المؤسسات خاصة كانت أم عامة، مهما كانت درجة نجاحها تعاني من «مشاكل» ما، لا يرغب القائمون عليها الإشارة إليها ولو تلميحاً. هذه «الظاهرة» أن «اتفقنا» على وجودها تنطبق بصورة أوضح على معظم «الأندية» الرياضية في أي مكان، فهذه المؤسسات الرياضية تعاني «إشكالاً» من طبيعتها شبه المزدوجة، فهي: مؤسسات خاصة - عامة في الوقت نفسه.
طبيعة ونمط المرجعية الإدارية والمالية، وعلاقاتها الأفقية والرأسية، هي التي تحدد إن كانت هذه الأندية خاصة أو عامة! ولما كانت هذه الأندية تتعامل مع أعداد كبيرة من البشر، وتمولها «الدولة» جزئياً، وتشرف عليها وتراقبها منذ عقود، وتشرع أبوابها لأعداد كبيرة من الجماهير.. بهذه الصفات يمكن أن توصف بأنها مؤسسات عامة، غير أن أساليب تكوين هذه الأندية، و«ترتيبات» علاقاتها الأفقية والرأسية، ومرجعيتها «الإدارية الحقيقية»، وقنوات ومصادر وأساليب تمويلها - تشير من ناحية أخرى - إلى أن هذه الأندية هي في «الواقع» مؤسسات خاصة لفئات معينة من أفراد المجتمع!؟
نعلم أن هناك دعوات صادقة لإصلاح أوضاع أنديتنا الرياضية، فالجمعيات العمومية للأندية الرياضية - وعلى سبيل المثال - هي مجرد واجهات (تنظيمية - نظامية) تملك الكثير من الصلاحيات على الورق، وهي صلاحيات لو فُعّلت لربما تغيرت بعض الأوضاع في هذه الأندية، وإن كنا «نشك» في ذلك بسبب طبيعة تكوينات هذه الجمعيات، فهي لا تملك القدرة ولا الجرأة على تفعيل صلاحياتها لافتقادها لعنصرين أساسيين: صلاحية «العضوية» أصلاً ومدى استكمال وصحة شروطها» وطرق «اختيار» أعضائها! فهذه الجمعيات ليست «قادرة» ولا هي مؤهلة لـ «التصويت» أو المناقشة أو حتى إبداء الرأي في الغالبية العظمى مما يعرض عليها من أوراق، وينحصر دورها في «التصديق» بالتزكية هي هذه «الوريقات» بدون قراءة ناقدة فاحصة متأنية.
وقد جاءت «تجربة» إنشاء «مجالس أعضاء الشرف» بطرق نظامية كمحاولة بديلة لتطوير دور الجمعيات العمومية من أعلى، وجرى منح هذه المجالس صلاحيات تفوق في أوجه منها صلاحيات الجمعيات العمومية ، غير أن هذه المجالس، ومع التقدير الكامل للدعم والجهد الكبيرين اللذين قدمهما بعض أعضائها المميزين القادرين، إلا أنها فشلت في النهاية في مواصلة عملها وتقف دورها عملياً، لأنها لم تقم على «إرادة» صريحة واضحة تمثل تمثيلاً قوياً القاعدة الأساسية الاجتماعية التي ينتمي إليها كل نادٍ.
لقد ظلت مجالس أعضاء الشرف تعتمد على تمويل عضوين أو ثلاثة من أعضاء الشرف في كل ناد، ونظرنا لمحدودية إمكانيات الأشخاص فقد توقف «دعم» هؤلاء الأعضاء عند مرحلة ما، وهذا أمر طبيعي، على الرغم من الأفكار واللوائح التي وضعت لتنظيم عمليات الدفع والعضوية لتشمل مجمل الأعضاء إلا أنها لم تنجح إلا لمرحلة محدودة. لقد توقف دور هذه المجالس لأن «بعضاً» من المنتمين إليها لم يتقدموا للعضوية بدافع «الانتماء» إلى هذا النادي أو ذاك، وإنما بدوافع وعلاقات وحسابات شخصية لا تتعلق بالنادي في كثير من الحالات.
إن إصلاح أوضاع الأندية الرياضية لا يتعلق فقط بإصلاح أحوال الجمعيات العمومية أو مجالس الشرف أو الانتخابات التي يطالب البعض بإجرائها «فعلياً» من خلال الجمعيات، وضرورة وجود برامج محددة للمرشحين، وما إلى ذلك من «الأفكار الوردية». كل هذا «صحيح».. «جميل».. ومطلوب على نحو ما، غير أن «الشكوك» و«التحفظات» تحيط بامكانية نجاحه في نهاية الأمر، لأن هناك «معضلة» رياضة تتمحور في وجود: قصور «تعريفي.. معرفي» في «ثقافتنا الرياضية» عامة، فهذه «الثقافة الرياضية» «المحلية» الطابع، لا زالت تعاني من انغلاقها على «مفاهيم» و«توهمات» و«مرتكزات» عفا عليها الزمن، وتجاوزتها الأحداث والتطورات، كما أن هذا الانغلاق لا يترك مساحة كافية لطرح أفكار تطويرية بالأندية، ويجنح دوماً لوأدها قبل أن ترى النور بفعل وقوة عوامل ومتغيرات متباينة.
إن الإصلاح المرجو في أنديتنا الرياضية في حاجة إلى البحث عميقاً في جذور «ثقافتنا الرياضية» ومحاولة تحليلها.. واستصفاء ايجابياتها.. وطرح شوائبها، والخروج بمفاهيم وأسس وأطر صالحة لـ «رياضة عصرية» «خادمة» للمجتمع وشبابه على وجه الخصوص، ولا تمثل عبئاً عليه!؟