الرئيسية > مقالات اليوم

الــمـســتـــور


عبدالله محمد الغذامي

بامكان أي إنسان أن يعجب من ثقافة تستند إلى رمز عميق مثل رمز رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام، وهو رمز مذهل في سيرته الذاتية، وفي تعامله مع البشر، أطفالاً ونساء وخطائين، وعن كل واحدة من هذه الفئات قصص مثيرة في رقي التعامل الإنساني، ويكفي في مقامنا هذا أن نشير إلى ملمح عميق الدلالة حينما تحدث الرسول الكريم عن زوجته عائشة واصفاً إياها بالحميراء، وهي ليست تسمية للمؤنث فحسب بل هي وصف وتمليح وتودد ورحمة وتعال في أسلوب تقدير المرأة وإعطائها حقها من الوصف الجميل والكريم، ولقد قلت شيئاً من هذا للأستاذ مهدي عماش في مهاتفة جاءتني منه، وأشرت إلى المأثور من القول مما معناه: خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء، أو شطر دينكم - كما في بعض النصوص - ورد علي الأستاذ عماش بأن هذا الحديث غير ثابت عن الرسول، ولقد شغلتني ملاحظته هذه مدة الأسبوع الفائت كله، وغرقت في بحث في كتب الحديث التي في مكتبتي واستعنت على ما ليس عندي بالسؤال عنه عبر أصدقاء تعودوا عليّ وتعودت عليهم، وانتهى بحثي بفشل ذريع للحصول على تأكيد يثبت الحديث، وحسم الأمر الأستاذ الدكتو محمد لطفي الصباغ، وأكد لي مقالة الأستاذ مهدي، بل زاد وقال انه حديث موضوع، وقال ان هناك أحاديث كثيرة وردت فيها كلمة الحميراء وكلها موضوعة، باستثناء حديث واحد ورد في النسائي، ولقد كنت عثرت على حديث في سنن ابن ماجه، غير ذلك الذي عند النسائي، ولكن لم أجد الدكتور الصباغ يشير إليه، وحصر الأمر في حديث النسائي.

المهم من هذا البحث أن وصف الرسول صلى الله عليه وسلم للصديقة عائشة بالحميراء قد ورد صحيحاً، في واحد من الأحاديث، مع وجود أحاديث أخرى عديدة موضوعة، ومن الموضوعات حديث خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء، وهو لم يرد في أي كتاب من كتب الحديث التسعة، التي استندت إليها لجنة المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، ولسوف أعود لهذه القضية في مقال يخصها من هذه السلسلة - إن شاء الله - ولكنني هنا أشير إلى التناقض النسقي داخل ثقافة نجد فيها أرقى نماذج التعامل الإنساني مع المرأة والمهمشين ومع الأطفال والمساكين والصغار، ونجد في المقابل سلطوية فحولية وطبقية صارمة، ومع كون النموذج المثالي للأمة هو نموذج متعال ومثالي وفي الوقت ذاته عملي وإجرائي إلا اننا نرى نقيض ذلك في السائد الثقافي العام، وهذا يشير بوضوح إلى غلبة النسق الفحولي التسلطي، على الرغم من النماذج الإنسانية العالية. وهذا ما نقصده دائماً في الإحالات على النسق، إذ ليست العبرة بوجود نماذج ذات بعد تعددي وإنسانوي، وهي موجودة فعلاً في أمثلة قديمة وأخرى حديثة، ولكننا في قراءة الخطاب الثقافي ونقد الأنساق يلزمنا كشف عناصر الهيمنة وكشف وسائل هذه العناصر في تمرير وتسويق هيمنتها حتى لتحول كل ما هو إنساني النزعة إلى مسخ شكلي لا يمس الجوهر، وما صورة المرأة في ثقافتنا - وفي كل الثقافات حتى الأمريكية والانجليزية - إلا علامة على تحكم النسق في تشكيل هذه الصورة ومسخ كل صيغ التحويل ثم تجييرها لمصلحة النسق الفحولي وعلامات ذلك كثيرة وعديدة، ولسوف تمر بنا أشياء كثيرة من هذا عبر هذه المقالات.

