الرئيسية > مقالات اليوم

المقال

الإسلام والتنوير (1)


محمد بن علي المحمود

يتم طرح التنوير في العالم العربي والإسلامي، كخيار من عدة خيارات، تتقدم بها تنويعات الاجتماعي؛ بغية الخروج من واقع التخلف الذي يحاصرها، إلى واقع آخر مغاير، واقع واعد، يداعب أحلامها بأطياف المعاصرة التي تنتشلها من براثن الجهل والمرض والفقر والإلغاء. إنه حلم الأجيال المتتابعة، منذ فجر اللقاء بالآخر الغربي الذي يعيش هذا الحلم الأممي، وليس مجرد خيار بين اليمين واليسار. إنه بوابة الحياة، ولا أحد يختار الموت على الحياة، وإنما هو اضطرار في لحظة انتحار.

والذي يتأمل طريقة المجتمعات النامية مع الإشكال الحضاري الذي يواجهها، يجد أنها واعية تمام الوعي أن الخيار التنوير المتماهي مع الآخر الغربي هو الخيار الذي يستطيع تحقيق الكثير والكثير، لشعوب بائسة، لا تمتلك من آليات المعاصرة ومعطياتها إلا القليل. وقد لا تعبر عن هذا الوعي بصورة مباشرة وصريحة، وإنما يكفي أن يكون حراكها يشي بهذا الخيار. فمثلاً طرحها لمشروعها الخاص - كبديل للمشروع التنويري التغريبي - هو اعتراف بضرورة المعاصرة وحتميتها، بمعنى أنها تعي أن التقدم هو الخيار الأوحد، ولكنها ترفض الاتكاء على نموذج الآخر، بل قد يكون الرفض التام لقيم المعاصرة نوعا من الاعتراف بهذه الحتمية الحضارية، فالرفض والانكفاء على الذات هو اعتراف بالموقف السلبي تجاه تحديات المعاصرة.

وإذا كانت بدايات التنوير العربي - أو على نحو أدق محاولات التنوير العربي - قد اضطلع بها (الأزهري) رفاعة الطهطاوي، كرائد للتنوير، فإن مرحلة ما بعد الإمام محمد عبده كانت مرحلة التنوير اللاديني - وليس بالضرورة المتصادم مع الديني - تلك المرحلة التي أعطت فيما بعد تصورا عن ثنائية ضدية بين ما هو ديني وما هو تنويري. وللأسف، استمرت هذه الثنائية في الحضور، وترسخت وتعمقت بعد صعود تيارات الأصولية التي تجنح إلى التطرف فيما تأخذ وتدع، والتي تضحي بقيم التنوير، وأهمها: العقل، في سبيل فهم غير مقاصدي لنصوص الشريعة السمحة، بحيث غدت ذهنية التحريم هي المقابل الديني لما هو تنويري وعصراني.

إذن، الموقف العدائي من التنوير لم يكن موقف الإسلام كدين، وإنما موقف شريحة من المسلمين، شريحة هي الأرفع صوتا، والأكثر تكلما بلسان الدين بين أوساط الجماهيري المنفعل بها. وبما أن التنوير الذي لا يحفل بتبرئة نفسه من التغريبي وما تقاطع معه هو التنوير الرائج كمادة إعلامية في العالم العربي، بحيث يناولها الإسلاموي كموضوع للاشتغال عليها، بغية تحقيق أهداف تتأرجح بين الشخصي والسياسي والديني، فإن التنوير سيبقى موضع اتهام من الجماهيري، بوصفه المشروع المنافس والمناهض للمشروع الديني الذي تحمل راياته جماعات الإسلام السياسي، مما يؤدي إلى أن يتسرب إلى الوعي الجماهيري أن التنوير ليس انفتاحا لآفاق الإسلامي، وإنما بديل له. وبهذا يصبح العداء للتنوير أمرا طبيعيا، كنتيجة خاطئة لمقدمات خاطئة في تصور ما هو التنوير.

لكن، إذا كانت هذه هي معالم الواقع، فإنه واقع يعكس خوفا وتوجسا من التنوير، له مبرراته في الوجدان الجماهيري، لكنه في الحقيقة خوف مما لا خوف منه؛ لأن التنوير المعزول عن وجدان الأمة، المنفصل عنها، في دينها وتاريخها وهويتها، ليس قادرا على الفعل فيها، ولا على أن يصنع لها مستقبلا من الوعي مغايرا لما هي عليه، أي انه بهذا الحال عاجز عن ممارسة إيجابيته فيما يراه، وعاجز عن ممارسة سلبيته فيما يراه الجماهيري سلبيا.

وبهذا، فإن نقل التراث التنويري الغربي - كما هو عليه في العالم الغربي - إلى مجتمعات تشكلت منذ قرون على تراث آخر، وتشبعت به، ولديها وعيها الخاص الذي تعاين به الوجود، لم يعد واردا في الحراك الثقافي الإسلامي المعاصر، إلا لدى قلة تفتقد لأدنى مقومات التأثير في الوعي العام. ولا شك أن انعدام الأثر في مثل هذا الفعل يعني بالضرورة انعدام الخطر عند من يتوجس خطرا من المد التنويري ذي الأبعاد التغريبية الصريحة.

وأمر آخر، يمكن أن يمنح الطمأنينة لمن يخشى من الانفعال بالتنوير الغربي، وهو أن الفعل التنويري الراهن يستلهم مقومات الحضارة الغربية، ويخوض تجربتها الرائدة في فترة تقف فيها تلك الحضارة أمام نفسها، تتأمل ذاتها، وتفحص مسيرتها، وتمارس نقدا جذريا لتصوراتها ومنطلقاتها الفلسفية التي قامت عليها منذ بدايات التنوير. وهذا يقي - إلى حد كبير - من لحظات الانبهار التي يخشاها البعض على الفاعل التنويري، وإن كان لا يقلل بحال من درجة المثاقفة، ولا من الإيمان بحتمية هذه المثاقفة.

ونحن إذ نطرح التنوير - كخيار مستقبلي للأمة - فإننا لا نطرحه في صورته التراثية التي لا تتجاوز به الزمن الحداثي بحال، وإنما نطرحه باعتباره الأساس الثقافي الذي ينتظم الحراك الحضاري للغرب منذ أربعة قرون. بمعنى أننا إذ نستحضر بدايات الانبعاث الغربي، وأطروحة الحداثة الغربية، منذ بدايات عصور الأنوار، فإننا لا نتجاهل اللحظة الراهنة (الما بعد حداثية) التي يقف الغرب على حدودها، ويعتبرها بعض منظريه، لحظة مغايرة، تقطع مع ما سبق من أزمنة الحداثة، وتنقلب على قيم التنوير.

وفي ظني أن المرحلة الغربية الراهنة التي يمر بها الغرب ثقافيا، والتي تتراءى كنقيض للمرحلة التنويرية، ليست إلا جزءا من الحركة التنويرية الغربية، حتى وإن كانت - كما تبدو الآن - انقلابا على قيمها، وتشكيكا في مقولاتها، واستهزاء بشعاراتها. إنها - أي المرحلة الما بعد حداثية، - ثورة تنويرية داخل السياق التنويري الغربي الذي لم ينقطع منذ أن بدأ، والذي لم ينفك عن المراجعة، تحت صور شتى، ليس الارتياب بالحضارة الغربية - كمنجز - وهجائها، من قبل بعض رموزها، بأقل تلك الصور شأنا، ولا بأدناها أثرا.

وبما أن الحداثي والما بعد حداثي داخل في السياق العام للفعل الحضاري الغربي الذي نسعى للتماهي معه، كمشروع يمتد لقرون، فإننا في هذا الظرف الحضاري الخاص، يجب أن نتمثل هذا السياق في نقطة البداية، مرورا بالمراجعات، إلى نقطة النهاية التي يقف الغرب لديها الآن. أي أن نشرع في التنوير والحداثة، باستحضار البداية التاريخية للتنوير، دون أن نغفل عن المرحلة الما بعد حداثية التي نتزامن معا، ودون أن نتغاضى عن موقفها من المشروع التنويري.

هنا، نجد أنفسنا في موقف خاص (ليس من الخصوصية) ليس هو بالزمن الغربي في مرحلة ما قبل التنوير، فقد كان الغرب آنذاك يخوض تجربته الإصلاحية دون نموذج قائم يتمثله، وليس بالتنوير ومخاضه العسر، فضلا عن أن نعيش الزمن الما بعد حداثي. كما أننا - من ناحية أخرى - مسلمون، نمتلك رؤى خاصة، ويمثل لنا الإسلام مشروع حياة. طبعا في صورته الأساس المعيارية، لا في التجارب التاريخية التي أنجزت بالفعل.

هذا يعني أننا لابد أن نعي أننا لسنا في القرن السابع عشر أو الثامن عشر؛ كي نأخذ التنوير كمنجز جاهز، كما أننا لم نمر - من حيث الوعي الحضاري - بالقرن العشرين - فضلا عن تجاوزه - حتى نتنكر للمنجز التنويري وآفاق الحداثة، في سبيل الما بعد، إذ لازلنا في مرحلة الما قبل.

وإزاء هذا وذاك، لا يخفى أن بعض مفردات التنوير تصطدم ببعض مفردات الإسلامي، ويعدها البعض - بتصور خاص - نقيضا للتصور الإسلامي في كليته. وفي ظني أن (جوهر) العملية التنويرية لا يصطدم بالإسلام، بل الإسلام في تموضعه الأول كان فعلا تنويريا رائدا؛ لولا أن التجربة الأموية أجهضت المشروع وهو لا يزال في طور التشكل.

ويدرك من يتأمل الحالة الإسلامية والعربية أن التلقي الساذج والسلبي للمنجز التنويري الغربي، والذي لا يأخذ في اعتباره إنتاج مقولاته الخاصة التي يفرضها واقعه من جهة، وتفرضها المثاقفة مع الآخر من جهة أخرى، يقضي بفشل التجربة، خاصة عندما تلامس شروط الواقعي، بما فيه من معطيات الإسلامي التي أثبتت شواهد الواقع أن لها النصر في النهاية، في حال تضادها - في الوعي الجماهيري - مع أية قيمة.

كل هذا يؤكد أن الفاعل التنويري في العالم الإسلامي، كما لا يمكنه تجاهل طرفي المرحلة التنويرية الغربية وتنويعاتها، لا يمكنه تجاهل المكون الإسلامي للأمة، والفاعل الأهم، والأكثر جذرية في وعيها، وإن أمكنه تجاهل التجربة التاريخية للإسلام؛ بوصفها ممارسة بشرية يمكن اطراحها. وفي حال تجاهل الإسلام أو التراثي التنويري ومتتالياته، تصبح العملية محض استهلاك، إما للتاريخ وإما للآخر. وهذا يعني بوضوح، غياب الفعل الحضاري لغياب التنوير الحقيقي، التنوير المنتج لزمن خاص ومكان خاص، يشبه هذا أو ذاك، لكنه ليس هو على وجه التحديد.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 1

  • 1

    على الاهمية والجمال الانساني الذي تحمله كثير من الكلمات للانسان مثل التعليم والتنوير والتثقيف والتطوير والرقي والرفاه والعدل والحرية وغيرها كثير, إلا أن بعض العمليات الفكرية والانسانية والتاريخية التي تتفاعل تلك الكلمات معها وبها – كالتجريد والتأصيل والتوجيه والتقيد والنقد – تجعل لها طابع يختلف عن المتعارف عليه ومن هنا يأتي التردد والتخوف من التعامل مع بعضها. فتلك العمليات قد تحرف وقد تعطل وقد تعزل تلك الكلمات عن مضامينها وعن مسارها الفاعل وخاصة في العالم الاسلامي.

    والغرب عندما أهتم بالتنوير تجد انه بسطها تبسيطا, وقننها تقنينا, ثم ركبها تركيبا جميلا, فجاء تنويره لنفسه منظما. والتبسيط ليس بسيطا وكذلك التقنين, ولكنه ليس مستحيلا على المجتهد والمستمتع. ولكي تمنهج العملية التنويرية في الغرب تجد أنهم يهتمون بتعليم الطفل إهتماما بالغا, فتجده يهتم بتنويره قي ثقافته الانسانية قبل العلمية. والتنوير هنا انما هو التوجيه انما يغرس فيه الأليات – وبعبارة أصح ينظم ويوجه تلك الغرائز والمواهب والقدرات العقلية والانسانية الكامنة فيه - لمواجهة المستقبل, لذلك تجد أن الحمل عليه خفيف بل ولطيف وظريف وموجه ومنظم ويتناسب مع قدراته, بينما تجد تلك العملية لدينا – ليست كلها خطأ بالتأكيد, ولكن تطويرها مطلوب لكي لا تكون من عوامل التخلف وهي تعليمية تطويرية, ولا تكون – عبأ ثقيل وحمل غير لطيف ولا ظريف. ومرحلة الطفولة هي المثلى لغرس وتنمية وتوجيه تلك المهارات الانسانية. واللطافة والظرافة والمتعة عوامل انسانية اساسية لنجاح العملية.

    التنوير مشتقة من النور وثقافيا يقصد بها الخروج من الجهل والظلام وهو الجمود الفكري والقيود الاجتماعية والتخلف والبدائية في الوسائل والاهداف, الخروج منها إلى النور وهو العلم ينور ويطور حياة الانسان ويجعله يتخلص من كل العوائق والموانع التي تقف في طريقة في سبيل الوصول الى غايات افضل.

    والذي يتنور في الانسان قلبه ثم عقله ثم خصائصه لإانسانيه, والقوة الدافعة للتنور هي التي توجه العملية التنويرية, وتكون هي الاساس ويكون لها الفضل, فالتنوير الموجود في الثقافة الغربية إنما هو نتاج معاناة الثورة على التوجهات الدينية القديمة التي سادت بجهلها وقتلت في الغربي انسانيته وطموحه وانطلاقه, فجاءت الثورة على القيم وعلى الدين حركة تنويرية قوية. ولما كانت المعاناة الانسانية هي السبب والدافع لتلك الثورة جاءت الثورة التنويرية متجه الى الانسان الى رفاهيته وسعادته وحريته وعدالته, حتى انها من عظيم اهتمامها به ألهته, لذلك كان لابد – كشرط اساسي في تلك الحركة الانسانية التنويرية - ان تذلل السبل - كل السبل - الى تحقيق – غايتها وهي - انسانية الانسان.

    وعندما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قراءة كتب أهل الكتاب والاستغناء بالقرآن الكريم عنها انما فعل ذلك لعلمه صلى الله عليه وسلم ان تلك المصادر - كتبهم – تحتوي على كثير من التحريفات المشوهة لجمال الحق الي نزلت به, ولما لها من تأثير مباشر على الانسان على قلبه وعقله, فكان ذلك توجيها حاسما وراقيا ومستوقيا لشروط التوجيه وتحديد لمصدر تلقي التوجيهات التي تختص برقي الانسان. ولعل الثورة التقنية خلطت الأمور عند الكثير من الناس فتجدهم يلجآون الى المصادر الغربية في معالجة الاستشكالات الانسانية وهي لا تزيدهم إلاغيا وضلالا.

    بين الفقه والتنوير:
    وفي الصدام الحضاري بين الاسلام والغرب, تجد ان الاسلام منفتح على الغربي اكثر من انفتاح الغربي على الاسلامي, وبالضرورة الحتمية يجب أن يكون كذلك, لذلك تجد أن الاسلام يحرص على المسلم دائما وخاصة في المرحلة التنويرية ألا يقع في المتاهات التنويرية الضالة التي وقع فيها الغربي, لذلك تجد أن الاسلام يستخدم كلمات تنويريه خاصة ذات وجهة بينة وذات معنى أدق وأوسع وأشمل فيستخدم الإيمان بدل الانسان لتحديد وجه تلك العملية الانسانية التنويرية, فقال سبحانه وتعالى " يرفع الله الذين أمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات", ولأن العملية التنويرية للأنسان نفسه, ولأن الذي يعي ويدرك في الانسان هو قلبه, تجد أن الاسلام يستخدم كلمة الفقه بدل التنوير, ويبين أن القلب هو الذي يفقه ويعي ويدرك الحق والحقيقة والحقائق, ووانه متى ما فقه قلب الانسان فالنتيجة المباشرة النور والتنوير, والأيات الدالة على ذلك كثيرة منها قوله تعالى " قد فصلنا الأيات لقوم يفقهون" وقوله تعالى " لهم قلوب لا يفقهون بها" و قوله تعالى " وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون", وقوله تعالى " فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا", وقال تعالى " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين".

    والثقافة والعلم والفقه تنير حياة الانسان مادامه متوجها بها الى الله سبحانه وتعالى ومحافظا على ذلك التوجه – وهو ذكر الله - حي في قلبه وفي عمله واذا اعرض عن ذكر الله كان الانسن بثقافته وعلمه كالمنافقين الذين قال تعالى فيهم " فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون" ثم وصفهم في وضعهم ذلك فقال " صم بكم عمي فهم لا يرجعون".

    سالم العلي - زائر

    09:32 صباحاً 2005/01/19



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة