بحث



الخميس 22 محرم 1426هـ - 3 مارس 2005م - العدد 13401

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


يوسف عزالدين ينشر سيرة الرصافي مجدداً مادونه الأصحاب والندامى

فاطمة المحسن
    أصدر الباحث والمؤرخ والناقد العراقي يوسف عزالدين كتابا جديدا عن دار المدى تحت عنوان «الرصافي يروي سيرة حياته».وهو عبارة عن يوميات سجلها أحد المتأدبين ببغداد من الذين رافقوا الرصافي سنوات. عبد الرحمن بن الحاج سليمان الخضير،كما تشير مقدمة الكتاب ترك أوراقا كثيرة من يوميات الرصافي حين كان صديقه ونديمه ومرافقه في جلسات مطولة تحدث فيها الرصافي بخصوصيات صراعاته الثقافية والسياسية، ومخاضات الأيام التي جعلت منه شاعر العراقيين الاول، وواحدا من أدباء العرب القلة الذين اتصفوا بالجرأة وتجاوز كل التابوات في حياتهم الشخصية.

كان المدون قاضيا ومهتما بالصحافة وشؤون الادب ومساهما في تحرير مجلة «الكاتب» التي كانت تصدر عن جمعية المؤلفين العراقيين كما يقول المؤلف. توفي هذا الرجل الذي لاتعرفه الاجيال الادبية التي لم تعاصره، قبل ثلاث سنوات،وقد ترك تلك الاوراق في مكتبة عزالدين طوال الفترة المنصرمة،واسترجعها ابن الاخير بعد ذهابه الى بغداد قبل سنتين، وقد تعرض بعضها الى التلف،فانكّب عليها الباحث ليخرجها بحلة جديدة بعد أن أضاف اليها الكثير مما كُتب عن الرصافي من قبل،ووضع لها مقدمة وتعليقات وهوامش وملحقات.

والحق ان الكثير من المعلومات التي وردت في السيرة سبق أن نشرت أو دونها الرصافي او أدلى بها الى الصحافة، ووردت في كتب عنه بما فيها كتب عز الدين نفسه،غير ان هناك بعض وجهات النظر والتفصيلات والهواجس الشخصية والخصوصيات التي لم تنشر، ولكن الملحوظ ان تلك وضعت في سياق امتزجت فيه اراء المؤلف بما دونه الخضير وماتركه الرصافي نفسه في أوراقه القديمة. والطريف في الامر ان هذا العرض اقرب الى مسرح تدخله شخصية اخرى،يبدو انها هي المدون الاصلي للمذكرات، وهذه الشخصية هي خالد حافظ الذي كان قاضيا في الفلوجة حيث اعتكف الرصافي بعد أن أهداه احد الوجهاء دارا فيها مع راتب،فتفرغ الى التأليف ليكتب كتابه المعروف «الشخصية المحمدية».

لغة المادة الاصلية تشوبها بعض عامية، ولكنها محببة وتشير الى هوية صاحبيها عبدالرحمن الخضير وخالد حافظ، فهي تشي بعدم تمرس في عالم الادب، ولكنها متفهمة لمشكلات الرصافي وتنطلق من نظرة إعجاب به، في حين تختلف لهجة المنقح يوسف عزالدين الذي كانت مقدمته محاولة لقراءة سيرة الرصافي سايكولوجيا، حيث رأى ان الشاعر «أحس بالظلم الكبير في الحياة والعمل، والإهمال في المكانة الاجتماعية، فاضطربت حياته الشخصية واهتزت آماله وقاسى نفسيا واضطرب روحيا،فان الذين كانوا أقل منه مكانة أصبحوا وزراء وأصحاب سلطة وأصبح فيصل زميله في مجلس الأمة ملكا ونوري السعيد وزيرا. تناقضات عجيبة لم يكن قادرا على هضمها واحتوائها». على هذا يرى ان سخطه الذي وجهه الى السلطة والملك فيصل،سببه شعور الاضطهاد وإهمال الذات الكبيرة التي يحملها بين جنباته. والحق ان هذا الطرح ربما يرد عند الحديث عن نقد الرصافي للبلاط والملكية عموما، والذي وصل في احيان الى درجة القسوة والتحريض مايبعث على الاستنكار بعين قارىء التواريخ الان، ولكنه يتصل قبل كل شيء بنزعات الرصافي العثمانية، فقد كان مؤمنا بالدولة العثمانية الحديثة التي ينضوي تحت رايتها العراقيون من مختلف القوميات، وتلك وجهة نظر كلفته الكثير، بما فيها موقفه من العروبيين الذين أيدوا فيصل وثورته. ولا يختلف الرصافي عن الزهاوي في هذا الطرح، سوى ان الزهاوي كان مطواعا متجاوبا مع الانكليز، في حين بقي الرصافي يحمل تصورا جاهر فيه أحيانا واخفاه في بعض الاحيان، وبين مايمكن ان نفهمه في هذا الصدد هو ان الرصافي والزهاوي كرديان ولم يكن الانتماء القومي في الماضي يعني مايعنيه اليوم، فللرصافي قصائد يفخر فيها بالعروبة والعرب، ولكن قد تشكل قوميته الاصلية هاجسا للتمايز. ويمكن للمتابع سيرة الرصافي ان يلحظ ضعفا في نرجسية الشاعر او أناه المتضخمة، سواء في لغة شعره أو كتاباته او سلوكه، على عكس الزهاوي التي تشي كل أشعاره بهذا العيب، من تضخيم الانا او النظر الى الامور من موقع المتدبر لحاله او الراغب في الجاه والسلطة.

