ومنهم من يذيع وينشر الدعاية الرخيصة المتمثلة في اسداء المواعيد البراقة، بل والمستحيلة، من ذلك مثلاً من قال انه في حالة فوزه سيحول الرياض إلى جنة بيئة، أو من قال انه سيقضي على مشكلة المرور، ومنهم من قال سيقضي على البطالة إلى غير ذلك مما لا يستطيع عمله بمفرده، ولا هو من خصيصة وظيفته التي يسعى إليها حسب النظام.
يتنافس حوالي سبعمائة مرشح على سبعة مقاعد في المجلس البلدي، ويلاحظ المار في شوارع الرياض اللوحات والملصقات الدعائية التي تنتشر فيها أو في الميادين العامة. والحق أن الأنظمة البلدية وفقت في ضبط استعمال الشوارع والميادين من قبل أصحاب الحملات الانتخابية. وهذه ميزة تشكر عليها. لأننا لا نريد أن تصبح شوارعنا بانوراما دعائية، خاصة أننا مقبلون في قابل أيامنا على انتخابات متعددة، وفي أزمنة مختلفة، ولو لم يكن هذا الضبط والتقنين، لألفيت شوارعنا مليئة بالشعارات طوال العام.
الانتخابات شيء مفرح، ويزداد فرح المواطن عندما يرى المتسابقين إلى مقاعد الترشيح يجرون بتؤدة، ونظام، ومراعاة للذوق العام، والتزام بالنظام المقنن من قبل الدولة، وعدم الدخول في مزايدات، أو التعرض للمنافسين بما يسيء أو يشين.
ويرى المار في شوارع الرياض السرادقات والخيام أو يلمح بعض صالات الأفراح أو الفنادق وقد تحولت إلى مقار انتخابية لهذا المرشح أو ذاك. وهذا أمر آخر يجعل المواطن يشعر بالسعادة والسرور، حيث تم تحديد أمكنة معينة لمثل هذا الركض الانتخابي.
لقد تحولت بعض مقار المرشحين إلى بزار دعائي أو عرس انتخابي، يقوم فيهما المرشح بعرض نفسه على الحضور، مسترسلاً في شرح ما ينوي القيام به، تحت مسمى برنامجه الخاص. وهذا أمر ثالث لا غبار عليه بل هو مطلوب في العرف الانتخابي، لأن من حق المقترع أن يسمع من المرشح (بفتح الشين) ما لديه من تصورات عن عمله في المجلس البلدي. لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد. بل تعداه للأسف إلى تحويل المقرات إلى ندوات ثقافية، ومراكز خطابية ودعوية. وبالتالي تجد المتحدث الفلاني يتحدث في قضايا لا تمت لانتخابات المجلس البلدي بصلة تذكر. فمنهم من يدعو المتخصص في الفقه أو التفسير، أو الطب، أو الأدب، أو التاريخ، أو الجغرافية، أو علم من علوم الفضاء وغير ذلك. ومنهم من يعلن عن برنامج ليلي حافل بمحاضرات أكاديمية. وهذا في ظني لزوم ما لا يلزم.
والنتيجة أن المقترع يحضر ليسمع ما يود أن يقوله المرشح، وإذا به يسمع شخصاً آخر، وكأن المرشح مصاب بالعمى والصمم، يكتفي بالحضور، وتوزيع الابتسمات. ما هكذا عليه الحملات الانتخابية في البلدان التي سبقتنا لهذا النوع من العمل الديموقراطي.
ومنهم من حول مقاره إلى صوان يحوي ما لذ وطاب من الأكل، واكتفى بهذا النوع من الدعاية، وهو يريد إقناع البطون، بينما المقترع يود منه أن يقنع عقله قبل بطنه. وهذا العمل لا وجود له في الديموقراطيات المعروفة، وإن كان موجوداً في بلد أو بلدين، فلا عبر بهما في هذا الصنيع.
ومنهم من يذيع وينشر الدعاية الرخيصة المتمثلة في اسداء المواعيد البراقة، بل والمستحيلة، من ذلك مثلاً من قال انه في حالة فوزه سيحول الرياض إلى جنة بيئة، أو من قال انه سيقضي على مشكلة المرور، ومنهم من قال سيقضي على البطالة إلى غير ذلك مما لا يستطيع عمله بمفرده، ولا هو من خصيصة وظيفته التي يسعى إليها حسب النظام.
تلك الملحوظات لو منعتها الأمانة العامة للانتخابات لفعلت حسناً. فمنع المبالغات والمواعيد، ومنع نحر المواشي وجعل البطون مقدمة على العقول، وتحويل الأحياء إلى عرس ثقافي كلها أمور تسيء للعملية الانتخابية أكثر مما تفيدها. وأخشى ما أخشاه أن تصبح هذه الأمور من السوابق، فتتأصل وتتجذر في عقل المواطن ووجدانه، عندئذ لا يُستطاع منعها، وتصبح من المسلمات أو من إجراءات الانتخابات في المملكة. وخصيصة أخرى لصيقة بهذه الملحوظات وهي أن الكفء من المرشحين غير القادر على مسايرة هذا الوضع لقلة ذات اليد، أو لكونه لا يعير هذه الإجراءات اهتماماً، قد يجد نفسه خارج حلبة المتسابقين. والمعروف أن الناس تتبع الصوت العالي، حتى لو كان محتواه ضعيفاً.
أتمنى أن نسن سنة حسنة في هذا الشأن، وهي أن تجري حملات انتخابية بعيدة عن البذخ، والإسراف، والمواعيد غير الصادقة. وأكثر من هذا ليتنا نسمع من المرشح نفسه لا ممن لا علاقة له بموضوع الحملة. يجوز في نظري أن يعلن المرشح عن حديث أو اثنين يتحدث فيهما مساند له أو أكثر عن موضوع الانتخابات البلدية، وعن دعمه أو دعمهم للمرشح، ويجوز أن يستعين المرشح بمدير لحملته يتحدث بالنيابة عنه في بعض الأحيان. ولكن الذي لا يجوز في نظري أن ينتقل المحاضرون والمتحدثون من مخيم إلى آخر، يلقون الأحاديث، بل ويكررونها في أكثر من مخيم وأكثر من وقت. هل يا ترى يُدفع لهم نظير عملهم هذا؟ وما الفائدة التي يجنيها المرشح؟
غياب المنافسة بين المرشحين على أساس برامج انتخابية، أدى هذا الغياب إلى تحزب المقترعين على خلفية الولاءات والمصالح والشللية. وهذا متوقع، لأن الحقيقة تقول ليس لدى المرشحين برامج خاصة بكل منهم، مهما قالوا. فالنظام المعلن صريح في هذا الشأن. فليس لدى المرشح البلدي إلا عملان محددان: عمل رقابي على ميزانية البلدية، وعمل تقريري محدود. أما ما يعلنه المرشحون في الصحف فلا يعدو كونه دعاية رخيصة لا تنطلي إلا على السذج.
لهذا ليس أمام المقترع إلا أن يتوخى الحذر والدقة والصدق، ويعطي صوته لرجل يرى أن وجوده في المجلس البلدي قد يساعد في زيادة الرقابة والشفافية، وفي تلمس ما تحتاجه المدينة وسكانها ضمن النظام والقواعد التي قد تحد من تطلعاته. أما غير هذا فعلى المقترع أن يتقي الله ولا ينساق وراء توصيفات دينية أو وطنية زائدة، فالكل شركاء في الدين والوطن، ولا نحسبهم إلا هكذا، كل المرشحين، من المسلمين والوطنيين، الذين يستشعرون هذين الأمرين خير استشعار.
هذا العناء، وهذا العدد الضخم من المرشحين (حوالي سبعمائة مرشح) وهذه المصروفات (قيل ان بعضهم أنفق خمسة ملايين) وهذه الدعايات كلها من أجل سبعة مقاعد فقط، سبعة مقاعد تمثل سكان الرياض البالغ عدد مَن هم في سن الاقتراع أكثر من مليون نسمة. هل هذا معقول؟ الجواب: نعم معقول. فالبدايات مهما كانت متواضعة معقولة، والميل بداية الألف ميل. ومن سار على الدرب وصل. دعونا نرحب بهذه الخطوة، ودعونا نطلب خطوات مشابهة، ودعونا نسناً سنن حميدة في انتخابات غير مكلفة، وغير مبالغ فيها.