الرئيسية > مقالات اليوم

مفهوم الإرهاب


د. فوزي الاسمر

منذ أحداث الحادي عشر من أيلول - سبتمبر 2001، وموضوع الإرهاب مطروح على الساحة الدولية والقطرية بشكل مستمر، وذلك في محاولة لإيجاد سبيل لمكافحته والانتصار عليه، إلا أن الجهود التي بذلت لتحقيق هذا الهدف باءت جميعها بالفشل، لأسباب كثيرة، فبدلا من تقليص قوة الإرهاب وفعاليته، زادت هذه القوة.

السبب في هذا التخبط يعود إلى الفشل الذريع الذي واجهته كل المحاولات التي بُذلت لتعريف الإرهاب، والفصل بين الإرهاب وبين مقاومة الاحتلال، أو الحرب من أجل التحرر والاستقلال، فكل متابع للحوارات التي دارت في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وغيرها من المحافل الدولية المعنية بالأمر، والتي حاولت مناقشة موضوع تعريف الإرهاب، يرى هذا المتابع أن العقبة الأساسية تكمن في تعنت بعض الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل، بوجوب عدم تعريف الإرهاب.

إضافة إلى ذلك، فإن اصرار هذه الدول على وضع جميع المنظمات المقاتلة ضد الاحتلال والغزو، والتي تعمل على الوصول إلى استقلال، وتلك التي تقود عمليات إرهابية حقيقية، وضعها في بوتقة واحدة، جزء المواقف الدولية وجعلها متفاوتة ومتناقضة في كثير من الأحيان.

كما أن إسقاط فكرة «ارهاب الدولة»، أي الدولة التي تقوم بعمليات ارهابية، من جدول أي أعمال في هذا المضمار، خلق مزيدا من التفاوت في تحديد مفهوم الإرهاب.

وإذا كان التعريف القانوني للارهاب هو استعمال العنف ضد المدنيين، بهدف تحقيق مآرب سياسية أو اجتماعية «على سبيل المثال قتل الأطباء الذين ينفذون عمليات الاجهاض، وتدمير المراكز التي تمارس بها هذه العمليات» فان المفهوم الأمريكي لا يتماشى مع ذلك، لأسباب سياسية محضة في النظرة الشمولية للولايات المتحدة، فلكي تحمي أمريكا إسرائيل، على سبيل المثال، أدرج اسم «حزب الله» على قائمة الارهاب الأمريكية، على الرغم من أن حزب الله قاتل الجيش الاسرائيلي المحتل ولم يقم بقتل المدنيين، في حين معظم ممارسات اسرائيل في لبنان وفلسطين هي ضد المدنيين.

فمنذ وصول جورج بوش الابن إلى البيت الأبيض عام ألفين، وهو يحاول أن يقنع العالم بوجهة نظرة بالنسبة للإرهاب، فقد صنف بعض الدول على أنها «محور الشر» وأخرى انها تتبنى الارهاب، ووضع المفهوم الأمريكي للإرهاب، والذي تلخص في أن كل دولة لا تقبل هذا المفهوم، ستكون إما مشجعة للإرهاب، أو متبنية له، أي أنها تقف مع الجانب الآخر.

فإدارة جورج بوش الحالية، لا ترى، على سبيل المثال، أن السياسة الاسرائيلية، في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية هي سياسة إرهابية وعلى جميع المستويات، فإسرائيل تقوم بقتل المدنيين الفلسطينيين، ونسف منازلهم، وانزال العقاب الجماعي على سكان الأراضي المحتلة، أي سياسة الدولة هي سياسة إرهابية، وحين ترد المقاومة الفلسطينية على هذه الأعمال الإرهابية فإن بوش يتهمها بالارهابية.

ونفس الشيء ينطبق على العراق، الاحتلال الأمريكي هو الذي جعل العراق مسرحا لأعمال المقاومة ضده، وطبعا يعتبرها الامريكيون أعمالا إرهابية.

والصورة متشابهة: إن قوانين العالم تسمح لأي شخص، يقوم غريب باقتحام منزله، ومحاولة السيطرة عليه واستغلال ما لديه من أموال، بأن يقوم صاحب البيت بالدفاع عن نفسه، حتى لو أدى ذلك إلى قتل المعتدي أو المحتل، في هذه الحالة يكون صاحب البيت غير مذنب، والقانون يحميه.

فالادارة الأمريكية مصممة على دفع مفهومها للارهاب قدما، بل إن هذه الادارة أخذت تطور تطبيقها لمكافحة الإرهاب من وجهة نظرها، لتصبح بمثابة مخطط يهدف إلى الإطاحة بأنظمة لا تسير حسب المخطط الأمريكي.

ففي الخطاب الذي ألقاه بوش يوم تنصيبه للمرة الثانية رئيسا للجمهورية في العشرين من كانون الثاني - يناير 2005، قال بوش موجها كلامه إلى شعوب العالم «كل الذين يعيشون تحت نظام استبدادي ويشعرون بضياع الأمل، يجب أن يعرفوا، أن الولايات المتحدة لن تهمل الاضطهاد اللاحق بكم، وعندما تهبون من أجل حريتكم، سنقف إلى جانبكم».

هل هذا الكلام ينطبق مثلا على الشعب الفلسطيني؟ لا أعتقد أن بوش وجه كلامه هذا للفلسطينيين، كما أن بقية ما ورد في هذا الخطاب، تشير إلى تطلعات الإدارة الأمريكية عالميا، وسيحمل بوش في رحلته القادمة إلى أوروبا وجهات نظرة هذه محاولا اقناع القادة الأوروبيين بها الشيء الذي لن يكون سهلاً.

كيف يمكن أن يقنع الأوروبيين بأن دولة مثل العراق أو ايران تشكل تهديدا على أمن الولايات المتحدة، وهي تبعد أكثر من ستة آلاف ميل عنها، في حين أن دولة مثل كوبا لا تشكل تهديدا، وهي تبعد عدة اميال عن الحدود الأمريكية؟ وكيف يمكن أن يقنعهم بأن النظام في فينزويلا، والذي انتخب ديمقراطيا، هو نظام غير شرعي، ويجب التخلص منه.

من مصلحة العالم القضاء على الإرهاب الحقيقي وبجميع أشكاله، ولكن هذه العملية تحتاج إلى مكانيكية تنفيذ موحدة، والتي لا يمكن أن تتم بدون تفسير واضح لمفهوم الارهاب، وفصل كامل بين الإرهاب والمقاومة الشرعية، اضافة إلى نبذ الشمولية في هذا المجال عن طريق دمج مفاهيم عامة، على غرار «الارهاب الاسلامي» فمثلا العمليات التي يقوم بها الجيش الجمهوري الايرلندي، والتي أدت إلى مقتل الكثير من المدنيين لا تذكر ضمن التيارات الارهابية، ولا تصنف على أساس «الإرهاب الايرلندي».

ومن المهم بمكان ليس فقط أن يخرج المؤتمر الدولي للإرهاب الذي عقد في مدينة الرياض بتوصيات تتعلق بتحديد مفهوم الإرهاب، بل بامكانية تنفيذ هذه التوصيات، ونشرها في العالم، ومتابعة تطورها، والمساهمة الفعالة في إقناع العالم بوجهة النظر هذه.

لقد خسر العرب الكثير من الجولات لأنهم لم يقيموا آلية تنفيذ، ومن أهم الخسارات كان مشروع الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي عهد المملكة العربية السعودية، والذي تبنته القمة العربية في بيروت في أواخر التسعينات من القرن الماضي، واستطاع أن يجذب الأنظار إليه، وحتى موافقة بعض الدول الكبرى عليه، بما فيها الولايات المتحدة لأنه كان يحمل حلا شاملا للسلام في الشرق الأوسط، ولكن لم يسوق له للرأي العام العالمي، الشيء الذي فتح المجال أمام إسرائيل والصهيونية بمحاربته وبالتالي اسقاطه من جدول الأعمال.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة