بحث



الخميس 22 محرم 1426هـ - 3 مارس 2005م - العدد 13401

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


موت الثقافة

أ.د. محمد بن مريسي الحارثي
    إن دائرة النقد الثقافي من السعة بمكان. فهذا النقد ليس معطى حضارياً، وثقافياً حديثاً على الساحة العربية. فقد مارس العرب هواياتهم النقدية العامة في أنماط الثقافة الفكرية، والمادية بمفهوم الثقافة الواسع. وهذا أمر يتناسب مع الرغبات المركوزة في طبائع الناس وهي رغبات المواجهة لكل ما كان يطرأ على حياة الإنسان ويستدعي التفكير فيه، وتحديد الموقف منه. وما عليك إلا أن تنظر في كتاب الفهرست لابن النديم لترى تنوّع مادة التآليف التي تناول مؤلفوها نقد الحياة، بكل إفرازاتها، ومظاهرها الاجتماعية، والتاريخية والعلمية.

فقد ألف أبوعبيدة معمر بن المثنى (110 - 209ه) ما يقرب من مائتي مصنف، ذكر منها ابن النديم مائة وخمسة، وقال عنه الجاحظ في البيان والتبيين: )لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلم منه).

وكان الجاحظ في تآليفه متنوع الثقافة. ألَّف في أكثر من نسق معرفي. فقد أسس أصول البيان العربي في البيان والتبيين، وفي بعض مباحث كتاب الحيوان ودرس كثيراً من صفات الألفاظ، ومقاييس المعاني ودرس طبائع الحيوان في كتاب الحيوان، ووثق العلاقة بين الشعر العربي وحياة الحيوان ،حين وظف الشعر لهذه الغاية، وألّف في ظاهرة البخل، وكشف كثيراً من نفسيات البخلاء، وصفاتهم، وألّف كذلك في الغناء، والمغنين، وفي النرد والشطرنج، وفي غير ذلك من معارف عصره.

وكانت تآليفه في الثقافة العامة محل نقد، كما أشار هو إلى ذلك في مقدمة كتاب الحيوان. فقد وجّه الدعاء والخطاب إلى منتقده من أول كلمة في مقدمة الكتاب؛ مشيراً إلى أنه عيب بكتابه حيل اللصوص، وكتابه غش الصناعات، وبكتبه: الملح والطرف، واحتجاجات البخلاء، ومناقضتهم للسمحاء. وبكتاب الصرحاء والهجناء، وبكتاب الزرع والنخل، وبكتاب فضل ما بين الرجال والنساء، وبكتاب القحطانية، وبكتاب العدنانية، في الرد على القحطانية، وبكتاب العرب والموالي، وبكتاب العرب والعجم. وذكر بعد ذلك أكثر من عشرين كتاباً مما لحقه العيب في نظر قارئه. وقد جمع في كتاب الحيوان ما (يحتاج إليه المتوسط العامي، كما يحتاج إليه العالم الخاصي، ويحتاج إليه الرّيض، كما يحتاج إليه الحاذق).

وقال: (وهذا كتاب تستوعب فيه رغبة الأمم، وتتشابه فيه العُرْب والعجم... فقد أخذ من طرف الفلسفة، وجمع بين معرفة السماع، وعلم التجربة، وأشرك بين علم الكتاب والسُنّة، وبين وجدان الحاسة، وإحساس الغريزة، ويشتهيه الفتيان كما يشتهيه الشيوخ، ويشتهيه الفاتك كما يشتهيه الناسك). ويشتهيه كذلك غير واحد من القراء.

وكأن الهم الثقافي الذي تشكّل منه الجاحظ، ووجهه إلى الكتابة في غير نسق من أنساق الثقافة قد وجه نشاطه الثقافي في كتاب الحيوان فجمع في مادة هذا الكتاب بين رغبات ثقافية كثيرة، ومشارب بعضها عربي وبعضها اعجمي ليجد كل قارئ لهذا الكتاب رغبته فيه.

ولم يكن الجاحظ هو الكاتب الموسوعة عند القدماء. فالكاتب العربي التراثي كان يحيط بمقدمات العلم، وأصوله، ويأخذ من كل علم بطرف.

إن هذه الممارسات التأليفية المتنوعة بتنوع أنماط الثقافة العربية عند القدماء لا تدعو إلى الدهشة؛ نظراً لتآخي أنساق المعرفة العربية في علاقة بعضها ببعض، وهذا التآخي منبعه من أحادية المرجعية الشرعية، التي تستمد منها تلك التآليف رؤيتها للأشياء، وتبحث عن حقائقها الكونية في ذاتها، وفي علاقاتها الكونية التي تجعل من الأنساق الثقافية وحدة واحدة، يأخذ بعضها بحجز بعض. لا يستقل نسق معرفي أو ثقافي عام عن آخر إلا بمقدار ما يعود إليه. وهذا الارتباط العضوي المرتكز على مبدأ التشاكل بين بنيان الجسد الثقافي والمعرفي على مبدأ التشاكل بين بنيات الجسد الثقافي والمعرفي الواحد هو ما يميّز تحولات المعرفة العربية في تآخي جديدها مع قديمها من خلال قيم القديم الانتمائية، وإضافات الجديد الفاعلة، التي تضيف ما يوسع نظرة الناس إلى الحياة.

لذلك لا تجد الخطاب العربي في أنساقه المتنوعة المعرفي الخاص والثقافي العام قابلاً للتحولات التغييرية الانزياحية بمعنى التغيير الذي يرفض شيئاً ماثلاً ليقبل غيره، ويهدم ليبني.

وهذا من أسباب حفظ الهوية الثقافية ومقاومتها لمحاولات الموت فيما له علاقة بالنوع. فالثقافة قد تمرض، وقد تضعف لكنها في حرز من الموت. لتحصنها وراء الخطاب الذي لا يأتيه ذل الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يأتيه ذلك من كثرة الجهل، لأن حملة المعرفة الشرعية في كل زمان هم علماء الأمة العدول. والذي يزعم أو يتوخى موت الثقافة المنتمية إلى ثقافة السماء؛ إنما يوهم نفسه بتوقعات غير منطقية، وبالتالي غير قابلة للتطبيق والنجاح.

إن الثقافة العربية ذات الخبرة الإنسانية يفترض فيها أن تكون منتمية في أصولها إلى مرجعية المعرفة الشرعية التي أشرنا في غير موضع من قراءاتنا بأنها مرجعية لا تعرف التوقف المرحلي، أو الانقطاع الكلي عن الحركة. كما أتاح لهذه الثقافة أن تحتضن في جوهرها مرونة التعامل مع المستجدات، وأن تكون مهيأة للتجدد، والاستمرار والإضافة فيما يخص المنتج البشري المنتمي، أو المطبوع بصور الانتماء؛ نظراً لاتساع آفاق المرجعية الربانية التي تنتمي إليها هذه الثقافة التي لا بد أنها تكتسب من هذا الانتماء القريب من صفات الاتصال، والتحصن ضد أسباب التوقف، أو الانقطاع. مما يجعل كل نسق ثقافي، معرفي، أو سلوكي قابل للتطور، والتوسع والاضافة والاستمرار في أداء مهمته، وفق إمكانات تفعيله المتاحة.

وهذا لا يعني آحادية الأنساق الثقافية المنبثقة من آحادية المرجعية الشرعية. فالخطاب الإلهي هو خطاب آحادي مصدره الذات الإلهية المقدسة، وهو خطاب الحقيقة الكونية. أما الأنساق المنبثقة منه، والتي ستعود إليه فيما يتوخاه من نتائج؛ فإنها أنساق تعددية. وتعددها ليس تعدد تضاد، وافتراق لا التقاء بعده. إنها تعددية التوحد. فمهما بلغت صور الاختلاف في المفاهيم والتصورات والرؤى حول معرفة الشرع؛ فإنها صور مؤتلفة تقودها صور التعدد إلى صورة الوحدة التكاملية.

هذا ما تلمسه بوضوح في بنيات الخطاب العربي التي لا تستقل فيه بنية من بنياته، أو نسق من أنساقه بمهمتها عن البنيات، أو الأنساق المعرفية الأخرى، وهذه النظرة الوحدوية لتفعيل الثقافة العربية، وفق تصورات متجانسة، هي التي تمنح بنيات هذه الثقافة الحيوية المستمرة باستمرار حياة المرجعية، وعطائها. وهذا الأمر يعد ميزة تنفرد بها الثقافة العربية المنتمية من حيث استمرار جذوة الحياة في قيمها، ووظاذفها الحسية والذهنية، والمعرفية، والسلوكية، دونما انقطاع يؤثر على وظائفها بالموت، أو يجعلها تصلح لمرحلة دون غيرها من مراحل التحولات الاجتماعية، والتاريخية.

لقد كانت النظرة التنويرية إلى الثقافة العربية تحاول أن تمارس فعلها التغييري من داخل المرجعية العربية من حيث إعادة النظر في المقدس منها، وغير المقدس برؤية عصرية. لكنها ما لبثت أن خرجت بها من الداخل مستعينة بمفاهيم خارجية تسقطها على الداخل. فأصبح التراث المقدس وغير المقدس في مواجهة دعوات التغيير، ولم يتنبه أصحاب التغيير إلى أن كل دعوة جديدة منبتة عن الأصول الانتمائية للأمة تكون دعوة بعيدة عن الممارسة حقيقة وواقعاً.

إن المنظور الإسلامي المحرك لثقافة الخبرة ليس كما فهمه بعض المثقفين العرب من دعاة التغيير بأنه توكيد للذات ونفي للآخر. إن المنظور الإسلامي للحياة، والكون، والإنسان منظور منفتح غير مغلق، لا يصادر الآخر، ولا يلغيه، ولا يكرهه على الدخول في نظامه. وهذا المنظور المنفتح يخلخل تصورات التغييرين للثابت المنغلق، وللمتحرك الثوري. وقد نظر المثقفون التغييريون إلى أن الفرد هو الملاك المطلق، الذي يبحث عن آفاق الحرية المطلقة خارج نظام القانون عند الجماعة. وعلى هذا الأساس نجد أن العلاقة الذهنية بين الفرد العربي المسلم، والذات الإلهية مغيّبة في نظر التغييرين. إذ لا يشعر المسلم في هذه العلاقة بأنه موجود في ذاته لغيره، ويفتقر إلى الحرية التي تمنحه قوة التأثير التغييري. وتجد أن مثل هذا الجدل المفتعل لا يبحث عن أصول الحقيقة المعرفية فيما يخص المرجعية العربية التراثية، وإنما يبحث عن مكان جديد للفعل الإنساني ليصبح الإنسان مركز الكون.

وإذا ما أنعمت النظر في الزعم الذي أشاع قضية موت النقد الأدبي، وكذلك النقد الثقافي نظراً لموت العام والخاص في الثقافة، وجدته زعماً لم يقم على قراءة المرجعية الثقافية العربية قراءة ناقدة واعية.. وهذا مرده إما إلى قصور في آليات القراءة، وإما إلى توجيه القراءة وجهة تخدم دعوة التغيير. وهذه القراءة لا تهمها الحقيقة الثقافية التاريخية، والاجتماعية، والعلمية بقدر ما يهمها الانحراف عنها بتخطيط مسبق. ولما لم يستطيعوا اختراق تشاكلية الثقافة العربية دعوا صراحة إلى القطيعة عن كل ما يمت إلى التشاكلية بصلة، وأضحى الزعم بموت الثقافة يمثل حالة من الترقب لما سيؤول إليه الحال من تحقيق بعض التغييرات.

إن الزعم بموت الثقافة هو زعم بموت كل الأشياء جميعها والوصول إلى العدمية. وهذا الزعم بموت الأشياء، ونهاية التاريخ، وفوضى الحياة، ونهاية العالم مما روّج له غير واحد لا يستند إلى حقائق كونية معرفية صحيحة؛ لأن ذلك مما اختص الله بعلمه، وأشادت آيات أشراط الساعة إلى شيء منه.

إن الفلسفة المادية قد باعدت بين روح الإنسان والمثل الأخلاقية الروحية، وحاصرته بالشك في كل قيمه. وإن فلسفة ما بعد الحداثة قد قامت على هدم المادي والروحي معاً، ولم تقم وزناً لإحداث نوع من التوازن والتآخي بين المادة والروح. فكيف لفلسفة هذه روحها يمكن أن تحل إشكالية حضارية، وهي أبعد ماتكون عن حقيقة الحياة. فتقيم ثقافة على أنقاض ثقافة على غير أرض صالحة لمثل هذا المشروع.

إن الباحث العربي الذي يتصور أن حل مشكلاته الثقافية لا يتحقق إلا خارج مرجعية الثقافة العربية تتعاوره أزمتان، أزمة عقل، وأزمة ضمير، وهاتان الأزمتان ستدفعانه إلى إعادة النظر في إخفاقاته التغييرية إذا ما برئ من أزمتيه. فالتغيير الجذري لا يعد صياغة سليمة لثقافة عربية قادرة على الاستمرار، والفاعلية، والإضافة، وموت الثقافة ونحن نمارس فعلها الحضاري موت غير منطقي.

ص.ب 13109 - مكة المكرمة


عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى






صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية