يحيى حقي كان أكثر انفعالاً بالحياة الشعبية وبالسلام بصفة خاصة باعتباره محوراً أساسياً في الهوية المصرية المعاصرة من حسن فتحي. وكانت تستهويه الأفكار الدينية التي كان يعتبرها بعضهم يمينية، وعلى شيء من الحماسة المنفعلة. وكما لم يكن يتوفر على ودّ للحكيم وطه حسين، كان قريباً كل القرب من محمود شاكر الذي كان يمثل في الحياة الثقافية المصرية، الجانب الآخر المقابل لطه حسين وتوفيق الحكيم وحسين فوزي ولويس عوض ومحمد مندور الذين من الممكن اعتبارهم دعاة للانفتاح على الغرب والوثوب إلى مرحلة الحداثة بأسسها الفكرية التي ترتكز على التنوير والعقلانية والعلمانية والتجريب.
ومن أطرف وقفاته ضد التفرنج، وقفته بوجه الممثل الكوميدي نجيب الريحاني. فقد هاجمه هجوماً عنيفاً لأنه اعتبره متفرنجاً عاجزاً عن الامساك بالأعماق الداخلية للشعب المصري، وكذلك عن تناول حياة هذا الشعب في أعماله التي مثلها واشترك في كتابتها مع صديقه بديع خيري.
فقد كتب مرة مقالاً شديد القسوة ضده سنة 1945م، أي قبل ستين سنة من اليوم جاء فيه:
«أودّ وقبل كل شيء أن أعترف بحقيقة لا يجادل فيها إلا أحمق؛ وهي أن الريحاني ممثل هزلي عظيم تجلت فيه الموهبة التي يسميها أهل المسرح موهبة الحضور، فلا يكاد صاحب هذه الموهبة يظهر على المسرح، وقبل أن ينطق بحرف، حتى يستبد بالنظارة فتنبسط أساريرهم ويتعالى الضحك. بل لعلهم ضحكوا وهم يشترون تذاكرهم..
«ولكن .. هل ألّف الريحاني وبديع خيري قصة واحدة من صميم الحياة المصرية؟ لا. لقد تساقطا كالذباب على مائدة المسرح الفرنسي الرخيص! ثم جاء الريحاني مقلداً شارلي شابلن. سار على هدي خطاه، لكنه حبس فنه المسروق في تمثيل متاعب طبقة واحدة.
قصة مسروقة وشخصية هي مسخ عاجز لشارلي!
والكلام مازال ليحيى حقي، ومازال يهاجم الريحاني لأن مسرحياته تحتوي على شخصية امرأة تركية عجوز، ليضحك الناس من رطانتها العربية. وهذا من الحيل المكشوفة السهلة. فالأتراك أيضاً يدخلون في مسرحياتهم الهزلية شخصية باشا مصري يقسم بالله بين كل كلمة وأخرى!»
ويشيد يحيى حقي بقاسم أمين فيرى أنه لعب، بصورة غير مباشرة، دوراً في نشأة القصة وتطورها حينما نادى بتحرير المرأة ووجوب سفورها ودخولها إلى المجتمع مع الرجل جنباً إلى جنب. كما نادى سنة 1906م بإنشاء الجامعة الأهلية، ففتحت أبوابها بعد ذلك بسنتين وكانت نواة جامعة القاهرة الحالية.. وبدون التعليم الجامعي، وبدون الاختلاط، ما كان يمكن للقصة المصرية أن تزدهر.
في ذلك الزمن الفريد من بدايات القرن العشرين يقول يحيى حقي إنه عاش شاب من مواليد كفر غنام، اسمه محمد حسين هيكل، درس الحقوق وتتلمذ على قريبه أحمد لطفي السيد الذي علمه تغليب الفكر على العاطفة، وصرامة المنطق، والتزام الرأي والشجاعة في التعبير، وأن المثقف ينبغي ألاّ يقتصر على الأدب القديم وحده.. وفتح له نوافذ واسعة ليطلّ منها على الفكر الأوروبي.
هذا هو محمد حسين هيكل الذي قُدّر أن تولد القصة المصرية على يديه، بعد أن عاد إلى وطنه من دراسة الحقوق في فرنسا، بروايته زينب.
كتب هيكل هذه الرواية ما بين ابريل 1911م وهو في باريس وصحبته في أسفاره في باريس ولندن وجنيف، وتأثر بالأدب الفرنسي في استطراد السرد وقلة الحفاوة بالحوار، وإقامة القصة على عمود الحب والدوران حوله. وكان ذلك جرأة منه لأن المجتمع يومها لم يكن يطيق الاعتراف بشرعية هذه العاطفة أو الخوض فيها..
صدرت الطبعة الأولى من زينب سنة 1914 وقت اشتغال هيكل بالمحاماة، بهذا العنوان الغريب : «زينب/ مناظر وأخلاق ريفية/ بقلم فلاح مصري».. وذلك خشية أن تجني صفة القاص أو الكاتب القصصي على اسم المحامي..
على أن أعنف آراء يحيى حقي دارت حول أدباء زمانه الآخرين، مثل: رشاد رشدي، ونجيب محفوظ. وهذا ما سنتطرق إليه في مقال آخر.