لا غرابة في مرور خبر وفاته رحمه الله مرور الكرام، فهو الزاهد في مكانة الحياة التي لا حقيقة فيها سوى الموت، ولو كان العمل المستمر برعاية الضمير الحي هو الذي يعلي العلو الدنيوي لرأيناه في صدارة الأضواء.
لقد خدم عليه رحمة الله في التعليم وشؤونه كل سني حياته الوظيفية وكأنه عامل منجم يعمل تحت الأرض ليخدم أمته ومجتمعه ووطنه، ويسهم بفعالية لا مرجل فيها ولا ضجيج من أجل تنشئة صالحة فاضلة ناضجة للأجيال اللاحقة، ولم يضع بصمة بل بصماته على مسارات ومنارات المستقبل التربوي في حدود الإمكانات والقدرات، ولكنه لم يدخر وسعاً في البذل والعطاء والتضحية بالوقت والجهد والراحة، عمل أعمالاً عدة متنوعة منها مدير عام الإدارة العامة للتعليم في وزارة المعارف. وكان يجيد التعامل المنتج مع الموظف والمراجع والواجب. كما عمل ملحقاً ثقافياً «تعليمياً» في دمشق، وقد أتاح له ذلك أن يضيف إلى نجاحه في الإدارة التعليمية فلاحاً في الأعمال الخيرية، حيث رعى ابتداء وبكفاءة العناية بأسر وأيتام وأولاد مطلقات أو شبه مطلقات، هم من وطنه واحساسه الغامر بواقعهم المر دفعه إلى أن يتبنى في البداية جمع تبرعات من المحسنين، فلما شبت الفكرة عن الطوق بفضل الله ثم بفضل سعيه الحثيث، واخلاصه الملحوظ، وأمانته وثقة الأثرياء به، لما قام المشروع على قدميه ثبّت قواعده وأرسى أركانه بأن تبنته الدولة، فصارت رعاية أسر وأطفال السعوديين هيئة رسمية لها ميزانيتها ونشاطاتها الفاعلة التي حولت النشء إلى أيد عاملة متعلمة استطاعت أن تبني نفسها ومستقبلها ومستقبل أولادها بما قد لا يتيسر لو لا اليد الحانية، والنفس المؤثرة، وصدق النية والطوية في طلب ما عند الله سبحانه وما يريح الضمير الحي الذي يعي ما يجب عليه في الحياة ليكون به الرصيد الباقي المتحول معه عندما يغادر الحياة إلى ما بعد الحياة، عالم البقاء.
كان حمزة عابد رحمه الله مثالاً رائعاً لحسن الخلق، والبشاشة وحب الخير للآخرين وينطبق عليه قول: «كأنك تعطيه الذي أنت سائله».
عندما كان مديراً عاماً للتعليم في الوزارة سمع بمدرسة في حي فقير أوجد بها مديرها الأستاذ عبدالرحمن بن عبدالله الشويعر تغذية تعاونية قبل ايجاد التغذية المعممة فيما بعد، فذهب حمزة رحمه الله ذات يوم إلى المدرسة واتجه رأساً «للبوفيه» وشارك الطلبة الذين يحضرون للوجبة المدرسية عملهم ووقف على سير العملية وتكونت إثر ذلك بينه وبين مدير المدرسة علاقة احترام وود وتعاون متبادل سره توفر الاخلاص لدى الاثنين، للتعاون على البر والتقوى. وما كان عليه ان يذهب هذا حمزة «أبو عرب» الإداري التعليمي، وهذا هو حمزة «أبو محمد» راعي العمل الإنساني الاجتماعي الخيري، أما حمزة التدين والعبادة، وكل أعماله المشار إليها عبادة أما حمزة في الأهم وهو التدين فإنه يذكر عنه هنا وفي الشام انه يوقظ أولاده لصلاة الفجر، وفي المسجد، ومن يعرفه يلاحظ انه يكبر سناً وتكبر معه درجات الورع والزهد والتقوى والإيمان - ولا يزكى على الله أحد - كما يكبر معه العمل الصالح والأداء المفيد المثمر الذي يستغل الوقت فيما ينفع الناس وما ذلك إلا لسمو الإحساس وهو لا يكل ولا يمل من العمل.
قد يغضب، ولكن تسامحه وطهارة قلبه تسبقان عواقب غضبه، كان محباً للناس فأحبه الناس، إذا وجد من لا سند له، حاول أن يكون له سنداً لا يبتغي بذلك سوى وجه الله تعالى، وكلما تقدم به السن ازدادت ثروته من النوايا الطيبة والسلوك الراقي، والتعامل النقي. وكلما ازداد قربا من الآخرة ازداد قرباً من الله.
إذا ذكر المؤسسون للتعليم في بلادنا، ولم يذكر فاعلم أن الدراسة ناقصة غير مستوفية من يستحق ذكره، ذهب بسيرة عطرة، وأعمال خيرة، تجعل من يعرفه ويكتب عنه لا يتحرر من الشعور بأنه مقصر بحقه لم يستوفه ما يستحقه، ومن خصاله التي لا تنسى ولها دور لا ينكر انه لا يمر بأخطاء لغوية أو نحوية أو املائية دون أن يعالجها كيف لا وهو المتخرج من جامعة دار العلوم بالقاهرة قسم لغة عربية، اللهم أسكنه وأسكنا معه ووالدينا وجميع المسلمين فسيح جناتك، وأجعله قدوة لمن بعده من أولاد ومعلمين وغيرهم في الجمع بين الإيمان والاتقان وحسن النية والإخلاص والرغبة التي لا تشوبها شائبة في الإصلاح، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة وهجرته إلى الله ورسوله فلم تكن لدنيا يصيبها، والله أدرى به ولكن من أحبه الله أحبه الناس بكل ألوان الطيف، والمجالس تفوح بعطر سيرته وما يظهر دائماً من سريرته. اللهم اغفر لنا وله ولجميع المسلمين.