هل الباركنسون حالة نادرة؟
قد يبدو للكثيرين أن مرض الباركنسون هو حالة نادرة أضفى عليها الاسم الأعجمي هالة من الغموض لا يستطيع فك ألغازها إلا الأطباء، إلا أن الحقيقة أنه من النادر أن لا يصادف الشخص العادي في حياته اليومية أحد المصابين بمرض الباركنسون. ولو تخيلنا الصورة الذهنية التي نحملها عن أحد المسنين وقد احدودب منه الظهر وثقلت الحركة لما كنا بعيدين عن صورة المرض نفسه. لكن ليس كل مسن مصاباً بمرض الباركنسون كما أنه ليس كل مصاب بالمرض مسناً . باستطاعتنا أن نأخذ مثالاً عن أحد الشخصيات المشهورة وهو المصارع محمد علي كلاي الذي أصيب بمرض الباركنسون في سن مبكرة نسبياً.
يمثل مرض الباركنسون بالنسبة للمصاب هاجس الخوف من الانحناء وفقدان الحركة بينما يمثل للمهتمين بعلوم الجهاز العصبي وكيف يعمل مدخلاً تاريخياً إلى معلومات غزيرة عن بعض أوجه عمل الجهاز العصبي ونقل المعلومات والسيطرة على الجهاز الحركي وما إلى ذلك.
لمحة تاريخية:
تعود تسمية المرض إلى طبيب إنجليزي وصفه لأول مرة عام 1817م وأعطاه اسم الشلل الرعاش وذلك لعجز المصاب عن الحركة بينما سيظهر لنا فيما بعد أن هذا الشلل ليس شللاً بمعنى نقص القوة وإنما هو العجز عن الحركة بسبب تيبس العضلات وهو ما يسمى بالصمل العضلي. ولم تكن هنالك أدوية فعّالة هذا المرض حتى بعد انقضاء نصف القرن الماضي، لكن وبالتدريج زادت معرفتنا عن كيمياء الجهاز العصبي وأدى ذلك إلى اكتشاف أدوية جديدة. بدأت هذه بملاحظة العلماء لظاهرة غريبة في منتصف القرن الماضي أن من يعالجون بمهدئات أو حافظات ضغط بأدوية مشتقة من نبات الراوليفا والتي تسمى بالرزبين كانت تبدو على كثير منهم أعراض تشبه أعراض مرض الباركنسون ولكنها كانت مؤقتة تزول مع إيقاف العلاج. ثم أتت المهدئات الأقوى من نمط الكلوربرومازين لتسبب أعراض تيبس أشد وبطئاً أكثر في الحركة لدى علاج مرضى الاضطرابات النفسية وأصبح من المعتاد في المصحات النفسية رؤية الكثير من المرضى تظهر عليهم أعراض مشابهة لأعراض باركنسون لدى تناولهم هذه العلاجات.
ثبت فيما بعد أن هذه الخاصية التي تجعل هذه المهدئات فعّالة الاضطرابات النفسية كالشيزوفرانيا هي ذاتها التي تسبب الأعراض الجانبية من بطء الحركة والتيبس وذلك بالتأثير على جزءين مختلفين من الدماغ.
النواقل العصبية:
إن خاصية حصار (سد المنافذ) التي تدخل منها مادة الدوبامين إلى خلايا معينة عند استخدام هذه الأدوية كانت هي الأساس في التأثير العلاجي والتأثير الجانبي غير المرغوب فهي، فهذه الأدوية التي تحصر الدبوماين في مراكز الدماغ المسؤولة عن المزاج والحالة النفسية والانفعالية تؤدي إلى تحسن أعراض الهياج والهلوسة المرافقة للشيزوفرانيا بينما يؤدي حصار الدوبامين في مراكز الحركة الأولية (مثل حركة المشي أو التوازن) في عمق الدماغ إلى الجمود وتصلب عضلات الجسم وبطء الحركة.
من الكيمياء إلى العلاج
ومن أوجه التشابه بين هذه الأعراض ومرض الباركنسون استنتج العلماء أنه لا بد من أن تكون مادة الدوبامين علاجاً ناجعاً لأعراض مرض باركنسون. وكان التحدي الأكبر هو كيف نوصل هذه المادة إلى مراكز الدماغ لاستخدامها إذ أن مرورها في الجسم يعرضها للتفكك من قبل الكبد وبالتالي تفقد تأثيرها، وبعد تجارب كثيرة توصل العلماء إلى أن إعطاء مركب سابق على الدوبامين يحوله الجسم إلى دوبامين يمكن أن يفي بالغرض وخاصة إذا ما مزج ذلك بمادة أخرى (إل - دوبا) مع أدوية حافظة لها وشعر المريض بتحسن كبير في حالته ولكن ذلك كان فقط إلى حين.
ما هو سبب المرض
لماذا تتوقف خلايا الحركة عن تصنيع وافراز الدوبامين، كان من المعتقد السائد أن شيخوخة هذه الخلايا هي السبب، ولن لماذا تحدث الشيخوخة لدى بعض المرضى مبكراً في سن العشرين أو الثلاثين أو الأربعين كما يحدث لدى بعض حالات مرض باركنسون. لا بد أن هنالك تأثيراً مضاعفاً لهذه الخلايا يتلقفه الجسم من الوسط الذي يعيش فيه. ظل هذا الأمر لغزاً محيراً إلى أن لاحظ عدد من الأطباء أن هنالك مجموعة من الشباب الذين أصيبوا بمرض باركنسون بشكل مفاجئ وفي سن مبكرة والأهم من ذلك أنهم كانوا في منطقة واحدة في مدينة سان فرانسيسكو وأن كثيراً منهم كانوا من مدمني حقن المخدرات، وبعد تحقيق أشبه بالقصص البوليسية توصل الباحثون إلى وجود مادة استعملها كل هؤلاء حقناً بالوريد هي (MPTP) حين حقنت في حيوانات المختبر أدت بالتحديد إلى إتلاف الخلايا المسؤولة عن الحركة والتي تضمر بشكل طبيعي لدى مرضى باركنسون وبالتالي توصل الأطباء إلى إحداث داء باركنسون تجريبياً لدى القردة في المختبر وأصبح هنالك مرض يشابه المرض الإنساني لدى حيوانات التجربة مما يسهل اختبار الأدوية الحديثة وأدوية المرض البشري.
لكل نجاح ثمن
نعود الآن إلى المفاجأة السارة التي لاحظها الأطباء وذلك بأن العلاج بمادة (إل - دوبا) تحسن أعراض المرض ظهر فيما بعد أن العلاج لا يقضي على المرض ولا يطال أسبابه إذ يستمر فقدان خلايا الحركة بالازدياد مما يؤدي إلى ضعف تأثير الدواء أو اضطراب فائدته وقصر الفترة الزمنية التي يعطي فيها تأثيره المرغوب. فلم تكن تلك المادة إذا إلا علاجاً للأعراض وأنها مثل مجرد مسكن للألم حتى فترة زمنية معينة، بل جنح الكثير من الباحثين إلى القول بأن العلاج قد يكون عاملاً في تسريع وتيرة المرض بإجهاد الخلايا الحركية وكأنما هو حصان منهك في نهاية السباق قد تستطيع حثه على الجري للمسافة المتبقية لكنك أيضاً قد تؤدي إلى هلاكه في نهاية الشوط.
عودة إلى أساسيات وظائف الأعضاء
فإذا ما عدنا إلى المشكلة الأساسية في مرض باركنسون فإننا سنلاحظ أن الحركة لم تفقد وإنما هنالك عجز في ليونتها وفي تطويعها لحاجة الجسم. فالسيطرة على الجهاز الحركي عبارة عن توازن من عوامل كثيرة ومراكز متعددة منها ما يسيطر على الحركات اللاإرادية ومنها ما يعطي الخلفية الضرورية من وضعية الجسم لضمان عدم السقوط أثناء المشي أو أداء الحركات المختلفة ومنها ما يضمن تناسق الحركات. إن خلايا الحركة التي تتلف في مرض باركنسون والمسؤولة عن هذه الأعراض موجودة في منطقة صغيرة من جذع الدماغ تسمى بالمادة السوداء نظراً للونها القاتم. تؤدي هذه الخلايا بإفرازاتها من الدوبامين دوراً معيناً في موازنة مراكز أخرى وفقدان هذا التوازن يؤدي إلى الرجفان والصمل العضلي.
وسائل علاجية جديدة
ظهرت أساليب جديدة في معالجة من وصلوا إلى نهاية الشوط من العلاج بالعقاقير من (إل - دوبا) هذه الأساليب تعتمد على إتلاف تلك المراكز التي عجزت خلايا المادة السوداء التالفة عن موازنة عملها وبالتالي يعود الجهاز العصبي إلى نقطة التوازن أو التعادل السلبي. تتم عملية الاتلاف هذه بإدخال إبر دقيقة وسط الدماغ وتوجه عن طريق التصوير المغناطيسي بوجود خرائط توجيهية معينة بحيث يصل رأس الإبرة إلى المكان المطلوب في المنطقة خلف المهاد ثم يصدر حرارة تؤدي إلى كي منطقة صغيرة 1- 2 ملم يقوم بعدة المريض وكأنما نشط من عقال. يبقى أن تجتاز هذه الطريقة اختبار الزمن وينظر إلى تأثيراتها على المدى البعيد كما حدث مع عقار (إل - دوبا).
وكبديل لعملية الكي المؤدية إلى الإتلاف يمكن إجراء تنبيه مستمر عن طريق بطارية تزرع تحت الجلد، يؤدي هذا التنبيه بتواتر معين إلى تعطيل عمل هذه المنطقة مؤقتاً بدلاً من إتلافها وبالتالي يحفظ خط الرجعة أنه يمكن إيقاف هذا التأثير في أي وقت عن طريق إطفاء الجهاز. وما يزال العلماء في صراع متواصل مع هذا المرض أسوة ببقية الأمراض ويبدو أن البحث العلمي يقفز في كل فترة قفزة تؤدي إلى تجاوز حاجز معين لكن كم هناك من الحواجز الأخرى، هذا أمر لا يعلمه إلا الله «وفوق كل ذي علم عليم».
٭ كبير الاستشاريين قسم علوم الأعصاب