الرئيسية > شؤون دولية

خالد مشعل في حوار مع «الرياض»:

إصلاح البيت الفلسطيني يجب أن يطرح بالتوازي مع المقاومة



أجرى الحوار - حسن المصطفى

يعتبر خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، من ابرز الشخصيات الفلسطينية المتبنية نهج المقاومة، والرافضة لاتفاقات اوسلو، التي عقدتها السلطة الفلسطينية مع (اسرائيل). الا انه ورغم تصلبه في معارضة المشروع السلمي الأمريكي الإسرائيلي، يبدي مرونة كبيرة، وحنكة عالية في التعاطي مع الملف الفلسطيني الداخلي، محاولا عبر الحوار، والحوار فقط، حل جميع الإشكاليات القائمة بين فصائل المعارضة والسلطة. ولذا ليس من الغريب ان يصفه رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس ابو مازن، بالرجل السياسي والبرغماتي.

«الرياض»، وبعد ان التقت الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، الدكتور رمضان عبدالله شلح، وعضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية، مسؤول قيادة الخارج، الدكتور ماهر الطاهر. تعود «الرياض» لتكمل ملفها بلقاء مشعل، والذي فتحت معه العديد من القضايا والملفات الساخنة فلسطينيا، ابتداء بالانتخابات الرئاسية والبلدية، وموقف (حماس) من الواقع الفلسطيني الجديد، عقب انتخاب ابو مازن رئيسا للسلطة. وصولا لتناول ملفات الإصلاح، والهدنة، وعلاقة (حماس) مع أبومازن، وغير ذلك من الموضوعات الحيوية. وهنا نص الحوار:

فلسفة المشاركة

في الانتخابات البلدية

٭ لنبدأ حوارنا من ابرز ما حققته (حماس) في الساحة الفلسطينية مؤخرا. فبعد فوزها في اثني عشر مجلسا بلديا في الضفة، هاهي تعود وتحقق النصر ثانية في القطاع بتسع قوائم، اي ان جميع قوائمها فازت دون استثناء. هذه المشاركة، وهذه الحماسة من قبلكم، ضمن اي سياسة يمكن قراءتها، وكيف تفسرونها للمراقب؟ خصوصا وأنكم خضتم منافسة انتخابية ضمن سقف اوسلو الذي ترفضونه. هل يمثل ذلك تغيرا في سياسة الحركة؟.

- البلديات هي اطر نقابية ومهنية تقوم بواجب الخدمة للشعب الفلسطيني، اي انها ليست اطرا سياسية محكومة بسقف سياسي ما. والدليل ان هذه البلديات كانت تجري انتخاباتها في زمن الاحتلال، وآخرها كان العام 1976. ونحن وحتى قبيل وصول السلطة الفلسطينية، كنا نسعى الى اعادة الانتخابات، وربما حصل شيء من التوافق، الا انه مع قدوم السلطة العام 1994، لجأت السلطة الى التعيين، وتحاشوا عمل الانتخابات، وكان ذلك امرا خاطئا، والآن يتم تصحيح هذا الخطأ. ولقناعتنا بأهمية هذه الانتخابات نقوم بالمشاركة فيها انطلاقا من فلسفتين: الأولى، خدمة الإنسان الفلسطيني وتخفيف معاناته، وتوفير ما يحتاجه من مستلزمات ضرورية للحياة اليومية الكريمة.

و(حماس) معروف عنها تفوقها وخبرتها في حقل الخدمات الاجتماعية منذ عقود. اما الفلسفة الثانية، فهي تعزيز الروح الديموقراطية والمؤسسية في الحياة الفلسطينية. لأنه عندما تغيب الديموقراطية ومؤسساتها والانتخابات، فإننا نكون قد خسرنا كثيرا.

انتخابات فصلت على مقاس أبومازن

٭ فيما تحدثت عنه من تعزيز للروح الديموقراطية. الا ترى ان في كلامك نوعاً من البرغماتية النفعية. فأنتم من جهة هاجمتم الانتخابات الرئاسية وقاطعتموها قبل وقوعها، واعتبرتموها «فصلت على مقاس ابومازن»، كما جاء على لسان محمد نزال. فيما انتم تشاركون وتمتدحون الآن، لأنكم واثقون من فوزكم في البلديات، في حين كان فوزكم مشكوكا به لو رشحتم او دعمتم احدا في الرئاسة؟.