ولد الرصافي ببغداد وهو من عائلة كردية نزحت في الاصل من منطقة تقع بين السليمانية وكركوك،،حيث كانت منازل قبيلته الجباريين التي ينتمي اليها والده. وتربى تحت رعاية جده لأمه وتدرج بين تعليم ديني ومدني، وكان من بين تلامذة العلامة محمود شكري الألوسي الذي اطلق عليه لقب الرصافي. غير ان ثقافة الرصافي مازجها ميل للتركية بمعناها التحديثي،وترجم عنها قصصا ومقالات عن تحرر المرأة، الامر الذي يدلل على فهمه الدقيق لمؤشر بوصلة التقدم في زمنه. معظم أفكاره الطليعية التنويرية اكتسبها من البيئة البغدادية التي كانت في فترة يقظة، وزادها مكوثه في الاستانة التي علّم في جامعاتها اللغة والادب العربي،وشارك في الفعاليات السياسية المختلفة بما فيها انتماؤه الى جمعية الاتحاد والترقي ونشاطه في لجنة المبعوثان، وتلك معلومات متكررة في الكثير من الكتب عن الرصافي،ولكن الوقائع الجديدة اللافتة هي ماذكره المدون عن إنتمائه الى المحفل الماسوني، الذي دخله الكثير من الساسة والادباء والفنانين المهمين في العراق ومصر وبلدان عربية كثيرة وشرق أوسطية.

وقد انتسب اليه حسبما جاء في هذه السيرة خلال وجوده في الاستانة، ويشرح الرصافي الكيفية التي وصل فيها سريعا الى مركز مرموق ممثلا للـ «الاخوة العثمانية» وهو خاص بالعرب، ورئيسه نذير مطران ويتزعمه «المشرف الاعظم» وكان وقتها جاويد بك وزير المالية التركي حسبما تذكر السيرة. ويستطرد المدون على لسان الرصافي حين يذكر ان خروجه من الماسونية كان بسبب النفور والاشمئزاز بعد أن اطلع على مبادئها الهدامة. ولا ترد في سيرة الرصافي أو كتاباته الاخرى مايدلل على تعرضه الى الماسونية او انتقاصه منها، وهو الاديب الصريح المجاهر بأفكاره،ومن المرجح ان يكون هذا الانطباع قد ورد لاحقا، لأن الماسونية على عهد الرصافي كانت من المحافل التي يسعى اليها الوجهاء والبارزون حتى أولئك الذين عرفوا بانتمائهم العروبي وتعصبهم لهذه الأفكار.

ولعل من الطرائف التي وردت في الكثير من المؤلفات، طريقة خلعه العمامة والجبة وارتدائه الملابس المدنية،وسكنه في بيت مجاور لبيوت فتيات الليل،ومجاهرته بصداقتهن مع ان في سيرته الصريحة مايشير الى مثليته وحبه للغلمان. الكثير من الوقائع تلك ترد في الكتاب على نحو تفصيلي وفيها صراحة الرصافي وجرأته التي تجاوزت كل متعارفات مجتمعه.

ويقربنا المدون من صراعات الرصافي مع السياسيين والمثقفين وهواجسه الكثيرة التي يتخيل فيها مراقبة الانكليز له، والمكائد التي وضعت في طريقه من قبل خصومه والمنافسين له. ومع ان الشاعر من خلال سيرة الادب العراقي ككل، كان على رغم مجونه، موضع إجماع على قيمته الادبية ومكانته كشخصية تحمل حضورا يبعث على الاحترام والاعجاب في المحافل والملتقيات الادبية، كما كان مترفعا عن الدخول في الصراعات،وأقل ضجيجا من الزهاوي الذي حاول النيل منه، وبين تلك وهذه يذكر في هذه السيرة الاسباب التي دعته لاصدار صحيفة يحررها خيري العمري، والهجوم الذي باغته في جريدة «الناشئة» التي اصدرها إبراهيم صالح شكر، وهو صحافي عرف في وقت مبكر لعبة استثارة القارىء التي تستخدمها الصحافة الحديثة. وكانت الصحف وقتذاك لاتملك سوى دعم القارىء المادي، فبدأ إبراهيم صالح شكر حملات فضائحية على الشعراء والساسة،بمن فيهم الزهاوي والرصافي، واتسمت حملاته بالسباب والنيل من أدبيتهم،مستعينا بمنافسيهم وفي المقدمة منهم عباس محمود العقاد الذي دخل في خصومات مع الشعراء العراقيين،فكانت جريدة «الناشئة» سريعة الانتشار يتسلى بها الناس وتزيد فضولهم، غير ان الجميل في الامر ترفع الرصافي عن الرد ورفضه ان تتحول جريدته الى منبر للمنابزات،في حين وقع الزهاوي في مطب تلك الخصومات.

تحمل سيرة الرصافي الجديدة الكثير من الخصوصيات، مثلما تسجل يوميات الحياة العراقية مطلع القرن المنصرم، ولعلها الفترة الأكثر خصبا وجمالا قبل ان تباغتها موجات الانقلابات والعنف الذي صاحبها. ويبقى ليوسف عزالدين قصب السبق وجهد المثابرة، فهو الباحث الذي يظل مواظبا على النشاط والعطاء رغم الشيخوخة والتعب.


عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية