تلقى البيت الأبيض في مطلع شهر سبتمبر من العام الماضي 2004م تقريرا عن استراتيجية التواصل الفكري بين أمريكا وبين غيرها من الدول، صادراً من مجلس علوم الدفاع الذي يعمل تحت مظلة وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون"، الذي سفه مسارات هذا التواصل الفكري.
لم يأت هذا التقرير من لدن مجلس علوم الدفاع، وانما جاء بتكليف من الرئيس الأمريكي جورج بوش، الذي يسعى إلى إيجاد السبل والوسائل التي تمكن واشنطن من الانتصار في حرب الأفكار الدائرة بين أمريكا، وبين المسلمين الذين تصفهم بالتطرف.
تضمن تقرير مجلس علوم الدفاع نقداً حاداً للرئيس جورج بوش وأركان إدارته باعلانها الحرب ضد الإرهاب بدون أن تعرفه، أو تأخذ بأحكام القانون الدولي العام التي عرفته بالعدوان على الغير، بهدف إدخال المسلمين تحت مظلة الإرهاب بعد وصفهم بدون دليل بالتطرف غير أن عمومية لفظ الإرهاب الذي اتخذته أمريكا جعله يشمل دولاً عديدة يلزم واشنطن بمحاربتهم جميعاً تحت مظلة حربها للإرهاب.
اضطرت واشنطن في مواجهة هذا الواقع الدولي الذي فرضته على نفسها باعلان الحرب ضد الإرهاب إلى السير فوق مسارين خطيرين ومتناقضين، اولهما توجيه التهم جزافاً إلى دول بممارسة الإرهاب، وهي ليست إرهابية، وثانيهما استثناء إسرائيل من محاربة الإرهاب وهي من عتاة الإرهابين في الأرض، وادى ذلك إلى فقدان أمريكا لمصداقيتها في محاربة الإرهاب، الذي اغلق ابواب الحوار الفكري بين واشنطن وبين عواصم الدول المختلفة، مما يجعل هزيمتها مؤكدة في حرب الأفكار الدائرة بينها وبين المسلمين الذين استطاعوا أن ينفوا عن انفسهم امام العالم التطرف الذي تصفهم به أمريكا.
يواصل تقرير مجلس علوم الدفاع كلماته ليوضح رؤيته التي تذهب إلى أن استراتيجية التواصل الفكري التي تتخذها واشنطن غير عملية، ولا يمكن تطبيقها فوق أرض الواقع وهذا يستدعي بالضرورة تغيير هذه الاستراتيجية للتواصل الفكري حتى تستطيع أمريكا التغلب على الأزمة الحادة التي تمر بها في مواجهة العالم، بعد أن فشلت في اقناع العالم بوجهة نظرها الفكرية التي ترغب في فرضها على جميع الدول وعجزت في نفس الوقت عن تبرير حربها ضد الإرهاب وهزيمتها فيها، في داخلها، وبدأت تتضح معالمها الاخرى في حرب الأفكار التي ترفعها ضد المتطرفين من المسلمين.
انتقد التقرير الصادر من تحت مظلة البنتاغون، اصرار الرئيس الأمريكي جورج بوش وأركان إدارته، على مواصلة السياسة الخارجية لواشنطن في محاربة المسلمين المتطرفين الذين يشكلون الإرهاب الدولي على الأرض، وبذلك فهم يتآمرون على الامريكيين لأنهم يكرهون أمريكا وديمقراطيتها دحض واضعو التقرير هذا الرأي الرسمي الصادر من البيت الأبيض بتأكيدهم بأن المسلمين لا يكرهون الشعب الأمريكي ولكنهم يحتقرون السياسة الأمريكية لانحيازها الفاضح إلى إسرائيل ووقوفها العدواني ضد الشعب الفلسطيني بكل ما يترتب على ذلك من تغيب للعدل الذي يفقد الديمقراطية الأمريكية دلالاتها، ويوصمها بالممارسة الديكتاتورية فوق المسرح العالمي، وقد اكد هذه الرؤية للمسلمين التقارير الكاذبة التي تصدر من البيت الأبيض والتي تستهدف تضليل الرأي العام الأمريكي عن حقيقة ما يحدث في افغانستان والعراق بعد غزوهما عسكرياً بجند أمريكا، ومحاولة واشنطن فرض نظام حكم عميل لها في كابول وبغداد، لاثبات أن الوجود العسكري الأمريكي في البلدين يتسم بالشرعية الدولية، لقبوله من قبل الحكومتين في كابول وبغداد، تحت مظلة مسعى أمريكا إلى الأخذ بأسباب اقامة الحياة الديمقراطية بهما.
يؤكد تقرير مجلس علوم الدفاع بطلان وجهة النظر الأمريكية للخلل في مقدماتها ونتائجها، وصدق وجهة نظر المسلمين التي تذهب إلى أن الوجود العسكري الأمريكي في افغانستان والعراق، هو احتلال سافر بكل المعايير الدولية، الذي ينفي تماماً الأخذ بأسباب الديمقراطية في البلدين التي تدعي واشنطن العمل على تطبيقها بهما، بدليل الفوضى التي تسود في افغانستان والعراق، وماتفرضه من معاناة على مواطنيهما، الذين يواجهون خطر الموت بالقتل العشوائي للناس بهما، تحت مظلة الديمقراطية الأمريكية الزائفة فأنكرها المسلمون لانها في حقيقتها ديكتاتورية سافرة تتناقض مع الديمقراطية التي يؤمنون بها ويعملون على تطبيقها في كل الأوطان الإسلامية.
إذا خرجنا عن نص تقرير مجلس علوم الدفاع، لوجدنا واشنطن ماضية في غيها الديكتاتوري الدولي بالتخطيط الرامي إلى غزو سوريا، بحجة أن احتلالها عسكرياً من قبل أمريكا، سيفضي إلى إخضاع إقليم الشرق الأوسط بكامله إلى السيطرة الأمريكية، ويوفر متطلبات الأمن والاستقرار في العراق، وهذه الخطة التي اعدها البنتاغون لغزو سوريا موضوعة على مكتب الرئيس جورج بوش في البيت الأبيض لاتخاذ قرار الحرب ضد سوريا، وفضح هذه الخطة الأمريكية العدوانية ضد سوريا رجال بالبيت الأبيض بتسريب احتمالات الحرب ضد سوريا إلى الصحافة الأمريكية، وهو موقف للبنتاغون يتناقض فيه مع نفسه بالتعارض مع ما جاء في تقرير مجلس علوم الدفاع التابع له.
العودة إلى متن تقرير مجلس علوم الدفاع نجد رئيسه ويليام شينيدر يقول ان الانتصار الأمريكي في معركة الأفكار مع المسلمين المتطرفين، يتطلب بالحاح إلى استراتيجية جديدة يتم من خلالها التواصل مع العالم، وأن الفشل الذي يتربص بنا في هذه المعركة الفكرية تعود اسبابه إلى ثلاثة محاور تحتاج إلى اجابة صريحة من الرئيس جورج بوش وأركان إدارته تؤدي إلى اتخاذ قرار حازم.
المحورالأول.. فهم الواقع الدولي كما هو وليس كما نريده، وهو الخطأ الذي وقعت فيه واشنطن استناداً إلى تقرير لجنة تقصي الحقائق الزائف في أعقاب احداث 11سبتمبر عام 2001م، الذي اكد بأن العراق يمتلك أسلحة الدمار الشامل.
المحور الثاني.. ضرورة التخلص من المسؤولين في الإدارة الأمريكية الذين ضللوا البيت الأبيض بالمعلومات الخاطئة التي أدت إلى اتخاذ القرار الخاطئ في غزو العراق.
المحور الثالث.. علاج الخلل الوظيفي في مجلس الأمن القومي الذي يمنع اتخاذ القرار المنطقي بما يفرضه من حيرة وتردد في اتخاذ القرار.
تكتم البيت الأبيض على تقرير مجلس علوم الدفاع الذي وصله في سبتمبر الماضي، ليمنع تسرب اخطائه إلى الناخب الأمريكي ليضمن صوته في انتخابات الرئاسة الأمريكية في شهر نوفمبر الماضي 2004م بعد أن تحقق فوز الرئيس جورج بوش بالرئاسة الأمريكية لحقبة حكم ثانية، وهذا يعني التعمد باخفاء المعلومات عن الشعب الأمريكي الذي يقيم فضيحة البنتاغون جيت، وهي تماثل فضيحة الوتر جيت التي اطاحت بالرئيس ريتشارد نيكسون واخرجته من البيت الأبيض بسبب اخفاء المعلومات، وهناك من يطالب اليوم في أمريكا مساءلة الرئيس جورج بوش عن اخفاء المعلومات عن الشعب الأمريكي فإن ثبت عليه تهمة اخفاء المعلومات يعمل على الاطاحة به واخراجه من البيت الأبيض بسبب اخفاء المعلومات، وهناك من يطالب اليوم في أمريكا مساءلة الرئيس جورج بوش عن اخفاء المعلومات عن الشعب الأمريكي فإن ثبت عليه تهمة اخفاء المعلومات يعمل على الاطاحة به واخراجه من البيت الأبيض بفضيحة البنتاغون جيت.