هناك بعض القضايا التي تحتاج إلى مبادرة ويجب أخذها مأخذ الجد لأنها قد تتحول إلى حجر زاوية وبوابة تفتح على الجحيم والأزمات الطويلة .. من تلك القضايا التسلل إلى داخل الوطن من حدودنا الجنوبية والشمالية ودائماً ينظر لمثل هذه القضية "التسلل" على أنها قضية طالبي العمل ويتم مقاربتها بالهجرة الآسيوية والأفريقية إلى أوروبا بحثاً عن فرص العمل تحت عنوان "الهجرات غير النظامية" ..
وهذا التشخيص قد يكون خاطئاً وربما يجر القضية إلى مساحات إنسانية وتعاطف شعبي مع طالبي العمل لكن واقع هذا التسلل شيء مختلف ليست تلك المقاصد لأهداف التسول والتهرب من رسوم الإقامات ومن المطالب المالية من الكفيل السعودي وغيرها من الحجج التي تشكل غطاء لهذا المتسلل إلى داخل الوطن.. القضية أكبر من هذا الأفق القريب فنحن أمام قضية أمنية تتعدد أشكالها من تجارة الأسلحة، وتجارة المخدرات، وتجارة الجسد (بيوت الدعارة)، وتجارة بيع الأطفال، وايجاد مناخ لتنامي جماعات إرهابية وخلايا نائمة، وتشكيل عصابات للسرقات والسطو المسلح، وتهيئة الأجواء لقيام أحياء وربما قرى تكون خارج سيطرة الأمن وتكون مأوى آمناً للمجرمين والمروجين ومحترفي الجريمة..
أنا هنا لا أبالغ ولا أضخم من قضية المتسللين لكن كما يقال إن طريق الكوارث مفروش دائماً بالنوايا الحسنة لذا فالأمر لا يؤخذ بصورته العاطفية تحت ما يسمى بالبحث عن فرصة عمل بل لابد أن يوضع تحت مشرحة الأمن ويتم تفكيكه فلا يمكن أن أنظر إلى الأحداث اليومية التي تحدث على أنها سلوك اجتماعي يوجد في جميع بلدان العالم فمثلاً في الرياض وهي المدينة البعيدة جداً عن حدودنا الجنوبية والشمالية أرى العديد من المتسللين وهم يتسولون عند المساجد والمجمعات التجارية يرتدون زياً سعودي وبلباس أنيق، وترى رجلاً بكامل أناقته يقف أمامك ويقول أنا أخوك من نجران أو رفحاء ليس لدي عمل هنا وأرغب المغادرة إلى منطقتي واحتاج إلى بعض المال، أو رجلاً وامرأة في سيارة تقف في مواقف الأسواق التجارية ليقولا لك إنهما منقطعان ويرغبان الذهاب إلى الدمام أو جدة ويحتاجان إلى مصروف الطريق. أو كما وصف زميلنا الكاتب الصحفي عبدالله الرشيد لحادثة وقعت له في الرياض حين طرق بابه ثلاثة رجال في سن الشباب .. ولكونهم في مظهر لائق يدل على (الاحترام) فقد أدخلهم ابنه المنزل وقام بواجب الضيافة على طريقة الشهامة العربية المفتوحة ظناً منه أنهم أصدقاء والده، وعندما حضر الزميل عبدالله الرشيد إلى بيته هاله ما سمع منهم بأنهم يطلبون مساعدة مالية.. وهذا نوع من الابتزاز المبطن لأن صاحب المنزل في هذا الظرف وهو يرى أمامه ثلاثة شباب وربما كانوا مسلحين وخوفاً منه على نفسه وأسرته وأطفاله سيضطر لدفع المال للخلاص منهم بشكل سلمي وهادئ..
وهناك نماذج أخرى تتم من خلال مجموعة نساء يقمن بطرق الأبواب صباحاً وخاصة في مثل هذه الأيام (وقت العطل) ويقوم الرجال المرافقون لهن بمتابعة الموقف من بعيد وتتم هذه العملية لعدة أهداف ربما يكون منها السطو على المنازل الخالية من السكان وربما اختطاف الأطفال الصغار وربما ترويج المخدرات أو ابتزاز النساء ممن هن بلا محارم في هذه اللحظة.
لذا أرى أن علينا واجباً أمنياً وسكانياً ومجتمعياً بأن نتحرك لاحتواء هذه القضية قبل أن تتشكل ويصبح من الصعب اجتثاثها أو حتى مقاومتها ويتحول المجتمع إلى رهائن في أيدي متسللين ومخربين ومحترفي الجريمة.