثمناً، وتصبح السلعة، اقتصادية كانت أم ثقافية، أبخس ثمناً أيضاً، ووسائل انتاجها أو ممارستها، نسبة إلى الحرية المتوفرة، أقل انوجاداً، وماذا تنفع الحرية للعامل إذا لم يكن هناك عمل؟ وماذا يفعل الكاتب بحريته إذا كانت سلعته لا تجد من يشتريها؟ إنه الركود، مرة أخرى، يستعلن في كثرة العرض وقلة الطلب، وانه استشراء النهب الرأسمالي للعالم الثالث وبلدانه الفقيرة، وبينها بلدان انحطت بفقرها إلى درجة الجوع، لا في افريقيا وحدها، بل في السودان منها، وهو دولة عربية، وهذا النهب يتم الآن عن طريق عولمة الاقتصاد، لصالح الاقتصاد الأقوى، الأميركي والغربي.

ينتج من هذا ان حرية الكاتب وحدها لا تكفي، فالكاتب صاحب سلعة كتابية، فإذا لم تتوفر وسائل إنتاجها، وتالياً تصريفها، تُنتقص هذه الحرية حتى في حال توفرها، فكيف الحال إذا لم تكن متوفرة أصلاً؟ إننا، من هذه الناحية، أمام أزمة، هي انعكاس لأزمة المركز الرأسمالي المتبوع، على العالم الفقير التابع.. إذن لابد للكاتب، في الغرب الرأسمالي بدرجة أصغر، وفي العالم الثالث بدرجة أكبر، من النضال على جبهتين: جبهة انتزاع الحرية اللازمة للكتابة، وجبهة تسويق هذه الكتابة، بعد أن تسلعت كلياً الان.. وفي وضع مأزوم كهذا، سيجد الكاتب العربي، والفنان العربي، في العقود المقبلة، نفسه في مأزق، يضطر معه إلى مزيد من الاذعان، وكذلك إلى مزيد من النضال، لإرساء دعائم مجتمع مدني، عقلاني، علماني، ديمقراطي، تتاح فيه الحريات، ويستعاد عصر النهضة التنويري، الضروري لنا كعرب، يواجهون انحداراً لابد من العمل لإيقافه، أو تقصير مدته، انتظاراً للصعود، ومعه امتلاك القوة، سلاحاً واقتصاداً وانفراجاً اجتماعياً، على أساس التعددية السياسية، واعتماد الحوار لغة في أرحب مداها، والحرية سبيلاً في أعمق مداليلها.

جامعاتنا لا تزال تدرس، كمادة أدبية، تاجر البندقية لشكسبير، أو كليلة ودمنة لابن المقفع، وكذلك تفعل مدارسنا الثانوية، وأنا أبتسم من اشفاق، على بلد يتجاهل روايات مواطنيه، ويمنع قصة عن حرب تشرين المجيدة، ويزعم ممثلها في لجنة وضع المنهاج الأدبي، ان منع القصة أمر صادر عن القيادة، وهذا كذب وافتراء على القيادة!

قال بابلو نيرودا «اشهد أنني عشت» وأقول معه «اشهد انني عشت» أيضاً، وانني وجدت في هذا العيش الجميل والقبيح، ان الحرية أثمن من الخبز، وان الابداع لا يستوي دون حرية، وان الوطن لا يكون وطناً بغير مبدعيه، فقد صاح جان بول سارتر، في ذروة احتدام القتال إبان الثورة الجزائرية، بين الثائرين الجزائريين والمستعمرين الفرنسيين «عارنا في الجزائر!» وكان شارل ديغول رئيساً للجمهورية الفرنسية، فطالبه المتطرفون الفرنسيون باعتقال سارتر، واجابهم ديغول بحسم «وهل اعتقل فرنسا كلها!؟» ذلك ان سارتر، الكاتب والفيلسوف الفرنسي المبدع، كان فرنسا كلها، بمثل ما هو نجيب محفوظ مصر كلها اليوم، وبمثل ما هم الكتاب المبدعون في الوطن العربي، هم كل الوطن العربي، حاضراً ومستقبلاً.

إن الكلمة هي الفعل، وقد كان هذا الفعل ابداعاً، وسيبقى كذلك، ما بقيت البشرية، لأنه هو، الإبداع، مفتاح الارتقاء وسره، أي مغارته الموصودة، التي لا تفتح إلا لمن يملك السر، وهذا السر هو الكلمة الطيبة، فطوبى لمن يملكها، ويعمل بها، ويمنحها للحق والخير والجمال، واثقاً انها تنفع الناس، ومنفعة الناس هي الباقية، بينما الزبد يذهب جفاء، والآية الكريمة تنزلت بقولها {ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض، فنجعلهم أئمة، ونجعلهم الوارثين} والإبداع، في كل أجناسه الأدبية والفنية، هو من يعبّر عن تطلعات هؤلاء المستضعفين، وآمالهم في حياة فضلى، تتحقق معها العدالة الاجتماعية، ويزول العوز، والغبن واستعباد شعب لشعب، وغزو دولة كبيرة لأخرى صغيرة، كما يجري في العراق، وتذبيح المحتل، لمن يفادون لتحرير وطنهم في فلسطين، وارتكاب أبشع أنواع القتل والتدمير من قبل إسرائيل بحقهم جميعاً!

لدينا، نحن أيضاً، سارتر، ولدينا ديغول، في هذا البلد العربي أو ذاك، إلا ان الابداع العربي، في هذا القطر أو ذاك، لا يجد نصيراً يقول ما قال ديغول فرنسا «وهل أسجن الوطن العربي كله، لأجل مبدع قال كلمة حق!؟».


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية