الرئيسية > فن

يرفض الواقع السياسي العربي

رفيق علي أحمد: المسارح التي كانت تنعش بيروت تحولت إلى مطاعم ومحلات لبيع الملابس الجاهزة!



بيروت - مكتب «الرياض» - إيمان إبراهيم تصوير - شمعون ضاهر

حين خاض الفنّان رفيق علي أحمد غمار العمل النقابي، كان متحمّساً لسن مشاريع قوانين تحمي الممثّل، لكنّه اصطدم بعقليّة المشرّع التي لا تعترف أصلاً بالممثّلين، ففضّل الاستقالة والانسحاب بعيداً عن هموم منصب النقيب، وحين أوكل إليه الملك رعد الثالث مهمّة تسلّم الحكم مكانه في مسرحيّة «حكم الرعيان» حكم بالعدل، لكنّه فضّل الانسحاب حين شعر بأنّه لن يقدّم المزيد لشعبه. هذا التماهي في شخصيّة الرّاعي والنقيب، يدلّ على انسجام فكري بينه وبين الفنّان الكبير منصور الرحباني، الذي نسج من وحي الخيال راعيا ينتمي إلى تلك المملكة الخياليّة. ومع نجاح مسرحيّته، يبدو الفنّان رفيق علي أحمد وكأنه نفض عنه غبار اليأس الذي اعتراه عند إقفال مسرح المدينة، فقرّر حينها الهجرة من لبنان.

الفنّان المسرحي الذي اشتهر بمسرحه الفردي، ماذا يقول عن تجربته مع المسرح الرحباني الذي يخوض غماره للمرّة الثانية؟ وكيف يقيّم وضع المسرح مع عودة الحياة إلى مسرح المدينة؟ معه كان هذا الحوار.

٭ مسرحيّة «حكم الرعيان» تبدو لوهلة مغرقةً في محلّيتها لناحية مقاربتها الواقع السّياسي اللبناني، فهل شعرتم أنّها تمسّ الجمهور العربي أيضاً بعد عرضها في دمشق وحلب؟

- الفن العالمي إجمالاً ينبع من خصوصيّة معيّنة، ويشعر به أصحاب الموضوع أكثر بكثير من الآخرين، لكنّ الفكرة العامّة تصل إلى الجميع، فإمّا تكون الفكرة أشبه بشانسونييه تسخر من الوضع السّياسي المحلّي، وإمّا يكون الموضوع شاملاً يتوجّه إلى الجمهور الذي يفهم لغته. مسرح الرحباني إجمالاً هو مسرح عربي شامل، ينطلق من واقع لبناني، لكنّه يعالج قضايا عربيّة، فالكلمة واللحن الرّحباني يلامسان وجدان المستمع والمشاهد العربي. الفكرة الأساسيّة للمسرحيّة تدور حول حاكم متشبّث بالحكم، فيأتي راع ويستلم مقاليد الحكم، وبنظرة سريعة على العالم العربي نرى أنّ كل الحكّام العرب متشبّثين بالحكم، ولا يمارسون الديموقراطيّة، في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة على حد سواء، لذا أينما عرضت هذه المسرحيّة وفي أي بلد يتطابق واقعه مع الفكرة المطروحة، سيتفاعل الجمهور معها، خصوصاً أنّ اللهجة اللبنانيّة لم تعد عائقاً بيننا وبين الجمهور العربي، ربّما يشعر الجمهور اللبناني أنّ الموضوع يمسّه أكثر، لأنّه ينطلق من واقعه.

٭ ثمّة لطشات سياسيّة مباشرة تطال الواقع السّياسي، فهل اضطررتم إلى تعديل الحوار بما يتناسب وأجواء الرّقابة في البلد العربي الذي عرضتم فيه المسرحيّة؟

- لم يحصل هذا الأمر على الإطلاق، وقد عبّرت للرئيس السّوري بشّار الأسد عن سعادتي المطلقة بعرض هذه المسرحيّة في سوريا كما هي بما تحمله من مضامين ولطشات سياسيّة، وهو من المؤمنين أنّ للفن والأدب دورا أساسيا في تكوين ثقافة وحضارة المجتمعات، وقد طلب منّا شخصياً أن نعرض هذه المسرحيّة في حلب.

٭ من المعروف أنّ المسرح الرحباني يستقطب سياسيين على مستوى رفيع، فكيف كانت ردّة فعل هؤلاء السياسيين على الحوار الذي يطالهم شخصياً بالانتقاد؟ وماذا عنك، هل شعرت بالحرج أم بالفخر؟

- أحب أن أقول أنّي لست معجباً بالسياسة في لبنان، بالتالي لا تهمّني ردود فعل السّياسيين، فالفنان أهم من السياسي خصوصاً في هذه المرحلة، حيث فقدت السياسة مصداقيّتها، والناس تصدّق الفنان والأديب والمبدع أكثر ممّا تصدق السياسي، لأنّهم على علاقة عضويّة به. وأحب أن أشير إلى أنّ التربية الثقافيّة عند السياسيين في لبنان أصبحت ناقصة أو انعدمت، فقد عرضنا المسرحيّة أمام هذا الكم من السياسيين، وأكبر دليل على ثقافتهم العالية أنّ أحداً منهم لم يهنّئنا على العمل أو يثني على جهودنا.

٭ ربّما لأنّها تنتقدهم وتمسّهم بشكل مباشر؟

- (يجيب بانفعال) هذا نقص في الذهنيّة السياسيّة، فإذا كانوا فعلاً سياسيين ويهمّهم الشأن السياسي في لبنان، عليهم أولاً كما تفعل الملكة إليزابيت التي تحيي الممثّلين في الكواليس، عليهم أن يمدّوا يدهم لتحيّة الممثّل، رغم أنّ المسرحيّة تنتقدهم رغبةً منها في الإصلاح. لم يدخل أي سياسي إلى الكواليس لتحيّة الممثّلين مع علامة تعجّب. يهمّني النّاس إذا فرحوا بالعمل، وأكون سعيداً إذا «انقرص» السياسي من العمل.

٭ تبادل زعيمين الحكم، وتسلّم ابن الشعب السلطة، ثمّ نزاع على العرش أمور سبق أن طرحت في الأعمال العربيّة، وآخرها مسرحيّة «الزعيم» للفنّان عادل إمام، فما تعليقك؟

- الفكرة متشابهة ربّما، لكنّ طريقة المعالجة تبدو مختلفة، فالأفكار في الحياة انتهت، ولا أحد يخترع أفكاراً جديدةً اليوم، المهم هو الأسلوب والصّياغة والممارسة. حتّى شكسبير نفسه كان يستوحي أفكاره من المسرح اليوناني والأساطير الأخرى، لكنّه كان يقدّمها بطريقته الخاصّة.

٭ في مسرح الرحابنة، أيّهما أهم من وجهة نظرك، الفكرة أم طريقة معالجتها في مسرح يقوم أصلاً على الاستعراض والحوار الغنائي؟

- الفكرة مهمّة وطريقة معالجتها أيضاً، فالعمل الفني يتطلّب تكاملاً على جميع المستويات، فحلم كل فنان أن يحدث نوعاً من التفاعل بينه وبين الجمهور، أن يؤثر به ويجعله يصدّق ما يقول، فإذا وصل الممثّل إلى إحداث حالة كهذه، فيكون قد نجح.

٭ ثمّة جانب قروي وحنين إلى الرّيف والحياة البسيطة يبدو جلياً في كل أعمالك المسرحيّة، فلو تبادلت دور الملك «رعد الثالث» مع الممثّل أنطوان كرباج، هل كنت ستبرع بأدائه، بعيداً عن مقولة أنّ الممثّل الناجح هو القادر على تجسيد كافّة الأدوار؟

- لن أردّد تلك المقولة التقليديّة، لكنّي في المسرحيّة، وأثناء انتقالي من دور الرّاعي إلى دور الملك العادل، كنت ملكاً وحاكماً يتماهى مع شخصيّته المستجدّة حيث لعبت على حركات جسدي، من خلال وضعي التاج على رأسي، وارتدائي رداء الحاكم.

٭ تلك الشخصيّة القرويّة تبدو متجذّرة فيك، فهل تحلم بأن تكون راعياً مثلاً؟

- أنا رجل عشت في القرية 25 سنة، وفي بيروت عشت 27 سنة، فالقرية متأصلة في شخصيّتي، لكنّ مدننا العربيّة لا تستطيع أن تكون مدناً بما للكلمة من معنى، لأنّ مجتمعنا العربي هو مجتمع ريفي بالأصل، وبيروت كما يقول أحد أصدقائي الشّعراء هي عنقود المدن، وهي بمثابة تجمّع لأهل القرى الذين نزحوا إليها، ليعطوها ذلك التنوّع.

