• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 15483 أيام

تواصل

آه لو أني أنا

أحمد أبو دهمان

    بعد أن بلغ من العمر خمسين عاماً، اكتشف ان أهل الدثور ذهبوا بالأجور، وأن الطيور طارت بأرزاقها، وان المال والبنين زينة الحياة الدنيا، وأن النساء الجميلات تزوجن بأنصاف الحلول، وأنه لم يعد من طريق يؤدي إلى روما الجميلة، وأن الأصدقاء توقفوا عن مهاتفته، وأن الغراب لا يشيب.

اكتشف هذا وهو في المكتبة، كانت عيناه مثل حجرين صغيرين، وقد تلاشى كل شيء في ذاكرته. كانت لحظة معتمة كتلك التي لا يعرفها إلا الذين قضوا كل هذه السنوات بحثاً عن مبرر لولادتهم. قضوها في متعة الأسئلة التي لا تفضي إلى جواب.

وهو في هذه الحالة، فاجأه أحد الباحثين الاجتماعيين يسأله عما يبحث، أجابه بهدوء لا يعرفه أهل الدثور: أنا هنا لا أبحث، أنا أجد، لقد ولى زمن البحث منذ أن عرفت أن كل مكتبة كنز.

انحنى الباحث الاجتماعي لهذه الاجابة ومضى، في حين ظل صاحبنا يتساءل من أين جاءته هذه الاجابة، خرج من تلك اللحظة البائسة، هنأ نفسه ووعدها باحتفال صغير خارج المكتبة.

ذهب إلى سوق البورصة لأول مرة، رأى الهلع الذي يجتاح المساهمين صغاراً وكباراً، سمع صراخ مروجي الأسهم وكيف تتطاير أرواحهم الفظّة في السماء، وعلى الشاشات. وكيف يهاتفون أكثر من شخص وأكثر من بلد في لحظة واحدة. كانت رائحة الجشع تملأ السوق مصحوبة بتلك الأفراح الصغيرة أو الحقيرة، ومعها ما يوازيها من الخيبات والاغماءات. بعض مرتادي السوق وزبائنه تجاوز الخمسين عاماً دون أن يغتسل مرة واحدة بكتاب، كان المشهد ممتعاً لصاحبنا. بحيث أعاد الاعتبار حتى لحذائه البالي. وجد في حذائه رفيقاً عزيزاً لم يعرف درباً غير دروب المعرفة. ولم يقده يوماً إلى هذه الحلبة التي تتجلى فيها قمة البؤس الإنساني. غادرها وهو مبلّل بالغبطة تقوده خطاه ثانية إلى المكتبة، رآه الباحث الاجتماعي يغادرها. دعاه إلى وجبة خفيفة في مطعم قريب من المكتبة، وصف له الفرق بين المطاعم المحاذية للمكتبات وتلك المحاذية للبورصة،الفرق بين وجوه ووجوه، بين أصوات وأصوات، بين جشع وجشع، بين أحذية وأحذية، أكل الباحث الاجتماعي على عجل، معللاً ذلك بأن العمر قصير وأنه لا يطول إلا بالوظيفة والمال.

دله صاحبنا على كل الطرق المؤدية إلى البورصة، وهو يودعه، كل الطرق تؤدي إلى البورصة، إلى الموت.

وقف الباحث الاجتماعي على مفترق الطرق وهو يصرخ:

آه لو أني أنا.


حفظ طباعة تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 

مواضيع مشابهة


التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 1
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    نعم انت خسارة علينا لقد خسرناك واحسسنا بمرارة الخسارة ولازال الحزن يأخذ منا مأخذه عليك . وكأني اراك تتكلم عن نفسك في هذا المقال . المهم عرفناك من كتاباتك وأدبك العظيم الذي نعتز بك وبه نعم انا احد ابناء قبيلتك لم اعرفك الا من القرأة . وفي الختام نحن نحبك

    احمد القحطاني (زائر)

    UP 0 DOWN

    02:46 صباحاً 2004/12/03




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



نقترح لك المواضيع التالية


كلام الليــل

أحمد أبو دهمان

الخيارات

عرض الأرشيف
RSS أحمد أبو دهمان
البحث في الأرشيف
للتواصل ارسل SMS إلى الرقم 88522 تبدأ بالرمز (144) ثم الرسالة