في الحروب غير العسكرية يتم تزييف الحقائق بصورة تصبح أقرب إلى التصديق، وهي مهنة لها خبراؤها، وفلاسفتها، ومدارسها المنتشرة على طول العالم، ولعل استخدام الوثيقة كسهم في رمي حصانة العدو، دخل مجالات التزييف، حتى إن ضحايا على مستوى رؤساء دول مثل أمريكا، اختفت في الحوادث الوثائق الصحيحة، ليحل بديلاً عنها انتشار الأقاويل والتخرصات..
صراع القوى العظمى كان الأكبر حجماً، فمن وسائل التجسس، إلى الحرب الإعلامية بالوسائل المتاحة، إلى ابتكار الأحبار السرية، وتزييف المعلومات السرية بين طرفي العداء، وحتى الأنظمة العربية جاء بعضها لشراء صحافة خارج أراضيها تمارس فيها دور المخبر البوليسي تخوّن من تريد، وترفع الآخر إلى مصاف العظماء، لكن مع انتشار الوعي، وكثافة المعلومات صار التدقيق بالمعلومة، أو الوثيقة، يجعل الشك فوق الحقائق، إلى أن تثبت العكس..
في دول عربية كثيرة، لا تزال تحاول أن تجعل مصادر معلوماتها، في حالة حرب مع دولة عربية أخرى، استخدام قصاصات جرائد خارجية، أو تقارير مراكز معلومات، وإسقاط هذه البيانات كمعايير للاتهام،أو البراءة، ومن يعتقد بهذه المفاهيم، ينسَ أن إسرائيل مثلاً، هي أقوى من العرب، والعالم الإسلامي برمته، في القدرة على تغيير المفاهيم من خلال أساليب في غاية الذكاء بتزييف الحقائق وتلوينها، غير أن المشكلة مع الكثير من نظم العرب أن الوسيلة المستخدمة لا تزال ساذجة، وفي وسط الفوضى العارمة في هذه الساحة صار من السهل استخدام أي شخصية تعتبر نفسها شاهداً على التاريخ..
خذوا مثلاً من تحدثوا عن الثورة المصرية، وقارنوا المتناقضات بين من صنعوها وعاشوا أحداثها، وقيّسوا ذلك على أحداث العراق، وسورية، والمغرب العربي، والخليج، وهي في ظواهرها تكتب التاريخ بمكاسب شخصية، أو مذهبية وأيدلوجية، ومن هنا جاء من يتهم التاريخ العربي كله، بالتزييف، لأنه نشأ في أحضان قوة الغالب على المغلوب، في حين جاء الظرف الراهن ليمتح من خزينة الأشخاص، أو استغلال خلافات بعض الدول لترجيح كفة على أخرى، وحتى بعض وسائل الإعلام المهاجرة التي لا تفهم مصادر تمويلها، صارت ناطقاً نزيهاً باسم الحقيقة، وهذا الإشكال الثقافي والنفسي، الذي لا يخضع لمعايير المحاسبة الأخلاقية، قبل القانونية، يظل في عصمة الدولة، أو المنظمة التي ترعاه، ويكفي سقوط مؤسسات صحفية، وإعلامية تم فضحها بعد زوال صدام، وهي أقرب المعايشات لمرض عربي أعطي مبدأ التشكيك على كشف الواقع بمبرراته الصادقة..
ما يجري في الساحة العربية هو هدر في الثقة، لأن التزييف، مهما تقارب مع الواقع سيصدم بكشف الحقائق، وتلك هي أحد أخطر الحروب النفسية التي تواجهنا..