- هنالك اصل، وهنالك استثناء. الأصل، ان تكون هنالك انتخابات، وأن يمارس الشعب الفلسطيني حقه في الديموقراطية. اما الاستثناء فيكون، عندما نرى ان هنالك انتخابات ما، مصابة بخلل، فإنه من حقنا ان ننتقد. عندما يأتي شخص مثل بوش ويرفض اجراء انتخابات ايام الرئيس ياسر عرفات، والآن بعد رحيله، يتكلم عن ضرورة اجراء الانتخابات، بل، ويشترط ان تفرز قيادة فلسطينية بنهج جديد!. بمعنى انه يريد ان يحكم نتائج الانتخابات سلفا. في مثل هذه الحال، من حقنا ان نسأل، لصالح من مثل هذا الطرح. ومع ذلك، فنحن لا نشكك في الأشخاص، وإنما ننتقد. ثم، هنالك اخطاء وثغرات في قانون الانتخابات، وفي السجلات التي يحتكم اليها الناس، وفي آليات الانتخاب، واللجان المشرفة عليها، وفي كل التجاوزات التي انتقدها غيرنا، وانتقدها المراقبون الدوليون قبل ان تنتقدها (حماس). هذه ليست انتهازية، وإنما نحن نأتي الى شكل من اشكال الانتخاب، وإن وجدنا فيه العوامل التي تسمح بالمشاركة، نشارك، وإلا، لا.

٭ لكن على العكس من كلامك، هناك من يرى ان من اهم اسباب مشاركتكم في الانتخابات البلدية، هو محاولتكم الحصول على حصص ومقاعد وتعزيز قاعدتكم الشعبية من جهة. ومحاولة توجيه رسالة الى السلطة من جهة ثانية، تقولون فيها بأنكم في (حماس) نجحتم فيما لم تنجح فيه السلطة، واستطعتم ان تعطوها نموذجا للعمل الشعبي المؤسس الناجح، توصلون من خلاله رسالةمفادها، ها نحن نحصد نجاحات متتالية، فيما أنتم من فشل إلى فشل منذ أوسلو وإلى اليوم.

- (حماس) لا تنطلق في منطقها من منطلق التظاهر والادعاء، أو النكاية بالآخر.. كما أنها ليست بحاجة لإثبات وجودها، لأن العالم يشهد به.. وحتى أعداءنا يقرون بذلك.. والذين في فترة من الفترات استعانوا باستطلاعات الرأي ليقولوا بأن شعبية (حماس) متراجعة، خصوصاً بعد رحيل السيد ياسر عرفات، جاءت نتائج الانتخابات البلدية في الضفة الغربية وقطاع غزة لتقول غير ذلك، وتؤكد حضور (حماس) وشعبيتها الكبيرة.

شركاء في الدم.. شركاء في القرار

٭ حتى هذه الانتخابات التي تتحدث عن فوز (حماس) فيها، هي دليل آخر على جو المحاصصة والنزاع.. وما يدل على ذلك الجدل حول النتائج في الضفة بين (حماس) و(فتح)، وعدد مقاعد وبلديات كل تنظيم.. والصدام الذي حصل بين أنصار (حماس) و(فتح)، عقب الاحتفال الذي نظمه مناصروكم ابتهاجاً بفوزكم في الضفة.. كما أن ذات الحديث عن المحاصصة، أثير كأحد العوامل المؤجلة لدخولكم في منظمة التحرير، كونكم تصرون - كما يقال - على تمثيل نسبي لكم يضمن عدداً محدداً من المقاعد يعتد به.

- كنا في غنى عن هذه المعركة الإعلامية القصيرة التي حصلت حول المقاعد، وعدد الدوائر التي فاز بها كل فصيل.. لكن ما الذي ألجأنا إلى كل ذلك؟.. ما دفع بهذا الاتجاه، هو عندما تشعر بأن هناك رغبة لإقصائك، وعدم الاعتراف بحجمك الحقيقي، فمن حقك بعد ذلك أن تعبر بملء فيك عن قناعتك، وتكشف الحقيقة للناس.. ولذلك نحن لا ننطلق من فلسفة إلغاء الآخر.. وقلنا إلى الاخوة في (فتح)، وفي جميع الفصائل، نحن شركاء في الدم، وشركاء في القرار، ونحن نريد أن نتعاون وأن تكون هنالك شراكة حقيقية، دون استفراد طرف دون آخر.

٭ هذه ليست أول مرة استمع فيها لخالد مشعل وهو يتحدث عن عدم قبول (حماس) بأي اقصاء أو تحجيم يمارس ضدها، تلازماً مع رفضه أن تمارس (حماس) هذا التحجيم تجاه أي طرف آخر.. لكن ما يثير السؤال هنا، هو أن من يستمعك يشعر وكأن لدى حماس شعور دائم بغبن وإقصاء تمارسه تجاهها «فتح)»؟

- تعيش (حماس) هذه الأيام أجواء حوار مع الاخوة في السلطة، ولذلك أنا لا أريد أن أعكرها.. ولكن دعني أتحدث بشكل عام.

إن رصد التجربة الفلسطينية في العقود الماضية يشير إلى أن هنالك نهج تكرس، وهو نهج التفرد، مع استيعاب الآخرين بصيغ ليست قائمة على الشراكة الحقيقية، وإنما على تفرد فصيل واحد، مع وجود أدوار مكملة ثانوية، لإعطاء الصورة الديمقراطية للتجربة.. وأنا أقول، ان هذا النموذج لا يمثل الديمقراطية الحقيقية، كما أنه لا يناسب (حماس)، ولا حجمها.. ومن هنا قلنا لإخواننا في (فتح)، إن لهم دورهم وتاريخهم الذي نقدره، ولا أحد يستطيع أن يزايد على حركة (فتح) في تضحيتها ونضالها، ولكن دعونا نقرأ واقع الساحة الفلسطينية.. اليوم هنالك خارطة فلسطينية، فصائلية، جديدة، ينبغي أن نعكسها في أي صيغة تعاون وتعامل، وهذه هي الديمقراطية، وهي الاحتكام إلى رأي الشارع.. كما قلنا لهم تعالوا، فإما أن نتفق على مرجعية وصيغة لإدارة القرار بالتوافق والتراضي، أو نحتكم إلى الشارع بالانتخابات.. أما أن تظل عقلية الهيمنة والتفرد، فهذا أمر غير مقبول. لا أقبله من غيري، ولا أقبله من نفسي.

٭ بعيداً عن الدائرة الضيقة للانتخابات البلدية.. ماذا عن الانتخابات التشريعية القادمة؟ لحد الآن موقفكم غير محسوم، وضبابي منها.. هل ستشارك (حماس) فيها أو لا؟

- بكل وضوح ودقة، نحن ما زلنا ندرس هذا الأمر، في مؤسساتنا القيادية، في الداخل وفي الخارج، ولم نحسمه بعد.

٭ ما هو سبب عدم الحسم هذا؟

- الأمر يحتاج إلى دراسة متأنية، لأن الواقع الراهن لا تستطيع فيه بتلقائية أن تستدعي موقفك القديم عام 1996م لتطبقه اليوم بشكل تلقائي، ولتقول سأقاطع كما قاطعت.. ولا تستطيع في المقابل أن تقول ان الظرف تغير، ولذا سأشارك بتلقائية، بعيداً عن الدراسة.

٭ لو انتقلنا إلى ما قام به أبومازن من خطوات يعتبرها مهمة في بسط سيرة ونفوذ السلطة والأمن.. فهو من جهة، دمج الأجهزة الأمنية في ثلاثة أجهزة، ونشر مئات المسلحين في القطاع، وأزال الأبنية غير الرسمية الممتدة على ساحل المتوسط، كخطوة لفرض هيبة الدولة.. هذه الخطوات كيف تقرأونها؟ وهل تعتبرونها المدخل الصحيح نحو الإصلاح؟

- نحن لا اعتراض لنا على مثل هذه الممارسات على الأرض، طالما هي لا تمس حقوق شعبنا، وخاصة حقه في المقاومة والدفاع عن نفسه.

ضبط سلوك الأجهزة الأمنية

٭ لكن برأيك هذا الكم من قوات الأمن الفلسطينية الواقفة على الحدود وخطوط التماس، ما هي وظيفتها؟ أليس موكول لها أمر وقف الهجمات على (إسرائيل)، ومنع تسلل المقاومين لها؟

ضبط سلوك الأجهزة الأمنية

- نحن في فصائل المقاومة نريد أن ندير الصراع بشكل جيد.. بحيث نحافظ على حقنا في المقاومة، دون الانجرار لاقتتال داخلي.. وحتى تدير هذه المعادلة بشكل ناجح، أنت بحاجة إلى مواقف دقيقة جداً.

إن عتبنا وانتقادنا على السلطة، انه عندما كنا وآخرون نطالب بضبط سلوك الأجهزة حتى لا تؤذي الشعب الفلسطيني، وكانت الدعوة إلى مثل هذا التصويب، لم يكن أحد يستمع لنا.. وعندما كنا ندعو إلى الإصلاح، لم يكن أحد يلتفت له.. وعندما جاءت الدعوة من الخارج، بدأت الاستجابة لهذه الأصوات!

عندما كان المخلصون من الشعب الفلسطيني، يقولون، لماذا كل هذا العدد من الأجهزة التي تتصارع أحياناً على ظهر الإنسان الفلسطيني، لم يكن أحد يسمع.. أما الآن عندما أصبح توحيدها في ثلاثة أجهزة، من متطلبات خارطة الطريقة، وكانت في ذلك الوقت يراد إخراجها من تحت سيطرة ياسر عرفات أصبح التنفيذ سريعاً.

التعديات التي تتم ازالتها من على الشواطئ، هي لأفراد في أجهزة الأمن الفلسطيني، وضباط كبار في هذه الأجهزة.. وهذا جزء من نقدنا، ليس في (حماس) فقط، بل لدى عامة الشعب الفلسطيني.

٭ يفهم من كلامك أنكم في حماس لستم ضد توحيد الأجهزة الأمنية..

- نحن لسنا ضد توحيد هذه الأجهزة.. لكنني أضيف هنا، ان الأمن الفلسطيني معياره الأساسي، أن يكون في خدمة الشعب، للمحافظة على الأمن الفلسطيني، وليس الأمن الإسرائيلي.. يوم أن تحصر مهمة هذه الأجهزة في حماية أمن شعبنا، وتصب في مصلحته وصالحه، فأهلاً وسهلاً بها.. وعندما تكون في خدمة الأمن الإسرائيلي، ولتحقيق استحقاقات أمنية على حساب المصلحة الفلسطينية، سنكون عندئذ، ضدها.

إصلاح البيت الداخلي

٭ لو أتينا لموضوع الإصلاح داخل البيت الفلسطيني.. في حديث سابق لك، أشرت أن الإصلاح الذي تريده حماس، ليس إصلاحاً منقوصاً يقتصر على الجانب الأمني وحسب.. بل إصلاح شامل تام، يشمل إصلاح الوضع الأمني، والسياسي، والاقتصادي، والإداري، والمالي.. وانتقدت حينها الحملة التي أديرت ضد الرئيس الراحل عرفات، لأن من حركوا ساعتها ملف الإصلاح حركوه لأسباب سياسية، وضمن دائرة ضيقة.. الآن، مع وجود أبومازن، والحوار الذي دار بينكم وبينه.. في ظل هذا الحوار، هل تحدثتم معه حول موضوع الإصلاح الشامل؟ وهل يقتصر دور (حماس) في هذا المجال على النقد وفقط، أم لديها رؤيتها وبرنامجها الإصلاحي؟

- هذه نقطة جوهرية ومهمة.. وقد طرح موضوع الإصلاح مع الأخ أبومازن، لأن الإصلاح جزء من ترتيب البيت الفلسطيني.

في حواراتنا السابقة مع أبومازن، ومع كافة الفصائل الفلسطينية، كنا دائماً نتحدث عن عنوانين كبيرين.. العنوان الأول: إدارة المعركة مع الاحتلال الصهيوني.. والعنوان الثاني: ترتيب البيت الفلسطيني، وتحت هذا العنوان تندرج عناوين كثيرة، منها الإصلاح، والانتخابات، والديمقراطية، وإدارة القرار.. وكلها من مكونات ترتيب البيت الفلسطيني، حتى تكون جبهتنا الداخلية قوية بما يكفي لإدارة معركة طويلة المدى مع الاحتلال الصهيوني.

الآن، وفي جولات الحوار الأخيرة في غزة، جرى الحديث عن هذه المحطات.. كما أننا في (حماس) عندما نتحدث عن الإصلاح، فإننا لا نتحدث عنه من موقع افتراضي، أو نظري، أو من ترف.. وليس من موقع النقد فقط..

لكننا من جهة ثانية، لسنا وحدنا من نمتلك مفاتيح الإصلاح.. والمطالب أكثر بفعل الإصلاح، هو من يمتلك السلطة.. و(حماس) تختبر عندما تشارك في إدارة القرار الفلسطيني.. من هنا كانت دعوتنا متواصلة إلى إقامة شراكة حقيقية في إدارة القرار السياسي، - ولا أقصد المشاركة في السلطة - ومنذ شهور عديدة، عندما جرى الحديث عن الخروج من غزة، قلنا إلى الاخوة في فتح، وفي فصائل أخرى، تعالوا نتوافق كيف ندير هذه المحطة، وكيف ندير قطاع غزة، في حالة خرج العدو منه مدحوراً، بفضل ضربات المقاومة.

نحن نطرح مواقف، ومستعدون في ذات الوقت المشاركة في دفع استحقاقات هذه المواقف، والمشاركة في تنفيذها، وهنا الاختبار الحقيقي.

إن الإصلاح مسألة بالغة الأهمية في الساحة الفلسطينية.. لكن حذار من أن يطرح الإصلاح بطريقة خاطئة أولاً، وكبديل عن المقاومة، وعن المعركة مع العدو الصهيوني ثانياً.

نحن لسنا دولة مستقرة، معركتنا الأساسية هي الإصلاح الداخلي.. ولذا يجب أن يطرح الإصلاح بتواز مع المقاومة، لأن أساس الفساد هي (إسرائيل)، ومهما حاولت أن تصلح، فما دام هناك احتلال، فلن يكون إصلاحك تاماً كما ينبغي.. لأن العدو الصهيوني، بأجهزته الأمنية، وباختراقاته، يسعى إلى تخريب الساحة الفلسطينية.

نحن في هذه المرحلة، نطالب بإصلاح غير مجزوء، إصلاح يكون شاملاً، وبإرادة جماعية، يشمل الأبعاد المالية، والإدارية، والسياسية، والأمنية، والأخلاقية، لأنها كلها تحتاج إلى إصلاح.

٭ كلامك السابق يندرج تحت الخطوط العامة.. أنا أتساءل عن تفاصيل وملفات قدمتموها إلى أبومازن في هذا المجال..

- نحن تكلمنا عن العناوين، ولم نتحدث بعد في التفاصيل.. وعندما يأتي وقت التفاصيل، فنحن مستعدون لذلك.

٭ هل لمستم من أبومازن إرادة جادة نحو الإصلاح؟

- سمعنا منه كلاماً إيجابياً، والاختبار الحقيقي في التطبيق العملي.. الأخ أبومازن، في حديثه معنا، تحدث بلغة إيجابية حريصة على تحقيق هذا الإصلاح، ونحن سنختبر هذا الكلام الطيب، وهذه الرغبات، في الأيام المقبلة.

٭ لا أريد أن أسمي أسماء أنت أعلم بها مني تحيط بأبي مازن، وهي متورطة في الفساد.. وأكثر من ذلك، أن البعض يتهمها بالعمل لصالح مشروع أمريكي أو إسرائيلي.. في ظل وجود هذه البطانة الفاسدة، هل بمقدور أبومازن أن يحقق إصلاحاً حقيقياً وجدياً؟

- لاشك أن الواقع صعب، وعوامل التعطيل عديدة، وهناك خلط كبير في الساحة الفلسطينية، وأبومازن قالها شخصياً، ان مشكلته الأساسية ليست مع (حماس) أو (الجهاد)، فكثير من المشاكل هي بداخل السلطة، وبداخل القرار إطار حركة (فتح)، لأنها هي الحزب الحاكم، وهي الممسكة بكل مقاليد القرار والسلطة، وبالتالي، لا شك ان جميع هذه الأمور، عوامل ليست بالسهلة.. ولكن في النهاية، الحقائق على الأرض أقوى من أن يتجاوز أحد.. ولا يستطيع، لا الأخ أبومازن، ولا أي شخص يأتي إلى هرم السلطة، أن يتجاهل أن هناك وعياً فلسطينياً، وأن المشاكل باتت مفضوحة ومعروفة، وأن دون إصلاح حقيقي سيخسر الجميع، ولن ينجح أحد، ولن تسكت جماهير شعبنا الفلسطيني عن هؤلاء المفسدين.

٭ ضمن هذا الواقع المعقد الذي تحدثت عنه.. ما هي أولويات الإصلاح الذي تنشدونه؟

- إن كل جوانب الإصلاح لها أهميتها الخاصة، وليس لجانب أهمية أقل من الآخر.. لكن، دعني أعطي أمثلة محددة.. في الجانب الأمني، توحيد الاجهزة هذا اصلاح شكلي، لا بأس به، لكنه يظل شكليا. الاكثر اهمية ان تتحرك هذه الاجهزة ضمن اجندة وطنية فلسطينية، تحمي الامن الفلسطيني، وليس الامن الاسرائيلي. وبناء على ذلك، يجب ان يوضع على رأسها عناصر نظيفة، ونزيهة، ومؤمنة بهذا النهج، وليست محتقنة ضد فصائل المقاومة.

اما سياسياً، فالمطلوب التمسك بثوابت القضية الفلسطينية، بحيث يكون اي برنامج سياسي، مستند الى هذه الثوابت. وبالتالي اعتبار اي خروج عن هذه الثوابت انحرافا سياسياً.

اما مالياً، فالمطلوب هو، الشفافية، والضبط المالي لكل صغيرة وكبيرة، وممارسة العدل بين كل فئات الشعب الفلسطيني، وانهاء كل حالات الشللية والخاوات والسطو على مصالح الآخرين وخلط السياسة بالمال. بمعنى ان هنالك مجموعات متنفذة في موضوع المال، منذ بدأت أوسلو، كانوا يزاحمون ارباب التجارة والصناعة في الساحة الفلسطينية، ليس بقوة القانون، وانما بقوة الموقع السياسي، آخذين حقوق الناس. فضلا عن من وظف ماله ليس في ممارسات فاسدة فقط، بل تصب في مصلحة الاستيطان والعدو الصهيوني، مثل تجارة الاسمنت والحجارة الصغيرة (الحصمة)، والتي اشتغل فيها رجالات في السلطة، لمصلحة بناء مستعمرات يهودية.

ومن اهم ما نطلبه في عملية الاصلاح، هو ارساء روح المؤسساتية، وانهاء الشللية. هنالك مؤسسات لابد ان تحترم، ولا بد ان يكون القرار عبر هذه المؤسسات وليس من خارجها، كما لا يجوز تهميشها.

٭ كلامك عن المؤسسات المهمشة، هل تقصد به منظمة التحرير الفلسطينية؟

- كلامي لا يقتصر على منظمة التحرير فقط، رغم اهميتها الخاصة. وانما يشمل، مؤسسات السلطة، والمجلس التشريعي، والوزارات، والنقابات، والبلديات. وكلها ينبغي تفعيلها على اساس ديمقوراطي عبر انتخابات حرة ونزيهة، يحتكم فيها الى رأي الشارع، ويشارك فيها الجميع دون ان يستفرد بها احد دون آخر.

٭ دائماً ما تطالب في حديثك هذا بضرورة المشاركة في ادارة القرار الفلسطيني. هذه الادارة للقرار السياسي خصوصاً، وفق اي آلية يمكن تحقيقها حسب وجهة نظركم؟

- نحن طرحنا صيغة قلنا فيها، لابد من تشكيل مرجعية فلسطينية عليا، تكون هي صاحبة الشأن في القرار السياسي الفلسطيني، وتحكم كل قرار سياسي، وتشارك في هذا القرار جميع القوى.

٭ كيف يمكن تحقيق هذه المرجعية عمليا على الأرض؟

- هذه المرجعية من الممكن ان تتم في المرحلة الاولى بالتوافق عبر حوار وطني صريح وشفاف بين جميع القوى، ثم بعد ذلك نحتكم الى الانتخابات. الآن في سياق هذا الحوار، طرح الأخوة ان منظمة التحرير هي هذه المرجعية، فقلنا - لاننا طالبنا ان تكون هذه المرجعية شاملة الداخل والخارج، اي تشمل كل الشعب الفلسطيني - نحن موافقون على ذلك، بشرط ان يعاد الاعتبار الى منظمة التحرير، ثم يعاد بناؤها على اسس ديموقراطية جديدة، بناء على التوافق بين جميع القوى. وهذا الامر طرحناه على الأخ ابو مازن هنا في دمشق، وتحدثت معه انا شخصيا، وكنا طرحناه عليه منذ سنتين من الآن، وجرى الحديث حوله ايضاً في حوارات غزة الأخيرة.

٭ برأيك، ما الذي يؤخر قيام مثل هذه المرجعية؟

- الآن سمعنا من الأخوة في (فتح) ومن الأخ ابو مازن، انهم شكلوا لجنة لهذا الغرض، يرأسها الاخ ابو الاديب. ونحن الآن نجري حوارات مع الأخوة في السلطة وفي فتح من اجل الوصول الى الآلية الصحيحة لاجراء هذا الحوار، بحيث نتحاور كيف نعيد بناء المنظمة، وكيف نعيد لها الاعتبار، وكيف نفعلها، لكي تكون هي الاطار الجامع للشعب الفلسطيني، وعندها تشارك فيها (حماس) و(الجهاد) وتعيد المشاركة فيها، الفصائل التي خرجت منها، او جمدت عضويتها.

٭ الا تعتقد ان المسألة تتعدى اصلاح منظمة التحرير، الى جدوى هذه المنظمة ومدى قدرتها على ان تكون اطارا جامعاً وفاعلاً ومؤثراً على الساحة العملية الفلسطينية!.

