يوجد قرب مدينة البصرة العراقية ميناء اسمه (أبوفلوس).. ومعروف أن العراق يفتقر إلى الموانئ ويكاد أن يكون دولة قارية لا تطل على البحر، وهذا هو أحد أسباب مشكلات العراق المزمنة مع الكويت..
لكن ميناء «أبو فلوس» اسم جديد على مسامعنا.. على الأقل أنا لم أسمع به من قبل، وهو مثل مدن وقرى عراقية كثيرة لم نكن قد سمعنا بها قبل الحرب وأصبحت الآن من المفردات اليومية التي تتكرر في أحاديثنا..
المفارقة هي أن ميناء «أبوفلوس» ورد في سياق قصة خبرية منشورة في بعض الصحف عن مجموعة من مهربي النفط الذين تم إلقاء القبض عليهم من قبل الشرطة العراقية.. وفي الصورة الملحقة بالخبر مجموعة من العراقيين يبدو عليهم الانكسار وقد جلسوا القرفصاء أمام شخص يلتقط لهم صورة ومعه جنديان مسلحان.. والمنظر يوحي بالبؤس أكثر مما يوحي بـ «الفلوس»، وهذه - أيضاً - من القصص المزمنة في العراق.
مسافة غير بعيدة بين «أم المعارك» و«أبو الفلوس».. فلا أم المعارك جاءت للعراقيين بالنصر الموعود ولا أبو الفلوس جاء للبؤساء المسحوقين بجحيم الحرب شيئاً من «الفلوس» التي تسد الرمق (لا أحد، بالطبع، يتحدث عن جمع ثروات طائلة باستثناء هاليبيرتون وغيرها من الشركات الأمريكية التي جاءت لتجمع أسلاب الحرب!).
المنظر كان بائساً حقاً.. ففي البلد المحتل حيث «تهبر» الشركات الأمريكية مليارات الدولارات في مشاريع تكاد تكون على الورق حتى الآن، يتم القبض على مواطنين بائسين يهربان النفط من ميناء «أبوفلوس».. ولكي نتخيل حجم المأساة يتعين علينا أن نرى صورتهما المنشورتين في الصحف وقد وثقت «الجريمة» بتصوير العربة والتي يجرها حمار وفيها النفط المهرب!!
عربة بدائية.. وحمار.. ومواطنان جلسا القرفصاء وقد أمرا بوضع أيديهما خلف عنقيهما.. وجنديان يصوبان رشاشيهما تجاه المواطنين.. ومصور عسكري يلتقط الصورة التي ستدمغ الرجلين وتثبت الجريمة..
ما يجري في العراق يدمي القلوب.. فالمواطن العراقي المسكين أسير متناقضات لا حصر لها تضيّق الخناق عليه..
هو أسير الضائقة الاقتصادية يبحث عن لقمة العيش لأطفاله الذين يتضورون جوعاً أمامه..
وهو أسير الاحتلال الذي يصول ويجول و يعده بالمن والسلوى لكنه لا يرى سوى القتل والخراب والتفجيرات والسيارات المفخخة..
وأسير البيانات التي تحرضه على الجهاد وكأن الجهاد «تمرٌ أنت آكله» (على حد تعبير الشاعر القديم)..
وكل ذلك من خيرات أم المعارك وصاحبها القابع في قبو ما بمكان ما تحت الحراسة الثقيلة.. فاعتبروا يا أولي الألباب!
صورة ومعنىجندي عراقي يلتقط صورة لزميل له مع جنود أمريكيين في حديقة ببغداد (أ. ف ب)