وصل إلى أقصى ذروة تعبيرية وهو يرسم بالمداد السوداوي الساخر صورة للطبقات التي تعاني من تعاسة مزمنة، هكذا قال عنه الدكتور عبدالعزيز المقالح، إنه شاعر لطالما عانى وهو يبحث عن ذاته على خارطة العرب الجغرافية، قبل أن تحتضنه سويسرا وتتوخاه شاعراً وأستاذاً جامعياً وباحثاً، شاعر رفضته الجنسية العربية ولم يقيده البحث عن موطنه أو يزيحه عن القيم الكتابية من شعر ونثر وبحوث.
أحمد الدوسري وقف يكتب أنشودة الرحيل والنفي والوجع المر كما وصفه عبدالرزاق الربيعي ممتشقاً قلمه الرملي على صفحات من الهواء.
٭ «ثقافة اليوم»: حدثنا عن معاناتك على الصعيد الشخصي والثقافي هل أثرت تجربتك على المستوى الإبداعي أم شكلت عائقاً أمام تحقيق مشروعك المعرفي والإبداعي الخاص؟
- المعاناة إلى حد معين قد تكون سبباً في الاشتعالات الإبداعية في النفس، فالمعاناة من ألد أصدقائي على الإطلاق!
لكن المعاناة المستمرة والتي تكون فوق طاقة الإنسان على التحمل بمعنى المعاناة المدمرة فهذه تكون خطيرة على العملية الإبداعية لدى الكاتب، والإنسان العربي محاصر بمستويات عدة منها ومن كل الاتجاهات. أما في الغرب فربما يكون كاتب معين يعاني من أمر ما لكن محيطه سليم تقريباً. فأغلب الكُتَّاب لدينا أوضاعهم الشخصية متأزمة وكذلك أوضاعهم الثقافية. وهذا مما يؤثر على نحو سلبي على كل مشاريعنا الإبداعية والثقافية.
٭ «ثقافة اليوم»: لنتحدث عن معوقات النشر في العالم العربي وعلى الأخص الخليجي؟
- أخطر أزمة وجودية يواجهها الكاتب العربي هي أزمة النشر، فقضية النشر تجعل الكاتب العربي يشعر بتفاهة الأوضاع بمجملها. كما انها تورثه اليأس من جدوى كل شيء! لا أحد يعيش مما يكتب أو بالأحرى مما يُنشر. لا دار نشر تستطيع أن تقدم للكاتب العربي ما تقدمه دور النشر في الثقافات الأخرى. حواجز الرقابة والحواجز السياسية تعمل ضد الاثنين الكاتب ودار النشر. أما النشر الخليجي فللاسف الشديد لا وجود له بالمعنى الدولي للكلمة! ليس لدينا دار نشر واحدة توزع بشكل ممتاز. نعم هناك مؤسسات رسمية تنشر ولكنها ليست دور نشر محترفة تخدم الكاتب. وضعنا مأساوي يا سيدي!
٭ «ثقافة اليوم»: ما حجم الحركة النقدية في الخليج العربي؟
- الحركة النقدية عموماً في أي بلد ليست معزولة عن عموم الحراك النقدي والثقافي فيه. والعقل العربي مساحة الحرية الممنوحة له والمسموح أن يتحرك خلالها محدودة جداً أي أن سقف مناوراته خفيض جداً! ماذا نتوقع من طيار يراد له أن يطير في مرأب! فإن انعدمت «الأجواء» الصالحة للتحليق والطيران فلا تتوقع حركة نقدية اصيلة بالمعنى الكلي للكلمة. هناك محاولات فردية جيدة لكنها لا تصنع بأي حال من الأحوال أجواء حركة ناهيك عن أن تواكب النتاج الشعري. الشعر نتاج المعاناة والحصار. لا يمكن لأي سلطة في العالم أن تمنع شاعراً من كتابة قصيدة. لكنها تستطيع أن تمنعه من كتابة مقال نقدي! أي أن النقد ممنوع! المجتمع الخليجي لايزال في طور التشكل ولم يفرز حركة نقدية كبيرة بعد. هناك اجتهادات. لا نقد بدون حرية. النقد بمعناه الواسع.
٭ «ثقافة اليوم»: هل أسهمت الترجمة في بناء حركة فكرية جديدة وبناء فني طارئ؟
- إن كنت تقصد الترجمة بشكل عام فهي ضعيفة جداً في الوطن العربي ولا تكاد تذكر أمام حركة الترجمة بين اللغات الأخرى. في اليابان يتحدثون عن ترجمة ما يزيد عن 25 ألف كتاب سنوياً!! وفي أكبر بلد عربي لا زالوا يتحدثون عن أن السلسلة الرسمية للترجمة قد وصلت إلى 400 كتاب في عدة سنوات! وفي كل البلاد العربية أيضاً. في بعض البلدان لا تتعدى الترجمة خمسة كتب!! إنا لله وإنا إليه راجعون!
٭ «ثقافة اليوم»: ما مدى تأثر المشهد الثقافي بالصراع بين السردي والشعري؟
- نحن الكُتَّاب العرب مساكين لا نستطيع إلا أن نتصارع مع انفسنا! لأننا في الحقيقة لا نستطيع أن نناطح الأقوياء! المؤسسة الرسمية قوية وهي لا تسمح بأي شكل من أشكال النقد فلماذا لا «نفش خلقنا» في بعضنا البعض أي في التناطح الداخلي!
أصلاً يا سيدي ليس هناك صراع بين السردي والشعري، الحديث عن صراع كلام من نوعية استهلاكية. منذ الخليقة الأولى كان هناك السردي والشعري. لكن العرب ولم يكونوا استثناء بالمناسبة كانوا يقدمون الشعري بالتأكيد. اليوم تغيرت الدنيا وحجم ما يمكن أن يعبر عنه إنسانياً كبر وتشعب فلا يحيط به أبداً فن أو نوع أدبي واحد، وإن كان العالم بأسره قد شهد تراجعاً للشعر وتقدماً للسرد.
٭ «ثقافة اليوم»: صناعة النجم في الأدب العربي، جعلته يضيء ناره وينطفئ، أين تراه؟
- دعني اقول لك بأن الكاتب في الغرب نجم بالفعل ينافس في بعض الأحيان نجوم السينما. والسبب برأيي هو الآلة الموجودة في الغرب وغير الموجودة لدينا بالإضافة إلى الإيمان بالكاتب، وهو الإيمان المفقود لدينا لذلك اتجه الجمهور إلى البحث عن نجومه الذين ليس من بينهم بالتأكيد الكاتب! دور النشر في العالم تتعب على صناعة نجومها من الكُتَّاب ودور النشر في الوطن العربي تطلب من الكاتب أجراً على طباعتها له! وتتعذر بالكساد والرقابة ولا ندري نصدق من؟ أي أن دار النشر في الغرب تضع إعلانات كبرى للكاتب ونتاجه الجديد وتضعه على الدوام في خانة اهتمام الدوائر الإعلامية جميعها. النجم هو حجم ظهور الفرد أياً كانت قيمته الفعلية في دائرة الاهتمام أو النور الساطع! ونحن لدينا الود ود البعض دفن الكاتب حياً والتخلص من كل أثر حي لوجوده أو طمسه في الظلام!!
٭ «ثقافة اليوم»: في نظرك ما أقرب الفنون الأوروبية إلى الواقع العربي؟
- الفنون كلها أصبحت عالمية حتى الفولوكلور تم تدويله فلم يعد يعني مجتمعاً بعينه حتى وإن كان هو المنشأ أو المصدر. نحن لدينا الرواية مثلاً تتقدم كما هي في الآداب الأوروبية، السينما إن وجدت التكنولوجيا.
٭ «ثقافة اليوم»: ترجماتك لم تكن باختيارك كيف تم اهتمامك بالنصوص؟
- لا اعلم من أين لك بهذه المعلومة فترجماتي كلها باختياري، جمع بعض المواد كان بمساعدة أو بترشيح من بعض أصدقائي الكُتَّاب ولكن النصوص أنا اختارها بنفسي. وفي النهاية إن رشح لك أحد الأصدقاء نصاً أو كاتباً ورأيت أنت أنه يستحق بالفعل الترجمة فما العيب بذلك؟