- نعتقد انه يمكنها القيام بهذا الدور. لانها اطار يشمل الداخل والخارج، واطار له تاريخه وتجربته، ويمتلك شرعيته الدولية والكثير من المقومات التي من الممكن ان تجعله ناجحا. ولكي تقوم المنظمة بهذا الدور لا بد من اعادة بنائها على اسس سياسية وتنظيمية جديدة، وان يخطو الأخوة في (فتح) والسلطة بهذه الخطوة الجادة ويلتزموا باستحقاقاتها، وان يتعاطى معها الموقف العربي الرسمي بإيجابية، وباعتبارها ممثلة للشعب الفلسطيني وفصائله.

٭ من الجميل والمهم ان يعاد ترتيب منظمة التحرير وان تمثل مرجعية عامة للشعب الفلسطيني. لكن بالمقابل، الا تخافون ان يشكل ذلك نوعا من ازدواجية المرجعيات، وبالتالي ازدواجية القرار، وربما تضاربه، بين السلطة ومنظمة التحرير، ما يخلق مشكلات جديدة ومعقدة، الشعب الفلسطيني في غنى عنها؟

- في هذه الحالة الوضع سوف يكون اقل اشكالاً. لماذا؟ لان اطار المسؤولية مختلف. فالسلطة مسؤوليتها في الضفة والقطاع. والمنظمة سيكون اطارها الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج. اذن فأنت تتحدث عن مساحتين مختلفتين من المسؤولية.

٭ لكن اليس من المحتمل ان تصدر قرارات متضاربة بين هذين الاطارين؟

- احيانا في مساحة مشتركة واحدة، يكون هنالك اكثر من مستوى، ومع ذلك يستقيم الامر. فكيف عندما يكون هنالك اختلاف في المساحات، فمن باب اولى ان تكون هنالك مرجعية للمساحة الاوسع.

من ناحية أخرى، من الظلم اعتبار السلطة بلا مرجعية، فهذه السلطة تتعرض للضغوط، ومحكومة بالواقع، ولذا ينبغي ان تكون هنالك مرجعية اشمل من ذلك تضبط الايقاع الفلسطيني، وتضبط القرار السياسي.

٭ تراتبيا، هل ستكون منظمة التحرير، في حال اصلاحها، حاكمة على السلطة الفلسطينية.

- الاصل اذا اعيد بناء المنظمة، واصلحت، ودخلتها جميع القوى الفلسطينية، واصبحت في هذا الموقع كمرجعية، فسوف تكون حاكم لكل ما دونها من أطر، ومن سياسات تنفيذية.

٭ لو اتينا الى المحور الأخير في حوارنا، وهو ما يتعلق بالهدنة التي طرحها عليكم السيد محمود عباس ابو مازن، في حواراته الأخيرة مع الفصائل في قطاع غزة. المراقب يلحظ ان هنالك توافقا سريعا تم التوصل له بين حماس وعدة فصائل، وبين ابو مازن. صحيح لم يتم التوصل الى اتفاق هدنة حتى الآن. لكن هنالك سرعة غير معهودة في التوافق في الموقف. ما سبب هذه السرعة؟

- يمكن تفسير هذه السرعة بعدة امور. اولاً، ان الحوارات التي جرت في غزة مؤخراً، كانت محصلة حوارات وليست بداية للحوار. فنحن ومنذ عامين نتحاور، في غزة، ورام الله، والقاهرة، ودمشق، وما جرى في غزة، هو تكثيف للحوارات في فترة عيد الاضحى.

ثانيا، الوعي الفلسطيني، وعي عال. وكنا ندرك ان شارون كان ينتظر بعد ان مات ياسر عرفات، وانتخب ابو مازن رئيساً جديداً للسلطة الفلسطينية، وبعد ان حمل ابو مازن مطالب امريكية جديدة، نتائج الصراع الفلسطيني، الفلسطيني. فهم طالبوا ابو مازن بوقف الانتفاضة، وقمعها، ونزع سلاحها، وكانوا يتوقعون ان ذلك سيؤدي الى احتكاك فلسطيني، فلسطيني. وعندما يقع هذا الصراع الذي ينتظره شارون، يعفي نفسه من الاختبار، بحيث لا يعود مطالباً بشيء. ونحن كنا ندرك انهم كانوا ينتظرون ان نقع في الخ. لكننا بوعينا الفلسطيني، ومسؤوليتنا العالية، خرجنا من هذا الفخ، وقذفنا بالكرة في الملعب الصهيوني، خاصة اننا طرحنا معادلة منطقية، قلنا فيها، هم يريدون تهدئة، التهدئة لها شروطها.

٭ ما شروط هذه التهدئة؟

- الشرط الاول وقف العدوان على شعبنا الفلسطيني، بكل اشكاله: الاجتياح، والهدم، والقتل، والاغتيال، واغلاق المعابر، والحصار.. لان العدوان هو سبب المقاومة. والشرط الثاني هو الافراج عن جميع الأسرى، وعددهم 8000 اسير، لان هؤلاء امانة في اعناقنا، ويشكلون قضية تمس كل فلسطيني.

هنالك شروط اضافية، لكن هذان هما الشرطان الاساسيان. وبناء على ما تقدم، توافقنا مع الاخ ابو مازن على اننا في (حماس) وفصائل المقاومة، مستعدون للتعامل بإيجابية مع موضوع التهدئة، لكن ضمن هذه الشروط. والآن الاخ ابو مازن، وانا اتصلت به منذ ايام - سيتحرك مع الاطراف الأخرى ليختبر حقيقة الموقف الاسرائيلي تجاه هذه الشروط. واذا رأى الشعب الفلسطيني وفصائله امكانية حقيقية للالتزام، وضمانات حقيقية، عند ذلك سنتعامل بإيجابية. اما اذا استمر العدو بسياسته في القتل، والاغتيال، والعدوان اليومي على الشعب الفلسطيني، ورفض الافراج عن الأسرى، فعند ذلك من حق الشعب الفلسطيني ان يواصل المقاومة.

٭ ما الشروط الأخرى التي لا تولونها اهمية هذين الشرطين؟

- هنالك شروط أخرى، كاستعادة جثامين الشهداء.

٭ هنالك من يطرح شرطا آخر، وهو العودة الى حدود ما قبل 28/9.

- على الاقل نحن في (حماس) ليس هذا مطلبنا الاساسي، لانه اختزال لمطلبنا الحقيقي. ربما في حسابات الأخوة في السلطة، العودة الى حدود ما قبل 28/9، الا اننا لا نعتبرها اصلا هي حدودنا الطبيعية. نحن مطلبنا الحقيقي ابعد من ذلك، وهو الانسحاب الحقيقي. ولذلك انا قلتها من قبل، واكررها، لا يوقف المقاومة الا رحيل الاحتلال، وعلى المجتمع الدولي، بما فيه الولايات المتحدة الامريكية، والاتحاد الاوروبي، وروسيا، ان يتحرك ويطرق الباب الصحيح. والباب الصحيح هو، ازالة الاحتلال، فتنتهي بذلك المقاومة، ودون ذلك سيظل الصراع محتدما.

٭ من جهة ثانية. الا ترى أن الهدنة بما هي مطلب اسرائيلي، هي مطلب فلسطيني ايضاً. بمعنى ان الفلسطينيين انهكوا بعد أربع سنوات من الانتفاضة، وان لهم ان يرتاحوا قليلا؟

- هذا الكلام يرد عليه كالتالي. اولاً، ان موقف (حماس) في التعامل الايجابي مع التهدئة بشروط، جاء بعد ضربات قوية من كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحماس. بعد عمليات الانفاق العظيمة، وعملية المنطار، وعملية حاجز ابو هولي التي قتل فيها ضابط كبير في الشاباك الاسرائيلي، وجرح سبعة، وبعد اصابات موفقة لصواريخ (القسام) في ازديروت، لدرجة صار لديهم حالة شبيهة بالمستعمرات اليهودية في شمال فلسطين تحت ضربات حزب الله. اذن (حماس) من موقع القوة والاقتدار تطرح موقفها هذا، وليس من موقع الضعف. وكذلك في العام 2003، عندما طرحنا الهدنة، طرحناها من موقع الاقتدار، ما ان خرقها العدو بعد خمسين يوما، حتى رددنا عليهم بعمليات كبيرة.

ان (حماس) لا تعاني من ضعف، ولا تغطي على نفسها بهذه التكتيكات، كما انها ليست في حاجة الى ان تدافع عن نفسها، فقوتها معروفة، واداؤها معروف، رغم اننا لا نضخم ذلك، فما زلنا نحن الضحية، والطرف الاضعف في معادل الصراع، وعدونا تفوق علينا.

اما المؤشر الثاني، الذي يدل على ان هذا الموقف من حماس وقوى المقاومة، لم يأت من معاناة فلسطينية فقط، بل في ظل الم عن الطرفين، انه ولاول مرة (اسرائيل) تتعامل مع منطق التهدئة بإيجابية، وهي التي تبادر بالحديث عما جرى، ومنها تصريحات موفاز، وغيره. بينما في الماضي

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة