للحزن ذهوله المهيمن على المشهد اللبناني كله، وله خصوصيته التي فرضت مفرداتها على واقع اللبنانيين اليومي المتتالي عبر البث المباشر منذ لحظة الانفجار الرهيب لموكب رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري وسط بيروت حتى الان ..ولأن الحالة تمددت في محيط الوجدان العربي المثقل بمتواليات الموت المجاني بشكل جماعي، ولأنها بعد مرور أكثر من أسبوع ما زالت تتضاعف في معطياتها وعناوينها المنشورة وغير المنشورة، فقد صار لذلك الحزن صداه العربي المفاجئ حيث وجد المواطن العربي، نفسه فجأة في خضم الحدث الكبير وجزءا من مشهد الموت في واحدة من أقسى تجلياته التي يمكن تخيلها ...هكذا..بثا حيا ولحظويا .. بالصوت والصورة والطعم والرائحة و..على الهواء مباشرة .
اغتيال رفيق الحريري لم يكن الاغتيال السياسي الاول الذي يعايشه المجتمع اللبناني في تاريخه الحديث المفعم برائحة الدم الطائفي النابع من واقع التلاوين السياسية المحلية أحيانا والمتكرس بتراكمات الحسابات المستوردة من خارج الموزاييك اللبناني أحيانا أخرى، والمراوح بين هذا وذاك وبالتعاون بينهما أحيانا ثالثا ، والمجاني دائما، ولكن هذا الاغتيال بالذات كان له من تشكيل مشهده الخارجي والداخلي في تكوين المجتمع اللبناني، وفي هذا الوقت بالذات، ما يمكن أن يرشحه لأن يكون حالة فريدة من نوعها ليس على صعيد ما آلت اليه من نتائج يرى الكثيرون انها فاجأت حتى لمن خطط لها ،وحسب، ولكن أيضا على صعيد ما يمكن أن يكون نتيجة نهائية غير متوقعة لها في الايام أو الشهور المقبلة .
فرفيق الحريري لم يكن مجرد رجل اعمال يعمل بالسياسة من أولئك الذين اعتاد عليهم اللبنانيون طوال تاريخهم المعاصر ، ولم يكن رجل ميليشيا من اولئك الذين اعتاد عليهم المواطن نفسه منذ أن صارا للبنان حربها الاهلية المكرسة تاريخا استثنائيا في محيطها العربي ، ولكنه كان حالة انسانية تصاعد عبر مجريات الامل والعمل الى قمة الهرم السياسي في بلده بعد أن حقق من الثروة ما جعلته واحدا من أساطينها في العالم ، خاصة وأنه استغل الكثير من تلك الثروة في الانفتاح الانساني المباشر على اللبنانيين البسطاء من بوابة التعليم المجاني واعمال الخير المفتوحة بكرم شديد على كل مصاريعها.
ولعل في ذلك ما يفسر ذلك الارتباك الذي كان عنوانا اوليا للخبر المهول ليس لدى الناس وحسب بل لدى وسائل الاعلام التي احتارت كيف تتعامل مع الخبر الذي يبدو معتادا في خريطة نشرة اخبار العرب اليومية من جهة ، ولكنه من جهة اخرى يبدو خارج حسابات محرري تلك النشرة الذين لم يتوقعوا ان يتعاملوا مع الموت المخطط له أن يكون فرديا ومحددا لمصير شخص واحد أو على الأقل تيار سياسي مفرد في عاصمة معتادة على هذا النوع من المصائر المأساوية، وهو في نفس الوقت تحول لأن يكون حدثا جمعيا يتماس معه المواطنون بصفاتهم الفردية .
وهكذا تعددت الاخبار والموت واحد، او ربما توحد الخبر المنبئ بذلك الموت الذي اكتسب معانيه المتعددة تدريجيا عبر كل مشهد اضافي يأتي به مصور تلفزيوني كان له ان يكون شاهدا ومشهدا على الحدث .
مات رفيق الحريري ، قتل ، اغتيل ، استشهد ...وامتلأت الشاشات بالصور والعناوين المحتارة ما بين الماضي حيث الرجل ، الذي اكتشف الجميع فجأة انه كان اسطورة حقيقية ، يمشي ويحكي ويجتمع بآخرين، ويبني، و......و....الخ، والحاضر الذي ما زال مستمرا نارا مشتعلة بجثة تفحمت وتشوهت تحت نظر العدسة التلفزيونية المندهشة من هول الانفجار وحجم الموت وتحولات الجسد البشري في رحلته النهائية .
رحمه الله..ورحم لبنان.