د. عبدالله محمد الغذامى
مقدمة
كنت كتبت هذه المقالة قبل سنتين، في صفر 1424ه، بعد إعلان قيام وزارة الثقافة، وأرسلتها للنشر، ولكن راجياً رجاني أن أصرف النظر عنها، وقبلت رجاء الأخوة حباً وكرامة لهم وبهم، أما الآن وقد جاءنا رجل يفهمنا ونفهمه فإن نفسي عاودتها الرغبة في نشر مقالة ظلت محبوسة كل ذلك الوقت، إنها تمثل رأيي وإن كتبتها بطريقة مازحة وساخرة، ولا أظن الحرج قائماً الآن. وإليكم المقالة.
كلما فكرت في كلمة (الإعلام) قفزت إلى ذهني مباشرة صورة الرقيب، ولا غرابة في ذلك فقد صار هذا من تجاربنا الحسية، وإن كنت لا أعرف وزارة الإعلام قط ولم أدخل إلى مبناها قط، بل أكاد أجهل موقعها، إن كان لها موقع خاص، ولكنني دخلت المرافق الإعلامية، كالتلفزيون والإذاعة والمطبوعات، وفي هذه المواقع تعودت على تحسس خطاي في كل مرة أخطو إليها، بدءاً من البوابة، حيث تجد الحرس يسألون عن اسمك وينظرون في رقم سيارتك وفي لونها وموديلها، ويقارنون ذلك بورق يكون معهم زودهم به مضيفك من المذيعين الذين لا أشك أبداً في رقيهم خلقياً وأخوياً، ولذا يسهلون عليك الأمر باشعارك سلفاً بهذه الخطوات، وفي سبيل الدخول إلى المبنى ينفتح لك باب حديدي مجنزر تسمع له صريراً وهو يمر عبر طبقات الحديد من تحته، وإذا عبرت الباب المجنزر إلى موقف السيارات حول برج التلفزيون سمعت، أول ما تسمع صريخ عجلات السيارة من فوق بلاط الموقف، وكأن السيارة تعبر عما في نفسك من حس أمني مفاجئ لا تعهده في جامعتك ولا في حياتك الخاصة، ثم يأتي بعد ذلك المدخل الخاص حيث تمر من تحت الباب الإلكتروني الذي لا يبخل عليك بصرة وزعقة وأنين حسبما في جيبك من مفاتيح وأقلام (أو أفكار، ربما) ولكل صريره الخاص وأنينه الموجع أحياناً، ولن تعدم نظرة أو نظرتين فيها جس وتحسس من رجل تعود على الحس الأمني والشك الضروري للمهنة، ثم بعد ذلك تجد مضيفك على خطوات هاشاً باشاً ومعتذراً عن هذه الضروريات التي تسلم بها أنت مثلما يعتذر عنها مضيفك، ومع كل الحفاوة الكريمة التي تلقاها من رجال كرام من شبابنا الإعلاميين، وهم قمة في الخلق وحسن المعاملة إلا أنك فعلاً تكون قد بلغت مبلغك في التحسس الأمني حتى لا يبقى في رأسك (حب ما طحن - كما المثل الشعبي) ولا يبقى فيك عرق ينبض، ويتسلمك المخرج والمذيع وقد استويت ونضجت حتى لا تقوى على قول شيء إلا بعد حسابه ألف مرة، وتكون أنت رقيباً على نفسك وحذراً حتى من الابتسامة والنكتة، وكم مرة حبست في نفسي نكتة ومنعت نفسي من الكلام المباح، بعد تجربة الصرير والأنين على الأبواب، وإذا كانت عجلات سيارتي قد زعقت على البلاط وصرخت صرخات أشبه ما تكون بالاستغاثات فماذا عني وقد طوقني الحس الأمني في كل حركة وكل نظرة، ومع تسليمي بأدب رجال الأمن الإعلامي وأريحيتهم، بعد أن يفرغوا من فحوصاتهم، إلا أن ما بقي منك لم يعد سوى كائن أمني مثلك مثلهم.
هذه صورة يعرفها كل من قادته خطواته إلى مرافق وزارة الإعلام، ولا تقل عنها رحلتك إلى إدارة المطبوعات لفسح كتاب أو الترخيص له، حيث تتحول إلى ولد مطيع ومواطن مطواع، ترقب كلماتك وتحاسب على نسمات الهواء الداخلة عليك والخارج منك، حتى إن الخارج منها مع كتابه يصير بحكم المولود، ولست والله بمنكر فضل وحسن ضيافة أخوتنا هناك، إلا أن ما يتركه جو الرقابة والرقباء على نفسك أقوى مفعولية من كل ضيافة، ولم أخرج مرة من عندهم ساخطاً، حتى وإن منعوا لي بعض الأمور، وكنت أعذرهم وأقدر ظروفهم، وبعضهم أصدقاء حقيقيون لي، وبعضهم صار صديقاً بعد تعاملي معهم، ولولا كرم خلقهم وتلطف اعتذاراتهم لهاجر عدد من عقولنا إلى أرض أرحب وأفسح، ولهم مني شكر موصول وإني لمقدر لعملهم بلا شك، ولكن جو الرقابة والمنع والتحسب والتحسس وتأويل السطور، كلها أجواء تصنع صوراً في الذهن تبقى وتتعمق.
هذه صور ذهنية تعطي معنى (الإعلام) دلالة خاصة لا تقبل الانفكاك أو التحسين.
وحينما تسمع أن (الثقافة) و(الإعلام) صارا صنوين فإن العجب سيكون هو أول ردود فعلك، مثلما تعجب عمر بن أبي ربيعة من زواج الثريا وسهيل، ونحن لا نجهل أن الثقافة لا ينازعها شيء مثل الإعلام ولم تشتك الثقافة من جهة قط مثلما تشتكي من الإعلام، وللإعلام ظروفه التي لا نجهلها وظللنا نقبلها، وتعودنا على مشجبها ليكون أداة نتقصدها وتتقصدنا، أما أن تكون الثقافة تحت الإعلام فهذا ما أتوجس منه فعلاً.
إن للإعلام قوانينه وظروفه وشروطه وعقليته الخاصة به، وهي كلها على نقيض ما هو ثقافي وإبداعي، وفي تجربتنا الخاصة كنا في النادي الأدبي في جدة نعيش أجمل فتراتنا مع رعاية الشباب، ومرت بنا لحظات ذهبية، وجدنا سنداً مالياً سخياً وإدارة متسامحة، وكانت لنا أنشطة لم تنزعج منها الرئاسة، ولكننا كنا نجد عيناً حمراء من الإعلام، في الوقت ذاته، ولن أنسى تعميماً إعلامياً يمنع استعمال كلمة (حداثة) وكلمة (النقد الألسني) وتعرضت مقالاتي في ملحق الأربعاء في جريدة المدينة لبتر هاتين الكلمتين، وكذا منعت الكلمتان من التلفزيون والإذاعة في منتصف الثمانينات، وفي المقابل كنا في نادي جدة نصدح بهما وبنظريات النقد الألسني والنصوصي والحداثي بحرية مطلقة، ولم نسمع من رئاسة الشباب اعتراضاً ولا لوماً، بل إنني شخصياً وجدت مساندة كريمة من فيصل بن فهد - رحمه الله -، في حين إنني وجدت عنتاً مع الإعلام لا يعلم به إلا الله، وسأروي في يوم من الأيام بعض ما صار، وهنا أقول: ماذا لو كنا تحت سلطة الإعلام حينها..؟ أو ليس التعميم سيشملنا وسنمتنع عن الحادثة والألسنية كمواطنين صالحين نطيع رؤساءنا وننفذ تعاميمهم..؟؟!! وللقارئ أن يتصور كم من الكتب والبحوث والمحاضرات والندوات ستختفي (أو تهاجر) تبعاً لذلك..!!
في فترة من فتراتنا كنا نقول ونناقش وكنا في حرية فيما نقول ونناقش، ولكننا لا نقوى على الولوج الكامل لوسائل الإعلام، وأشدها التلفزيون والإذاعة، وكنا نتلقى لوم المطبوعات وملاحظاتهم مع منع بعض أعمالنا، وكنا نقبل هذا بما إنه عمل ضروري تقوم به وزارة من طبيعة تكوينها أنها تؤدي دور الحارس الثقافي وهذا أمر عرفناه وقبلناه. ولكن ماذا لو صار الحارس هو الراعي..؟
تبدو لي المفارقة كبيرة جداً بين العملين وهما عندي مثل القط والفار، وستكون الثقافة هي الفأرة المشاغبة، ولا شك. فمن يتحمل شغبها..؟
بكل تأكيد فإن الأمر يبدو صعباً جداً، إذ كيف للوزارة أن تتخلى عن حسها الأمني والرقابي وحراسة اللغة والهمسة، وتصبح راعية ومدافعة وحامية للنزق الثقافي..؟
الثقافة انطلاق وانفتاح، والإعلام قيود وشروط وقوانين، وما اشتكى مثقف من مثقفينا من أحد مثلما اشتكى من الإعلام، وهو الآن قد صار تحت عصاها، وصرنا والإعلام في ثكنة واحدة، مثل قط وفأر في جحر واحد..!
إنها تجربة تتحدى كل تصوراتنا، ولذا يحسن بنا أن نأخذ هذه التجربة مأخذ الحوار والمناقشة، وإلى مزيد من المناقشة في الحلقة القادمة - إن شاء الله -.
٭ ملحوظة: كنت أنوي مواصلة القول في حلقة قادمة لكن عدم نشر مقالتي في حينها أوقف الفكرة وأنساني ما كنت أريد قوله.