وأعود للأستاذ مهدي عماش حيث سعدت بمكالمته والتحدث معه في هذا الشأن وكان لملاحظته عن حديث الحميراء فائدة جليلة لي في البحث وتصحيح التصور، كما أنه أشار إلى رأي يراه حول التكتم على أسماء النساء في مجتمعنا وأحال ذلك إلى نازع من التخوف مصدره أن الرجال يخشون من ذكر أسماء محارمهم على مسامع الناس حتى لا يكون ذلك موضع تمتع مجاني من السامعين حينما يأخذون في تخيل المسميات وتلوين الصور حول الأسماء، وتكون المحارم هنا مادة امتاعية ذهنية وخيالية، ولذا يرى أن اسماء من مثل ليلى ومي وعزة تجر الخيال الذكوري وتطلق العنان له لتكون صاحبة الاسم مادة لهذه المتعة المتخيلة، ولاشك أنني أقدر الرأي وأحترمه، ولكنني أرى أن هذا سببه هو المغالاة في التكتم على اسم المرأة حتى ليصبح الاسم بمثابة الخطر الذهني نتيجة لذلك التكتم، وما يحس به الأخ مهدي إنما هو نتيجة وليس سبباً، ذلك لأن مداومة الظن بأن اسم المرأة عيب يجب ستره هو الذي يجعل مجرد ذكر اسم المرأة حادثة كبرى وغير طبيعية ويجد المرء مشكلة عويصة في مواجهة هذه اللحظة، ولقد روى كثير من الرجال مواقف حرجة مرت بهم بسبب اضطرارهم لذكر أسماء أمهاتهم وبناتهم وزوجاتهم علناً أمام الناس، ومازال هذا قائماً في مجتمعنا بدليل بطاقات الزواج، وأمثلة وقوف الناس في أقسام الجوازات وإخراج البطاقات، وفي ذلك طرائف عجيبة سأذكر نماذج منها في مقال لاحق - إن شاء الله -.

ليس اسم المرأة مجرد اسم ولكنه علامة اجتماعية ومفهوم عائلي يدخل في اطار المحارم، وتشمل هذه المحارم خصوصيات العائلة ومقام الرجل، ويكون الرجل رجلاً عبر خيمة الذكورية، ولكنه يجد ذاته مصدر نقص وحساسية كلما درجت الأنوثة، وهي في نظره عبء وحمل ثقيل، وهذا شعور ورثته الثقافة منذ زمن الوأد الجاهلي، وهو وأد لم ينقطع، وإن تبدلت صيغه، وليس التكتم على الأسماء إلا مجازاً ثقافياً ينطوي عن حسن عميق في الوأد والدفن، ومثله تأتي صور المرأة في ذهن الرجل حيث يراها أقل منه وأنقص تأهيلاً وأنقص حقوقية، ولو حصل تغير جذري بحيث تدرك المرأة بعض حقوقها فإن الثقافة الفحولية تبتكر لنفسها صيغاً جديدة للالتفاف على المتغيرات، وفي أمريكا زادت نسبة العنف ضد المرأة وازدادت حالات العنف المنزلي وهو موجه ضد النساء والأطفال، هذا في زمن الحقوق والتعدد، مما يعني ان النسق يعرف كيف يقاوم المتغيرات ويعزز وجوده بوسائل متعددة معظمها عنيف، ويتوازن العنف مع مقدار قوة التغير، مثلما رأينا من عودة النسق المحافظ في أمريكا بأعنف مما كان عليه قبل بروز الليبرالية، وهي عودة حتمية لما نعلمه عن النسق من قوة في المواجهة وحماية المكتسبات الثقافية التاريخية، ولذا نقول إننا بحاجة قوية لممارسة مزيد من النقد للنسق المهيمن مع كشف حيله في الرجوع والمقاومة، وتكرار نفسه بصيغ مختلفة، وهي صيغ خداعة ومراوغة وتحتاج إلى كشف مستمر.

واخــــــــتم بالإشـــــارة إلى المثل الشعري النحوي الذي يــــــــــقــــــــــول: بنونا بنو أبنائنا، بيـــــــنما نسل البنات ليس مـــــعتـــــــــبراً في العزوة العائلية، وهــــــــــي عزوة ذكــــــورية تأنف من التأنيث وتتصاغر به، وتــــــــتـخــــذ لذلك صيغاً لا حصر لها في التعبير عن نفسها.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 6

  • 1
    الأستاذ عبد الله الغذامي
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
    كما أسلفت أستاذنا الكريم فالموضوع الخاص بالبنت السعوديه في اي مرحلة عمريه كانت لا زال متمسك بفئات كثيره من المجتمع وأحد الصور اللتي وجدتها هي في موضوع البطاقه الخاصه للمواطن و المواطنه لانها حق لهما كفله النظام اللذي وضع لرقي المجتمع ونموه فكم فتاه وامرأه تملك هذه البطاقه اليوم , مع العلم ان فوائدها لا تحصى وتمنع الظلم وتيسر الحياه في ما كفله الدين السمح لنصف المجتمع الصابر. والأن نسمع ان الدوله قد بدأت بتوقيع اتفاقيات مع دول مجلس التعاون الشقيقه بخصوص التنقل باستخدام البطاقه ( بدأنا بدولة الامارات العربيه المتحده) فاستخدامات البطاقه الشخصيه تعدى الحدود السياسيه للدوله وإنما هو معرف للمواطنين السعوديين في الدول الاخرى . هذا احد الامثله اللتي اردت ان أشارككم بها . تمنياتنا لكم بالتوفيق المستمر.

