كانت المحاضرة عن الشاعرات السعوديات وهذا يستدعي بالضرورة والريادة ذكر اسم فوزية أبو خالد وريادتها الشعرية، وكنت أتحدث على الطلاب مرددا اسم فوزية أبو خالد، وكثر ورود اسمها في حديثي، وفي خضم الكلام صرت ألحظ طالبا لم يكن في الصفوف الأمامية ولكنه كان في موقع مركزي من القاعة، كان ينظر اليّ بعيون لمست فيها التساؤل والاندهاش، وبطريقة تلقائية وجدتني اتجه اليه بنظري كله وأخفف من صوت حديثي متلمسا شيئا قد يريد الطالب قوله، وفي تلك اللحظة وجدت الطالب يقول بما يشبه الهمس: أم خالد..؟؟!!.
لم استطع تمالك نفسي فانفجرت ضاحكا ومتقبلا قوله بفرح عجيب هز كياني. لقد كان الطالب في حيرة من امره وهو يسمع اسم الشاعرة، ويسمع اسم فوزية، ثم يتلو ذلك كلمة (أبو)، وكان يظنني قد اخطأت ونشأت في نفسه رغبة في تصحيح خطأي ولكن عبر التساؤل.
هي فوزية ويفترض بامرأة هذا اسمها الدال عليها ان تكون كنيتها مؤنثة ايضا، وستكون (أم خالد) ولابد من تصحيح هنا، وكيف تكون فوزية ابا، انها ام لخالد وليست ابا له.
احسست لحظتها ان الطالب قد فتح عليّ بابا عريضا لقول عريض حول الثقافة وعلاقات التأنيث والفحولة فيها. وإن سهل الأمر في ان يقول زملاء الطالب لحظتها ان ذلك هو اسم عائلة الشاعرة، وكانوا بهذا يردون على زميلهم، وصدري وصدر القاعة يتسع لحوار مثل هذا بين الطلاب، غير اني فتحت عليهم بابا آخر، عن الأسماء والدلالات وعن ثقافة المجتمع مع المرأة. وكان طلابي شبابا في المستوى الثامن، اي انهم دفعة تخرج، وتخصصهم لغة عربية، والمادة في النقد الأدبي. وهم يتكونون من تشكيلة اجتماعية متنوعة من كافة انحاء المملكة من جيزان جنوبا الى القطيف وحائل والقصيم وتبوك، شرقا وشمالا وغربا، وهذه فرصة لقراءة نوع من الرأي العام الوطني وهي عينة على مثال ثقافي متعدد المصادر، وهذا ما حدا بي الى فتح موضوع سيفيد في كشف جوانب من النسق الثقافي، ومن حسن الحظ ان الطالب بحسه الفطري الصافي قد فتح باب السؤال وهذا ما جعلني أطرب لسؤاله وأثني عليه أمام زملائه وفي الوقت ذاته قلت له إنني سأروي ذلك للشاعرة فوزية أبو خالد، وقد فعلت ذلك وهي تعرف القصة مثلما تعرف انني مدين لها بكنز عاطفي عميق اذ كانت هي السبب في كتابتي عن أمي - رحمها الله - وقد كنت قد مررت بفترة من العجز التام عن التحدث عن والدتي بعد وفاتها، ولكن فوزية فاجأتني يوما بأن ارسلت لي تعزية على الناسوخ، وفيها كلام عميق ومؤثر عن امي وفيها تعبير وجداني فياض، وأمام تلك الرسالة وجدتني افتح الكومبيوتر لأكتب مقالتي عن الجهنية، وأرسلها فورا لجريدة "الرياض"، ثم ذهبت لأتناول فطوري ودموعي معا، وأبدأ يومي وقد قلت كلمة في حق أمي التي رحلت، وكانت فوزية أبو خالد هي التي فتحت انغلاق لغتي وتعثر تعبيري وفكت لساني في تلك الصبحية الممتلئة بالوهج النسائي الإنساني من فوزية الى فاطمة الجهنية.
كنت قلت هذا حينما رأيت فوزية أبو خالد، وهنأتها على ابنتها طفول، وكانت طفول قد كتبت مقالة في اليمامة جعلتني اشعر كيف ان دار الإبداع لا يخرج منها غير الإبداع، وهي هذه فوزية أبو/أم خالد ما وضعت يدها على شيء الا تفجر ولقد فجرت روحي بكلمات الرثاء وقد تحجرت نفسي على مدى اسبوعين مرا على وفاة امي ولم استطع ان اقول فيهما كلمة واحدة حتى جاءتني تعزية فوزية فانهمرت الدموع مني والكلمات وكتبت ما كتبت وأنا لا اكاد ارى شاشة الكمبيوتر من غمرة الدموع لعيوني، وما زلت احتفظ بورقة التعزية من فوزية وأخصها بعناية خاصة فهي عندي فتح نفسي وإنساني، وحينما اربط هذا بذاك فإني احيل الى ما فعله اسمها في طالب تفتحت نفسه بالسؤال والظرف معاً لمجرد ترداد اسمها وكان الطالب يسمع الاسم لأول مرة، ولابد لنا ان نغفر له ذلك بشفاعة نباهته امام ملاحظة فطرية كان يجب ان تثار، ولقد فتح سؤال الطالب عليّ وعلى القاعة كلها ابوابا للبحث والتساؤل سوف اتطرق اليها في عدد من المقالات ستأتي - ان شاء الله - تباعا هنا، عن قضايا تتعلق بالمرأة والثقافة والأسماء وكلها علامات نسقية، كما سأتطرق الى جوانب عن فوزية ابو (أم) خالد، وعن كواشف نسقية في خطابها وفي نصوصها.
رسالة
اقدم تحية خاصة للأديبة حنان السيف، التي افرحتني بعودتها للكتابة وهي تضرب مثلا راقيا في الاحتساب والصبر الجميل لامرأة مؤمنة راضية، وكم كانت فجيعتها في زوجها المرحوم الدكتور عبدالسلام البرجس، فجيعة لنا كلنا على رجل جليل وداعية منفتح وباحث اصيل وأخ كريم وله دور متميز في الخطاب الدعوي الإنساني المعتدل والوسطي بصدق، وقبل ذلك كان امتحانها على الصبر والإيمان بمرض فلذة كبدها، ابنتها، وطال المرض الخبيث الى ان اختار الله الطفلة الى جناته، وتصبر الأديبة حنان وترضى، وكم افرحت الجميع حينما عادت الى قلمها وصارت تنشر دراساتها ومقالاتها ضاربة المثل بالصبر وتجاوز الملمات ومحتسبة كل ذلك عند ربها وقائلة في نفسها هذا خيار الله وله منا القبول، لك الله يا حنان، وكم انا فخور بك، مثلما كنت اراك من انجب وأصدق من درس عندنا في الماجستير، وكنت الباحثة التي نراها الآن ونعرف جدها وعزمها، وفقك الله ولنفرح بك دوما، إن شاء الله
1
اسمح لى سيدى بالرد
ولكن على مقالة الجهنية:
صحيح مقالتك هذه بل جميع مقالاتك كانما هى نزهه فى مركب نهرى بلا امواج حيث الافق واسعا بعيدا حنونا والسماء عالية حامية يشعر المرء فيها بقمة الامان والحنان والعطاء الذى استلهمته روحك من الجهنية رحمهاوايانا الله
ولكن الفضول سار بى من ام خالد وحتى الجهنية فقلت اقرا منها جزءا او بعض جزء!فمالبثت حتى تركت جميع مابين يدى وانتبتهت اليها حتى التحمت بها واظنى شاركتك انا الاخرى حب الجهنية فقط من بضعة سطور هى لمحات لحياة كاملة مشرقة عطاءة بالرغم من انتهائها فى عرفنا بالموت فهؤلاء العظيمة نفوسهم القصيرة اعمارهم وان طالت هم من ترتفع سيرتهم ويتحول دربهم للاشراق والتوهج بعد الموت عكسا لاولئك الذين ترافقهم الطبول والدثور ماعاشوا ثم يطويهم النسيان ويأبى ناقوس الذكرى أن يدق لاسمائهم
يكفى تلك السيدة عطاء ان نسأ الله فى عمرها باابن يحكى عنها حتى يحب الناس ذكرها وصحبتها حتى لكأنى كنت جارتها فى تلك الحارات العشر!ويكفيها عملها الصالح ويكفيها ما تعلمناه وما اكدت عليه مقالتك من ان العطاء ابدا لايموت بل انه ايضا يورث كما ذكرت فى ام خالد وكما برهنت انت بنفسك على ذلك حيث تعطى امك الحبيبة وتبذل دمعك وقلمك فى سبيلها وحيث تعلم تلاميذك وقراؤك الحب والعطاء وتجزد علينا من نفسك
باركك الله ورحم الام الحانية وزادنا استئناسا بعطائك وجزى عنا ام_ابو خالد الخير لانها فتحت منك المغاليق ولانها كانت سببا فى قراءتنا لهذا الفيض الكريم
اللهم امين
03:30 مساءً 2004/12/09