في المؤتمر الصحفي الذي أعقب، مباشرة، انتهاء القمة الخليجية كرَّر وزير الخارجية البحريني محمد بن مبارك الخليفة عبارة واحدة عدة مرات بنَفَس دفاعي مستميت.. هذه العبارة هي: «وقد يتساءل البعض..»، ثم كان يسرد بعدها اجابة مطولة لسؤال افتراضي لم يطرحه أحد من الصحفيين الذين كانوا ينتظرون بفارغ الصبر انتهاء الوزير من تلاوة بيانه ليوجهوا له الأسئلة عن نتائج القمة!
في كل مرة كان الوزير يمهد لسؤال ما بتلك العبارة: «وقد يتساءل البعض»، مع أن أحداً من الصحفيين لم يلق أي سؤال إلا بعد أن انتهى الوزير من إلقاء بيانه الذي عدَّد فيه منجزات القمة الخليجية الأخيرة.
وفي العادة عندما تأتي المقدمات اعتذارية أو متحفظة بهذا الشكل يبدأ الشك يلعب بالرؤوس.. فلو كانت الأمور على ما يرام لما خطر ببال الوزير أن يطرح كل هذه التنبيهات على شكل عبارة واحدة متكررة هي: «وقد يتساءل البعض..!».
أحياناً يلقي أحد الأشخاص كلمة يثني فيها على شخص آخر أو على دولة أو مؤسسة أو أي أمر من الأمور، وبعد أن يشبع الممدوح ثناءً يتوقف لكي يلتقط أنفاسه ثم ينسف كل ما قاله بكلمة بسيطة واحدة هي: «ولكن!».
هذه الـ«ولكن!» تمسح وتلغي كل ما جاء قبلها.. فما أن يتفوه المتحدث بـ«ولكن!» حتى تستيقظ جميع حواس الالتقاط لدى المتلقي لأنه يدرك ان كل ما جاء قبلها هو تمهيد تفرضه اللباقة وأن بيت القصيد، ومربط الفرس، وزبدة الكلام، وخلاصة الأمر، والنتيجة النهائية التي يريد المتحدث أن يصل إليها فعلاً هي ما بعد الـ«ولكن!».. ولو أن المتحدث أدلى بما لديه بأسلوب مباشر وترك هذه الـ«ولكن!» المريبة فلربما جرت الأمور بطريقة عادية لا تستثير فضول الآخرين ولا تثير لديهم حاسة شم الأشياء المخبوءة التي قد لا تراها العين المجردة إلا بمساعدة منظار مقرب اسمه «ولكن!».
لهذه الأسباب يجد الكثيرون أن الـ«ولكن!» وأخواتها لا تبشر بالخير كلما أسرف المتحدث بالمديح ثم رمى مستمعيه، على حين غرة، بواحدة من فصيلة «ولكن!» لكي يأخذ باليد اليمين ما قدمه باليد الشمال!!
لقد تذكرت «ولكن!» وأخواتها عندما قدم الأمير سعود الفيصل توضيحاً لما جرى في الآونة الأخيرة في مجلس التعاون الخليجي.. فحديثه كان صريحاً وخالياً من أي «ولكن!».. وهذا جيد لأن الأمور يجب ان تكون واضحة إذا كنا نريد مجلس تعاون خليجي فاعل. فنحن لا يمكن أن نجمع بين اتفاقيات ثنائية مع دول كأمريكا ثم نقيم فيما بيننا اتحاداً جمركياً لأن الاتفاقيات الثنائية ستكون بمثابة ثغرات تنفذ منها الدول غير الأعضاء وتجعل الاتحاد الجمركي الخليجي بلا فائدة وبلا معنى!
لهذه الأسباب، ايضاً وأيضاً، أشعر بمقت شديد لـ«ولكن!» وأخواتها أكثر من أي وقت سابق.. فقد جاءت هذه المرة عندما كنا نعتقد أن دول المجلس قد اقتربت من حصد ثمار الجهد الكبير الذي انتظرنا نتائجه طويلاً.. ولكن!