٭ في المسرحيّة ينسحب سعدون تاركاً وراءه الحكم هرباً من المسؤوليّة، وكذلك هربت من نقابة الممثلين حين شعرت أنّ المسؤوليّات تراكمت عليك...

- (يقاطعني قائلاً) لا سعدون هرب ولا أنا هربت، ففي المسرحيّة يحكم الراعي بالعدل، ويقوم بإصلاحات كبيرة، لكنّه يشعر بأنّه أدّى واجبه، ولن يتمكّن من تقديم شيء جديد لشعبه فيفضّل الانسحاب، وفي النقابة، حاولت بعد انتخابي نقيباً للممثّلين أنّ أقدّم مشروع قانون لحماية حقوق الممثّل وتأمين الضمان الصحّي والاجتماعي له، لكنّ اللجنة النيابيّة التي أوكلت إليها مهمّة دراسة المشروع ماطلت في الأمر، وتمنّع ستّة من أعضائها عن الحضور إلى اجتماعات النقابة، بالتالي لم يبت بمشروع القانون. تخيّلي ليس لدينا في بلدنا ستّة نوّاب شرفاء ليسنّوا قانوناً يقي الممثّل خطر الموت على باب المستشفى، لذا تقدّمت باستقالتي وبقيت أتابع القضيّة بصفتي عضواً في النقابة، وحتّى اليوم لم نتوصّل إلى حل يذكر. وقد صودف أن منصور الرحباني يفكّر بنفس الطّريقة التي أفكّر بها، من هنا تكرّر نفس السيناريو في المسرحيّة.

٭ قبل حوالي السّنة أعلنت عن نيّتك الهجرة من لبنان، بسبب يأسك من تدهور وضع المسرح والفنّانين المسرحيين، فهل عدلت عن قرارك؟

- فكرة السفر لم تعد مطروحة لأنّ أولادي باتوا في عمر حرج، بالتالي فهم لن يتأقلموا مع المجتمع الجديد، وقد سبق أن تقدّمت بطلب هجرة إلى كندا، لكنّ السفارة لم ترد على طلبي.

٭ برأيك هل ثمّة أمل في تحسّن الوضع مع عودة مسرح المدينة الجديد، واستقطاب مسرحيّتك الجديدة هذا الكم من الجمهور؟

- أعتقد أن ثمّة أملا بدأ يولد بداخلي، لا سيّما وأن الناس بدأت تعي أهميّة المسرح، فالتلفزيون هو المسيطر اليوم لكنّه لا يغني عن المسرح، فهو أداة تجّمع العائلة داخل بيت مغلق، كل عائلة على حدة، بينما المسرح يخلق حالة اجتماعيّة تدفع بالنّاس إلى الخروج من منازلها للالتقاء، من ثمّ الحوار والنقاش. أليس من المعيب ألا يكون في بيروت مسارح؟ هل من المعقول أن يقدّم منصور الرحباني مسرحيّته الجديدة في هنغار؟

٭ لماذا اندثرت مسارح بيروت، وهل ثمّة أمل في إعادة إحيائها؟

- مسارح بيروت كانت تخلق جواً خاصاً ببيروت، تنعش المدينة وتدفع الناس إلى الخروج من منازلهم، وكان لها أثر في إحياء عجلة الاقتصاد، وأتت الحرب لتقضي عليها، ففضّل اصحابها أن يحوّلوها إلى مطاعم ومقاه ومحلات لبيع الملابس الجاهزة، وقد ساهمت الدولة في هذا الانحدار، من خلال عدم مبادرتها إلى تقديم الدعم لهذا القطاع الذي كان يميّز العاصمة، ويعطيها طابعاً ثقافياً. ففي كل موسم مسرحي كان لدينا ما يفوق الاثني عشرة مسرحيّة تعرض، بينما اليوم لا نشاهد سوى الشانسونييه.

٭ هل أنت ضد هذه النوعيّة من الأعمال المسرحيّة؟

- الشانسونييه فن موجود وله جمهوره، لكن أن نقدّمه ونقول هذا هو المسرح فهذا أمر غير مقبول إطلاقاً. أنا مع وجود الشانسونييه والحفلات الغنائيّة، وتلك الفتاة التي تستحم بالحليب، وذلك الفن الرّاقي، أنا مع وجود كافة أنواع الفن، لنخلق هذا التنوّع الحضاري والثقافي ولنثبت أنّ مقولة «هذا ما يريده الجمهور» كلام تجاري لا أساس له من الصحّة.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة