ثاني الملاحظات والافكار التي عنت لي اثناء زيارتي للهيئة الملكية للجبيل وينبع هي، اننا، واذا ما استطعنا وضع مناهج مؤسسية وارسينا قواعد عملية متينة، نستطيع ان نحقق ما نعتبره الآن اعجازاً مستحيلاً.
نعم.
ثمة ما نعتبره اعجازاً وانجازاً حين يتجه تفكيرنا ادارياً، مع انه يبدو طبيعياً بنظرة موضوعية.
المؤسسية ومظلة الأمن الوظيفي
خذ مثلاً لذلك.
الانضباط الوظيفي الذي يسود في الهيئة الملكية يعود بشكل مباشر الى ان الجميع في مواقعهم العملية يخضعون لنظم صارمة ومحددة، والطريق الى الترقي في الوظائف محكومة بهذه النظم، لذا فإن المرؤوس يستشعر نفوذ الرئيس، لأن هذا الرئيس احتل موقعه من خلال جهده وقدراته، لا عن طريق المحاباة، فهو جدير بالتالي بالموقع الذي يحتله.
وطالما كانت النظم المؤسسية والقوانين هي التي تتحكم في تحديد المواقع الوظيفية اذن فالجميع متساوون امام النظام. وهذا يساعد كثيراً في ترسيخ القيم المؤسسية، على عكس ما يمكن أن يكون عليه الحال في حال الانفلات المؤسسي حيث تخضع الفرص لقيم واعتبارات شخصية وذاتية وقد لمست في الهيئة الملكية كيف ان اللغة المستخدمة بين العاملين بها قد تأثرت بهذا المناخ، فهي لغة منضبطة وواضحة وتحمل الكثير من المضامين العملية الواضحة، وقد تخلصت من المحمولات الشخصية والذاتية بين العاملين.
حسناً.
دعنا نتأمل قليلاً واقع هذه الهيئة الاداري.
انه يقوم في أساسه على النظم واللوائح التي تسير وتضبط ايقاع العمل، وبالتالي فإنها تنشر مظلة من الامن الوظيفي، وفي ظلها يأخذ كل صاحب حق حقه بلا زيادة ولا نقصان. وفي مناخ عملي مثل هذا يرتاح الجميع، لأن هناك ضوابط تضمن الحقوق، وتفتح آفاق التنافس الشريف بين الجميع، وتكون الكفاءة في هذه الحالة هي المعيار الذي يعتمد عند الترقي، لذا لاحظت علاقة احترام واضحة بين الرؤساء والمرؤوسين.
ويرجع السبب في هذا الاحترام الى ان المرؤوس على يقين من كفاءة وجدارة رئيسه الذي لم يقفز الى منصبه او يغتصبه بسبب المحاباة او الجاه، وانما وصل اليه عن كفاءة وجدارة ومثابرة واجتهاد في العلم والعمل.
في الطريق الى قيم بديلة
وهذا يقودنا الى نقطة اخرى، وهي، ما ظللت الح عليه في كل ما اكتب عن ضرورة ترسيخ القيم المؤسسية عوضاً عن شخصنة السلطة الادارية الذي ظللنا نمارسه كمنهج ثابت لا يقبل التغيير.
فالنتيجة الطبيعية لمأسسة السلطة الادارية هي الاستقرار الوظيفي لكل القوى العاملة، وفي ظله تتفجر ملكات وقوى العاملين الابداعية حيث يسود مبدأ الجدارة كمعيارية وحيدة، وتنتفي بالتالي المعايير الخاصة والذاتية مثل الحب والاستلطاف والقرابة وما شابهها، وقد كتبت عن هذا واكدت عليه اكثر من مرة. ولكنني رأيته بعيني ولمسته بيدي في الهيئة الملكية.
ولا أجد سبباً واحداً يقنعني بعدم تعميم تجربة الهيئة على مؤسساتنا الوطنية في القطاعين الخاص والعام، طالما هي نجحت بهذا المستوى، والمشكلة ان صوتي كاد أن يبح من كثرة الحاحي على هذه القيم العملية.
وذلك انطلاقاً من قاعدة يجب أن تترسخ في أفهامنا، وهي، أن الجبيل وينبع والهيئة برمتها انما هي للوطن، وليس الوطن ملكاً لها، وهي جزء لا يتجزأ من الوطن، لذا يجب أن تعمم تجربتها الادارية طالما اثبتت نجاحها وجدواها بالشكل الذي هي عليه.
حل المعادلة الصعبة
أما الملاحظة الثالثة فتتلخص في هذا الشكل الذي رأيته، والذي استطاعت ادارة الهيئة من خلاله ان تقيم توازناً مضبوطاً ما بين معادلة التنمية الصناعية العملاقة وما بين المحافظة على البيئة.
وتكاد أن تكون هذه واحدة من أعقد المشاكل التي، وبسبب الحاحها، عقدت لها المؤتمرات الدولية، وليس ببعيد عن الذاكرة مؤتمر «قمة الارض» الذي عقد في بيونس آيرس برعاية الامم المتحدة وحضره اكثر من مائة من رؤساء الدول، ونوقشت فيه المخاطر البيئية على كوكبنا الازرق بسبب المخلفات الصناعية التي لوثت البيئة فيه، واحدثت ثقباً في غلاف الاوزون الذي يصد عن الارض اشعة الشمس الضارة.
ولا أحد يجهل الآن ضرورة هذه المشاريع الصناعية مثلما لا يوجد من ينادي بضرورة الغائها بسبب هذه المخاطر البيئية التي تهدد الحياة على الارض.
إلا أن التحدي يكمن في كيفية التوفيق ما بين تواصل هذه المنظومة الصناعية المتطورة والحفاظ على بيئة نظيفة وصحية ومعافاة بذات الوقت.
وهذا هو التحدي الذي عجزت كثير من الدول الصناعية المتقدمة عن التصدي له بالشكل الملائم.
إلا أن مدن الهيئة الصناعية نجحت في تحقيق هذه المعادلة بامتياز ويلاحظ الزائر - ولا نقل العاملين - ان شوارع المدينة هناك تتميز بالنظافة، وان حدائقها تكاد تكون مثالية من حيث التنسيق والتشجير، ولا يوجد طفح مجاري مياه الصرف الصحي في شوارها، ولا توجد أبخرة متصاعدة لتلوث الهواء.. لماذا؟ لسبب بسيط وهو أن الخضرة الكثيفة تمتص هذه الابخرة، سواء تصاعدت من السيارات او المصانع.
هذا، في الوقت الذي تعاني فيه مدينة جدة، وهي ليست مدينة صناعية مثل الجبيل او ينبع مثلاً من ارتفاع مخيف في تدهور بيئتها الصحية.
واعتقد جازماً بأننا لو استطعنا ان نعمم ايضاً هذه التجربة الفذة، لارساء أسس نهضة صناعية وزراعية في مشاريع عملاقة، مع الحفاظ على هذا التوازن البيئي، فإننا سنكون قد قدمنا للعالم نموذجاً يحتذى به.
ونواصل..
٭ أكاديمي وكاتب سعودي