    مــاجـــد بن محمد الـــرشيـــد - زائر

    02:54 صباحاً 2005/01/06


  • 2
    قفز إلى ذهني مفارقة طريفة تتمثل في عادة حجازية قديمة حيث كان الرجل لا يكتفي بعدم ذكر اسم زوجته أمام الناس، بل كان لا يناديها باسمها، وإنما يقول يا أم فلان أو يا هو. لكنها بالمثل لم تكن تنطق باسمه لا أمامه ولا في غيابه، فهو أبو فلان أو يا هو أو حتى سيدي. وعلى الرغم من تماثل عدم النطق بالاسم الصريح إلا أن الدوافع متباينة- فالرجل يتحرج من نطق اسم المرأة لكونها \"حرمة\"، وهي تمتنع عن النطق باسمه احتراماً وتبجيلاً. أما مسألة الاستمتاع الذهني باسم المرأة أو حتى صوتها فتلك حقيقة مردها إلى أنه كلما ازدادت كثافة الفصل بين الجنسين كلما ازدادت درجة الحساسية والتشوق والتلهف، وحجب المرأة الوأدي -وليس تحجيبها- يغيبها ويحولها إلى مادة تغزي الخيال وتلهبه، وتلك نتيجة إذا وليست سبباً كما تفضلت يادكتور.

    Lamia Baeshen - زائر

    07:58 صباحاً 2005/01/06


  • 3
    إشارة إلى ماذكرت أستاذنا الكريم من أنفة الرجل ذكر أسماء محارمه،أود أن أشير إلى أن الرمز المثالي لم يكن يفعل هذا بل إن حياته تثبت العكس فحينما سأله سائل من أحب الناس إليك ؟قال: عائشة ، وحينما أسقطت الإناء أمام بعض اصحابه لم يزد عن الإبتسامة وقال: غارت أمكم والحديث عند مسلم كما -أظن- .
    وما هذا التكتم والشعور بالحرج إلا علامة واستكمالا لذهنية الأب الجاهلي القديم الذي يدفن ابنته خوف العار ،ويخشى الآن تردد اسمها لشعوره بالعيب اضافة إلى الإحتقار خصوصا في المجتمعات التي تطغى فيها العادات الإجتماعية إذ يوجد في بعض المجتمعات -وسمعناها-مرارا عند ذكر المرأة يقال (أكرمكم الله) اشارة لنقصها، والشئ الذي استعصى علي فهمه أن هذا الشخص في وقت الملمات (ينتخي) بأخته على مسمع من الجميع بعد أن كان يكرم الجلوس من ذكر اسمها.

    عيد فرحان العنزي - زائر

    11:48 مساءً 2005/01/06


  • 4
    اولا اقول جيد ان كتابنا يرجعون دائما ويبحثون عن صحة الاحاديث ويسالون اهل الشان في ذلك لكن كاتبنا القدير لم يبين كيف صح الحديث اخيرا
    ثانيا عدم ذكر اسماء الامهات والزوجات قد يكون له اسباب ومنها
    ان غالب كتابنا لا يعرف القارئ اسماء امهات الاعلاميين وهم القدوة ولذلك يسير القارئ خلف الكاتب فكيف نصحح الخظا

    ابوفاطمة - زائر

    09:58 مساءً 2005/01/08


  • 5
    اردت فقط تسجيل اعجابي بموضوع مقالكم وقدرته الهائله على قولبة المفهوم العام وسبب طرحه البناء الواعي المدرك الناضج لاهمية تواصل افراد البشريه الواحده بالجنسين رجال ونساء من اجل غايات خلقنا الله لتعامل بها لتتبلور صورة الاحترام المتبادل بين الجميع رجال نساء ونحافظ على توازن الافراد النفسي والاجتماعي مستقبلاً..

    دليلكم قوي وحاسم في شخص رسول الله محمدالمصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه اجميعن ! حيث كانت تتجلى مظاهر الاحترام بين الجنسين وبين افراد المجتمع الواحد في ذالك الزمان !!

    قد نتنبه من مقالكم الى اهمية تلك النظره ((كا منهج تعليمي ))مهم للاولاد والبنات على حد سواء كي نبقى في الصورة التي رسمها لنا خالقنا الكريم واوضحها لنا رسوله المصطفى صلى الهل عليه وسلم كي نلحق الامم الاخرى ونسبقها ..!

    شيخه - زائر

    02:30 مساءً 2005/01/11


  • 6
    يجب التفريق بين الدين والعادات والتقاليد فقد يعتاد أقوام على الخجل من ذكر اسماء نسائهم ومحارمهم والبعض الآخر يقول أكرمكم الله قبل ذكر المرأة عرفا وليس تدينا ولا يجوز أن يستغلها أحد في أمور الغرض منها التهجم علي شعائر الدين من حجاب وستر، ولاننسي مسألة أن صوت المرأة عورة فلايصح رفعه وإظهاره إلا للحاجة.

    خالد حسن المطوع - زائر

    03:01 مساءً 2005/01/17



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة