بحث



الخميس 22 محرم 1426هـ - 3 مارس 2005م - العدد 13401

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


هل حاول نجيب محفوظ الانتحار؟

بيروت - مكتب «الرياض» - جهاد فاضل:
    قد لا يصدق أحد اليوم أن الروائي المصري الكبير نجيب محفوظ فكر ذات مرة بالانتحار وأنه كاد يقدم عليه فعلاً لولا الصدفة، وقد لا يصدق أحد أن هذا الروائي الذي يتهمه البعض بأنه روج للإلحاد في روايته «أولاد حارتنا» وانه بالتالي علمي التفكير، وبعيد جدا عن الخرافات، كان يزور المنجمين ليكشفوا له عن «بخته» أو عن حظه.

ولكن الواقع الذي رواه نجيب محفوظ مراراً أنه سار يوما مع صديق له باتجاه النيل ليرمي بنفسه فيه مع هذا الصديق فحصل ما ثناه عن عزمه، لم يكن ذلك بالطبع بعد فوزه بجائزة نوبل، فهذه الجائزة بإمكانها أن ترد الروح حتى لمن انتحر بالفعل «والشاعر السوري ادونيس على سبيل المثال لا مانع عنده من الموت بعد أن ينالها» وانما كان ذلك زمن شبابه الروائي، وعلى وجه التحديد في المرحلة التي سبقت ثورة يوليو بسنوات قليلة، مع أن نجيب محفوظ لا يذكر عندما يروي هذه الصفحة المجهولة أو شبه المجهولة من حياته، سنة محاولته الانتحار، إلا أن من الممكن الحديث عن أواخر الاربعينيات التي سبقت «يوليو» والتي ساد فيها في مصر مناخ من اليأس والاحباط نتيجة الفساد السياسي والاقتصادي، والتخبط الاجتماعي، وهذا كله دفع بالكثير من المثقفين وغير المصريين في مصر إلى مغادرتها إلى الخارج بسبب انسداد الأفق في بلدهم.

في تلك المرحلة كان نجيب محفوظ واحدا من «الحرافيش» الذين عبثا يحاولون أن يجدوا لهم فرصا طبيعية للحياة والعيش فمصر في حالة مخاض وطني واجتماعي كان من نتيجته تفجر الأوضاع وقيام الثورة، يقول نجيب محفوظ مبررا اقدامه على تلك المحاولة الحقيقية للانتحار: «الشباب أحيانا تمر به لحظات غريبة فقد كنت ساخطا على حياتي بشدة ولا اعرف السبب وكان لي صديق يشاركني هذا الشعور، وهو الذي كان يفكر في الانتحار بطريقة جدية، فلما وجدني متفقا معه في الموقف، قال لي: ما تيجي ننتحر!!

فقلت له صادقا: مامشي بس ازاي؟

قال لي: تعال نروح على كوبري قصر النيل، ونرمي روحنا ونخلص من الحياة..

ويضيف نجيب محفوظ: الغريبة رحنا كوبري قصر النيل.. ولكنه عدل عن رأيه لما شاف المية، وكان الجو برد، وشعر أن المية حا تكون ساقعة، وقال لي: بلاش النهار ده بكره نجي هنا وننتحر، خلاص! وأجّلنا الفكرة.. ولكني كنت في الحقيقة متضايقا جدا ولا أعرف كيف اعبر عن مشاعري في تلك اللحظات، الشباب تمر عليهم أحيانا لحظات تمرد وعدم رضا ويمكن ان يقدموا فيها على أي أمر».

ولكن ماهو هذا السخط الذي يقود كاتبا في بداية حياته إلى التفكير بالانتحار؟ أغلب الظن أن سبب هذا السخط ليس ظروف الكاتب الشخصية وحدها، وإنما ظروف مجتمعه في الوقت نفسه، ونجيب محفوظ نفسه لم يكن وحده في هذا السخط وانما كان معه فيه جيل مصري كامل فقد الأمل بالمستقبل وبالتغيير.

في هذه الفترة، فترة الاربعينيات من القرن الماضي، كانت «الحرافيش» في أوج ازدهارها، وكان نجيب محفوظ أحد أبرز أعضائها، وكان «الحرافيش» يجتمعون أحيانا كثيرة على شاطئ النيل بالجيزة في المنطقة الواقعة أمام منزل الرئيس السادات «منطقة مهجورة آنذاك، وكنا نجلس في حلقة على الأعشاب الخضراء وأمامنا النيل..

لكننا سمينا هذا المكان «الدائرة المشؤومة» لأننا لم نكن نتحدث فيها الا عن احباطاتنا في الحياة في ذلك الوقت، وكان الوضع السياسي في مصر سيئاً للغاية، حيث الفساد والتخبط جاثمان على صدورنا، وكنا نحن مجموعة شبان يحاولون شق طريقهم في دنيا الأدب والثقافة، لكن أحدا لم يكن يشعر بنا، وكان ذلك يصيبنا بالاحباط الشديد على المستوى الشخصي.

ولكن ما الذي حدث في موضوع الانتحار، خاصة وأن محفوظ وصاحبه سارا فعلا مرة أخرى في اتجاه كوبري قصر النيل، وهذا المكان الذي تقرر أن يكون مكان انتحارهما..

يقول نجيب محفوظ.. في تلك الليلة رأينا انيس منصور بالصدفة، وعرف بالحكاية، وكان أصغر سنا منا، فقال: ليه الانتحار؟ سيبكم منه.. ايه رأيكم اخدكم عند واحد اسمه «فردي»..«فردي» يقرأ طالع الانسان ويقدر يقولكم ايه اللي ح يحصل لكم في المستقبل..

وبالفعل رحنا عند فردي وكان منجما معروفا يقيم في شارع فؤاد باشا بالقاهرة.

عندما يصل نجيب محفوظ إلى هذه النقطة، يقول إنه رجل عقلاني جدا ولا يؤمن بالتنجيم.. ولكنه ذهب مع انيس منصور إلى «فردي» الذي ما إن رآه حتى بادره بالقول: انا شايف حياتك ورق وأقلام وسيكون لك مستقبل كبير، أما من ناحية الرزق ستكون مستورة ما تطمعش في أكثر من كده..

ويعلق نجيب محفوظ على قدرة «فردي» بقوله إن لديه فراسة شديدة، والكلام الذي قاله له صحيح انه ينطبق على كل موظف مصري الا انه ينطبق ايضا علي.. فحياتي كلها ورق!

كانت طريقة فردي في التنجيم تقوم على النظر إلى كرة كبيرة من الزجاج يضعها بينه وبين من أتاه، ثم يقول له متحدثا على لسانه بما سوف يحدث له في المستقبل نظير عشرين قرشا.. ولكن المنجم حسب رواية انيس منصور الشاهد الثالث لهذه الواقعة، لم يلتفت إلا إلى ذلك الشاب الذي سوف يكون أديبا عظيما، وقال له: أنت ياساذج تريد أن ترتكب جريمة وتقتل نفسك.. أنت ستكون أعظم كاتب في هذا البلد.. خذ فلوسك واخرج من هنا..

ويبدو أن التنجيم شائع كثيرا في مصر ولدى المثقفين ومن هم في الطوابق العليا، وليس فقط بين سكان حارة السقايين.. فبعد رحيل جمال عبدالناصر، تبين أن الكثيرين من رجاله كانوا يقصدون المنجمين بانتظام لكشف طوالعهم، ومن هؤلاء الفريق أول محمد فوزي وزير الدفاع أو قائد الجيش أو رئيس الأركان.

ويقول نجيب محفوظ انه لم يكن الوحيد بين المثقفين المصريين الذين زاروا «فردي» أو غير «فردي»، فالمنجم سواء كان اسمه فردي أو غير ذلك، شخصية معروفة في المجتمع، وبابها مزدحم دائما بالزوار، ومن كل الطبقات.

يحيى حقي، على سبيل المثال، يروي في كتابه «من باب العشم»، تجاربه مع التنجيم والمنجمين، الزيارة هذه المرة بخمسين قرشا لا بعشرين كما حدث مع نجيب محفوظ، يقول يحيى حقي: حدثني أكثر من صديق متعلم مثقف أن أقصد الشيخ ع.. لأنه يقرأ المستقبل كأنه مكتوب امامه، ورددوا لي عنه قصصا تشبه المعجزات لم تكن في حياتي مشكلة، وكنت واثقا ان المستقبل سر علمه عند الله سبحانه وحده، ولكن كان لي شوق لأن أرى الشيخ ع.. نفسه، ولو كلفتني رؤيته خمسين قرشاً..

المهم أن «الزار» وكشف البخت، و«التنجيم» مؤسسات نافذة في مجتمعاتنا ولكن نجيب محفوظ «يرتبك» عندما يصل في سرد روايته الذاتية إلى هذه النقطة، ففي الوقت الذي يقول فيه إنه من أنصار النظرة العلمية إلى الأمور، يقول إنه قصد المنجم «فردي» لا بدافع التسلية كما قصده يحيى حقي «أو هكذا يقول يحيى حقي..» بل بدافع آخر لعل من الممكن أن نقول إنه طلب استجارة تماما كذاك المستجير من الرمضاء بالنار.. لقد كان في موقع المواجه للموت اثبت في مستنقع الموت رجله، لكنه لم يتخل نهائيا عن الرغبة بالحياة، وهذا ما يفسر جريانه وراء أنيس منصور تلك الليلة ليرجح أحد أمرين: الموت أو الحياة، كان ما كان من أمر «فردي» الذي وهبه الحياة وتنبأ له بمستقبل أدبي باهر: «ستكون أعظم كاتب في مصر».. بل إن هذا المنجم أعفاه من رسم الدخول إلى «الاثيليه».. تباعه، عندما هتف به: خذ فلوسك واخرج..

الكاتب، اي كاتب، مزيج غريب من كيمياءات مختلفة، ومن العبث، أن يتحول إلى كاتب أو أديب أو شاعر أو فنان، شخص شخصيته عمودية ويحافظ على النظام والهدوء والرصانة كما انه نبتة تعيش في اناء داخل المنزل، الأدباء عادة نبات بري لا ينمو الا في الحقول، وبعيدا عن أي ترتيب أو اعداد مسبق، ويبدو أن نجيب محفوظ الذي اشتهر بسمته الوظيفي كعامل في الإدارة المصرية، كان داخله يغلي بألف فكرة جهنمية أو غير جهنمية لقد كان موظفا حكوميا من حيث الخارج، الا انه في الداخل كان من الحرافيش الأشقياء، ولو لم يكن كذلك لما فكر بالانتحار، ولا ذهب إلى منجم، «ولا طلع منه شيء»..


عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى






صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية