قبل عام تقريباً ذهبت إلى السوق لشراء تلفزيون جديد. وكنت عاقداً العزم على شراء "أكبر شاشة" أجدها أمامي.. وفي أحد المحلات وجدت جهازاً أعجبني شكله - وراقتني شاشته - فسألت عن سعره. وحين قال البائع " 1200ريال" أصبت بمزيج من الدهشة والحيرة. فخبرتي في التلفزيونات تعود إلى (أيام الزواج) حين كانت الماركات اليابانية والألمانية المماثلة تتراوح بين 5إلى 6آلاف ريال.. وهكذا توجهت إلى البائع بسؤال جاهز: لا يكون صناعة صينية!؟ ابتسم الرجل وقال بلهجة عامية: "هووا فيه حاجة ما هي صينية هذه الأيام"!!.. وفي لحظتها فقط أدركت كم أصبح هذا السؤال "بايخ" وبدون طعم أو لون أو رائحة!
.. فقبل عشر سنوات (حين اشتريت تلفزيون شارب بخمسة آلاف) كتبت مقالاً عن تغلغل الأجهزة اليابانية في كل مكان. وحينها قلت شيئاً من قبيل: انظر في منزلك هل ترى جهازاً لم يصنع في اليابان.. ولكن اليوم تغير الوضع بسرعة وتراجعت الأجهزة اليابانية وبدأ سؤال جديد بالتبلور (هل ترى حولك شيئاً لم يصنع في الصين). فمن الملاحظ ان البضائع الصينية بجميع أنواعها غزت - ليس أسواقنا المحلية فقط - بل وأسواق العالم الصناعي.. وبفضل سعرها الزهيد ضربت أسواقاً عريقة كالجلديات في إيطاليا وآلات التصوير في ألمانيا وساعات اليد في سويسرا وقطع الغيار في اليابان وأسواق الفيديو في الولايات المتحدة.. وفي الخمس سنوات الأخيرة بالذات تجاوزت الصين المنتجات التقليدية وانتقلت إلى صناعة الالكترونيات وشرائح الكمبيوتر وتقنية المعلومات وقطع غيار الطائرات (وتوجت كل هذا بإطلاق أول مركبة فضائية صينية قبل فترة بسيطة)!!!
والصين (من وجهة نظر رسمية) لا تزال تتبنى المذهب الماركسي الاشتراكي. ولكنها على أرض الواقع تتمتع بحرية اقتصادية كبيرة وثورة رأسمالية لم تمر بأي دولة غربية؛ فخلال عقد التسعينيات مثلاً حقق إنتاجها المحلي نمواً فاق بثلاثة أو أربعة أضعاف ما حققته اليابان وأمريكا والاتحاد الأوروبي؛ ففي عام 1994م مثلاً حقق الاقتصاد الصيني نمواً بلغ (12%) وفي عام 1996م (9%) وفي عام 1998م (11%) وخلال العشر سنوات الماضية حققت مقاطعة كانتون وحدها نسب نمو لم تقل عن (15%).. أضف لهذا حقيقة ان شخصاً (من كل أربعة على كوكب الأرض) يحمل الجنسية الصينية؛ وهذه النسبة تشكل سوقاً هائلة وقدرة على التوسع تغني الصين عن التصدير (.. في حالة اختفاء البشر من على الأرض)!!
وللأمانة نشير إلى ان ثورة الصين الحالية لا تعزى فقط إلى الاصلاحات السياسية - أو سوقها الاستهلاكية الضخمة - بل وأيضاً إلى مهارة وعزيمة المواطن الصيني نفسه؛ فحين وصل المستعمرون البيض إلى جنوب آسيا اكتشفوا ان الصينيين سبقوهم إلى تلك المنطقة وحققوا فيها نجاحات خارقة. ففي عام 1621م قال الرحالة البريطاني توماس هيربرت ان الصينيين في آسيا يذكرونه بـ "يهود أوروبا" حيث يكسبون رزقهم بشتى الطرق ويحتكرون حرفاً لا يجيدها غيرهم.
أما في العصر الحديث فتمتعت الجاليات الصينية (في جميع الدول الآسيوية) بمستوى دخل وتعليم يزيد كثيراً عن السكان الأصليين (ويكفي القول ان أول عشرين بليونيراً على مستوى آسيا يعودون لأصل صيني). ورغم ان هذه الجاليات لا تشكل أكثر من 10% من السكان المحليين إلاّ أنها سيطرت بقوة على القطاعات الاقتصادية والصناعية في ماليزيا وأندونيسيا والفلبين وتايلند - ناهيك عن الدول ذات العرق الصيني الخالص كتايوان وسنغافورة وهونج كونج.. وفي المقابل كان يصعب تحقيق نجاحات مماثلة داخل الصين نفسها بسبب صرامة النظام الماركسي فيها. ولكن بعد وفاة ماوتسي تونج والاصلاحات الجذرية في نهاية الثمانينيات بدأت الصين تغلي بالمواهب الخلاقة والصناعات الجديدة وشركات الاستثمار الأجنبية.. وفي حين لم يكن في شانغاهاي (حتى عام 1985م) ناطحة سحاب واحدة - أو قطار كهربائي حديث - تضم اليوم مائة وأربعين ناطحة سحاب وأسرع قطار مغناطيسي في العالم!!
.. (وبعكس ما يعتقده البعض.. ما زال التلفزيون يعمل بصورة جيدة)!!