الرئيسية > مقالات اليوم

السياسة الخارجية.. الأدوات المساعدة


د. صالح النملة

إن هذه القوى في لبنان والتي تلعب دوراً هاماً في صياغة الوضع اللبناني هي كذلك ذات أبعاد خارجية، حيث جاءت زيارة البطريك صفير لفرنسا لتعيد للأذهان الدور الكبير الذي تلعبه فرنسا في صياغة الوضع اللبناني الداخلي وأن مثل هذه القوى التي تستنجد بقوى خارجية للتقوي بها تلعب دوراً حاسماً في تحديد السياسة اللبنانية وبالتالي الوضع اللبناني.

يذهب طلاب ودارسو العلوم السياسية وخصوصاً في مجال السياسة الخارجية في علم العلاقات الدولية إلى إعطاء السياسة الخارجية بعداً واسعاً في دراسة وتحليل سلوك الدول في البعد الدولي والخارجي، وكان العديد من الدراسات أعطى البعد الداخلي للدول كمحرك حقيقي لأهداف السياسة الخارجية وسلوكها، ثم بعد ازدياد وتعاظم التواصل الدولي أصبح البعد الخارجي وطبيعة النظام الدولي عاملاً هاماً في تحديد معالم السياسة الخارجية للدول، بحيث أصبح حدثاً دوليا يلعب دوراً هاماً في تحديد مواقف الدول ومنطلقاتها السياسية. واليوم مع تعقد المواصلات الدولية واتصالاتها أصبح هناك تلازم كبير وقوي البعد الداخلي والبعد الخارجي في رسم السياسة الخارجية وتحديد ملامحها بحيث أصبح أي حدث دولي له أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية في مناطق أخرى من العالم وذا جوانب داخلية بحتة.

على المستوى التقليدي لدراسة السياسة الخارجية فإن هناك عوامل للسياسة الخارجية تجعل من الدولة أي دولة قادرة على استخدام هذه العوامل في السياسة الخارجية من أجل تعظيم مكاسبها ومصالحها والتخفيف من الجوانب السلبية في عامل المصالح الوطنية.

ولعل أبرز هذه العوامل هي:

1- البعد العسكري، أي استخدام القوة العسكرية من أجل تحقيق المصالح السياسية الوطنية وكان هذا العامل هو الأكثر أهمية في السابق، وعندما قل بريق هذا البعد مع التوازن النووي والحرب الباردة والقدرة على التدمير المتبادل أصبح استخدام القوة العسكرية أقل إمانية وأصبح هناك ما يعرف بالحرب بالوكالة، أي الحروب الاقليمية الصغيرة التي كانت تقوم من حين إلى آخر نتيجة لتلافي القوى العظمى للتصادم المباشر إلاّ ان استخدام القوة العسكرية في تحقيق الأهداف السياسية والوطنية عاد إلى الفاعلية بعد ضغوط الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة، وتحول النظام الدولي إلى نظام أحادي القطبية.

2- البعد الاقتصادي، وهو العامل الأكثر أهمية في هذه المرحلة التاريخية، حيث أصبح استخدام مفهوم البعد الاقتصادي سواء اكان سلبيا أم إيجابيا من العوامل الأكثر فاعلية في السياسة الدولية، حيث أصبح يستخدم من أجل انجاح تجربة معينة أو من أجل اضعاف قوة معينة يتم محاصرتها اقتصادياً فترة طويلة من أجل اضعاف هذه القوة حتى يتم تحويلها إلى السير وفق التوجه المصلحي للدولة القوية أو الفاعلة، أو يتم استخدام الحصار الاقتصادي من أجل اضعاف الطرف الآخر من أجل ان يكون هدفا عسكريا سهلا يمكن تحقيق الهدف بدون تكاليف باهظة.

3- وهناك ما يسمى بالبعد البشري أو السكاني، من حيث أعداد السكان وقدراتهم التعليمية والتدريبية والتكنولوجية، وكذلك التوزيع السكاني على الرقعة الجغرافية، كل هذه العوامل تجعل من الدولة قوة فاعلة أو ضعيفة قادرة ان تؤثر في سياستها الخارجية أو يؤثر عليها.

4- الموقع الجغرافي، وهو من العوامل الأكثر ثباتا من حيث التغيير والتحول وهو من العوامل الذي يعطي بعداً طويل الأمد للسياسة الخارجية، بحيث يصبح التغيير في أهداف وأسلوب السياسة الخارجية غير وارد من مرحلة إلى أخرى.

5- الموارد الطبيعية التي تشكل السياسة الخارجية وأبعادها وتأخذ الطابع والأهمية الذي تشكله هذه الموارد الطبيعية للنظام الدولي.

إلاّ ان من الأدوات المساعدة للسياسة الخارجية عوامل متغيرة غير واضحة تأخذ الطابع الإنساني والثقافي، ولعل من العوامل هو البعد المؤسسي وخصوصاً بعد القوى الاجتماعية، ولعل تسليط الضوء على الحالة اللبنانية اليوم يعطي مثلا واضحا على هذا الاستخدام للأدوات المساعدة الأخرى لتحقيق أهداف السياسة الخارجية.

إن قرار الأمم المتحدة القاضي بانسحاب القوات السورية من لبنان يدفع لقراءتين رئيسيتين فيما يخص هذا البعد من وجهة استخدام أدوات السياسة الخارجية:

الأول: ان هذا القرار يدفع إلى مصلحة لبنان وانسحاب القوات الأجنبية، مما جعل لبنان يتطور سياسياً بطريقة طبيعية وتبلور قواه السياسية بشكل بعيد عن المؤثرات الخارجية.

وأن الحرص من القوى المتعددة على مستقبل الديمقراطية في لبنان يدفع إلى إبعاد أي تأثير خارجي على لبنان من أي جهة كانت، ولذلك جاء هذا القرار من المنظمة العالمية.

الثاني: وهو أن لبنان كما كان سابقاً ساحة لصراعات بيت قوى مختلفة، سواء اكانت داخلية أم خارجية، وأن هذه الصراعات كانت تعيد ربط هذه القوى الداخلية بالبعد الخارجي أو كما يعرف بارتباط بعض هذه القوى بمصالح خارجية.

ومن هذا المنطلق فإن الأدوات المساعدة لتحقيق السياسة الخارجية اللبنانية هو هذه القوى التي لها هذه الارتباطات المتشعبة ولكون لبنان بلدا صغيرا ومحدود الامكانيات فإن ذلك انعكس بشكل عكسي على استخدام هذه القوى حيث بدل من تحقيق مصالح لبنان العليا أصبحت تصب في مصالح هذه القوى، حتى وإن كانت في بعض الأوقات تتضارب مع المصالح العليا الوطنية للبنان.

إن هذه القوى في لبنان والتي تلعب دوراً هاماً في صياغة الوضع اللبناني هي كذلك ذات أبعاد خارجية، حيث جاءت زيارة البطريك صفير لفرنسا لتعيد للأذهان الدور الكبير الذي تلعبه فرنسا في صياغة الوضع اللبناني الداخلي وأن مثل هذه القوى التي تستنجد بقوى خارجية للتقوي بها تلعب دوراً حاسماً في تحديد السياسة اللبنانية وبالتالي الوضع اللبناني.

إلا أن الأهم في دراسة ومراقبة السياسة الخارجية وآلية عملها، هو هذا الاستخدام للأدوات المساعدة لتنفيذ السياسة الخارجية للدول الكبرى، حيث لديها الآلية والامكانيات للعب مثل هذا الدور من أجل التأثير على دول أخرى باستخدام هذه الأدوات المساعدة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة